Close Menu
أرشيف الأخبار
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    أرشيف الأخبار
    الاتصال بنا
    أرشيف الأخبار
    الرئيسية » المغاربة ومهاجرو إفريقيا السوداء.. حكايات مكتوبة بمداد الألم

    المغاربة ومهاجرو إفريقيا السوداء.. حكايات مكتوبة بمداد الألم

    بواسطة دابا ماروك6 سبتمبر، 201442 دقائق
    فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
    شاركها
    فيسبوك تويتر لينكدإن بينتيريست البريد الإلكتروني

     أعد الملف –  عبد الصمد الزعلي – محمد حمامة

    تحول المغرب خلال النصف الثاني من القرن العشرين إلى أحد أكبر بلدان الهجرة في العالم بسبب موقعه الجغرافي، لكون سواحل المملكة أقرب منطقة بين القارتين الأوربية والإفريقية، وأصبح المغرب ابتداء من التسعينيات وبداية الألفية إلى نقطة عبور بالنسبة لعشرات الآلاف من المواطنين الأفارقة الحالمين بالوصول إلى ضفاف «الفردوس الأوربي»، قبل أن يتحول في السنوات الأخيرة إلى بلد لاستقرار هؤلاء المهاجرين الأفارقة الذين أصبحوا يفضلون البقاء والعيش بكبريات المدن المغربية، بدل تجشم عناء تكرار محاولة اختراق سياج «سبتة» و«مليلية» المحتلتين أو المجازفة بركوب عرض البحر في مغامرة غير محمودة العواقب، وهو ما ضاعف التحديات الأمنية والاقتصادية وحتى الاجتماعية.

    «المغرب أصبح مثل تلك الشبكة التي تحصر المهاجرين السريين ويقفون عندها، وأصبح مضطرا أن يؤوي العديد من هذه الفئات الهاربة من الفقر أو من الحرب أو من المجاعات»، هكذا كان رد الباحث في علم الاجتماع، علي الشعباني على تزايد أعداد المهاجرين الأفارقة المتواجدين بالمغرب، الذين تكون وجهتهم الرئيسية هي أوربا، إلا أنهم يظلون عالقين بالمغرب بسبب الحدود المغلقة واستحالة العبور إلى الضفة الأوربية. هذا التواجد تحول إلى مصدر قلق وتشويش بالنسبة للمغرب الذي وجد نفسه بين مطرقة الضغوطات التي يمارسها عليه الاتحاد الأوربي من أجل لعب دور الدركي أو «كلب الحراسة» لصد المهاجرين ومنعهم من الوصول إلى الأراضي الأوربية؛ وسندان الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والأمنية المرتبطة بتوافد المهاجرين السريين على المغرب واستقرارهم به، بدل العودة إلى بلدانهم الأصلية المتخبطة في الفقر وانعدام الاستقرار السياسي.

    رضوخ المغرب وقبوله لعب دور «كلب الحراسة» جعله يتحول إلى بلد استقرار للمهاجرين الأفارقة، وهو ما دعا البعض إلى التحذير من كون المساعدات المالية التي يقدمها الأوربيون لا يمكنها أن تكفي المغرب لتغطية الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تسببها موجات المهاجرين المتحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، ناهيك عن كونها جد هزيلة ولا تصل إلى مستوى سد حاجيات من يختارون الاستقرار في المغرب من هؤلاء المهاجرين،  إلا أن السلطات المغربية سرعان ما تقبل العروض الأوربية بالرغم من التكلفة الحقوقية الدولية التي تصاحبها، التي تجعل المغرب في مرمى نيران المنظمات الحقوقية الدولية، التي تتهمه بعض تقاريرها بسوء معاملة المهاجرين الأفارقة وممارسة التمييز في حقهم.

    وزيادة على هذه الأعباء، ظهرت في السنوات الثلاث الأخيرة أحداث مأساوية كان المهاجرون السريون طرفا فيها، على شاكلة ما حدث نهاية الأسبوع الماضي بمدينة طنجة، حينما تم ذبح مواطن سنغالي بحي بوخالف، بسبب خلافات بين أبناء مدينة طنجة وعدد من المهاجرين الأفارقة. هذا الوضع هو أحد تجليات تحول المغرب من نقطة عبور إلى بلد لاستقرار هؤلاء، مع ما يطرحه هذا الأمر من إشكاليات كبرى يعد المغرب في غنى عنها بسبب تكلفتها الباهظة. في المقابل، لا يدخر المسؤولون الأوربيون أي وسيلة لدفع السلطات المغربية إلى مزيد من التشدد لصد موجات المهاجرين السريين، وذلك بسبب ضغوطات مدريد المتزايدة على باقي الدول الأوربية، والتي تجعل الاتحاد الأوربي لا يتوانى في تقديم المساعدات والهبات المالية للملكة، وممارسة الضغوطات السياسية والاقتصادية، وصولا إلى الإغراءات والامتيازات التي يمكن أن تمنح للمواطنين المغاربة الراغبين في السفر إلى أوربا.

    فإلى متى سيواصل المغرب لعب دور الدركي لحماية حدود الاتحاد الأوربي، في ظل الأعباء الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي ينطلي عليها ذلك؟ وهل سينجح المغرب في احتواء المهاجرين المتوافدين على المغرب بالاعتماد على تعدد مكونات الهوية المغربية وروافدها ودور الهجرات على مر التاريخ في تكوين الشخصية المغربية؟ وهل سيؤدي التزاوج والاختلاط إلى الاندماج؟ أم سيؤدي إلى النفور والتوتر؟ أسئلة ضمن أخرى يحاول هذا الملف تسليط الضوء عليها.  

    منظمات حقوقية حذرت حكومة بنكيران من ابتزاز الإسبان

    إلى متى سيواصل المغرب لعب دور الدركي ؟

    [[{“type”:”media”,”view_mode”:”media_original”,”fid”:”12043″,”attributes”:{“alt”:””,”class”:”media-image”,”height”:”342″,”typeof”:”foaf:Image”,”width”:”765″}}]]

     

    يكشف الكثير من الحقوقيين الأوربيين والتقارير التي تنشرها المنظمات المهتمة بحقوق الإنسان في العالم، أنه عندما يتعلق الأمر بالهجرة السرية وموجاتها التي تثقل كاهل أوربا لا يتردد المسؤولون الأوربيون في استعمال كل وسائل الترغيب والترهيب لدفع المغرب إلى التعاون وتقديم المزيد من التنازلات، لصد موجات المهاجرين السريين الذين يتربصون بالأراضي الأوربية، ويتحينون الفرصة المواتية لعبور الأسلاك الشائكة إلى الضفة الأخرى.

    فمن المساعدات والهبات المالية، مرورا بالضغوطات السياسية والاقتصادية إلى الإغراءات والامتيازات التي يمكن أن تمنح للمواطنين المغاربة لدخول دول أوربا، لا يدخر المسؤولون الأوربيون أي وسيلة لدفع السلطات المغربية إلى مزيد من التشدد ضد موجات المهاجرين، وذلك بسبب ضغوطات مدريد المتزايدة على باقي الدول الأوربية. وعلى الرغم من أن المساعدات المالية التي يقدمها الأوربيون لا يمكنها أن تكفي المغرب لتغطية التكلفة الاقتصادية التي تسببها موجات المهاجرين المتحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، كما أنها تعد ضئيلة لسد حاجيات من يختارون الاستقرار في المغرب من هؤلاء المهاجرين، إلا أن السلطات المغربية سرعان ما تقبل العروض الأوربية، بالرغم من التكلفة الحقوقية الدولية التي تصاحبها؛ فقد ضغطت مدريد على مسوؤلي الاتحاد الأوربي من أجل توفير الكثير من الآليات لحراسة الحدود، كما دافعت عن المغرب ودروه المحوري في وقف الهجرة إلى أورباـ ويبقى أحد أبرز الأمثلة هو ما قامت به مدريد لتوفير الدعم للمغرب، من أجل بناء جدار من الأسلاك يحمي «مليلية» المحتلة. 

    وكان الاتحاد الأوربي قد تكلف بمصاريف جدار الأسلاك الذي شيد على طول الحدود التي تفصلنا عن مدينة «مليلية» المحتلة، ورغم التزام السلطات المغربية الصمت اتجاه أهداف وتفاصيل السور فقد خرج وزير الداخلية الإسباني «خورخي فيرنانديث» بتصريح يؤكد فيه أن الاتحاد الأوربي تولى مصاريف تشييد السور. 

    وتضاعف مدريد من ضغوطها على لجان الاتحاد الأوربي المختلفة، والتي تعنى بالسياسة الخارجية من أجل تمكين المغرب من المساعدات المالية والتقنية اللازمة لجعله يؤيد الدور على أكمل وجه، فقد كشف وزير الداخلية الإسباني أن بناء الحواجز يدخل ضمن السيادة المغربية، مشيرا إلى أنه سيتم بناء خندق ثم أسوار سلكية تحيط بـ»مليلية» لمنع تسلل المهاجرين الأفارقة، كما اعترف الوزير في لقاء في العاصمة مدريد أن إسبانيا بالفعل تقدمت بطلب إلى المفوضية الأوربية تطلب بموجبه مبلغا ماليا يصل إلى 50 مليون أورو لمواجهة موجات المهاجرين السريين، وهذا المبلغ سيتم تخصيص جزء مهم منه للمغرب، من أجل بناء الحواجز والمساعدة في تطوير حراسة المعابر الحدودية. 

    كما سبق أن خصص الاتحاد الأوربي 10 ملايين أورو أخرى لدعم الجهود الأمنية الهادفة إلى وقف الهجرة غير الشرعية عبر المغرب، في الوقت الذي تضاعفت فيه تقارير المنظمات الحقوقية التي توثق لحالات تقول إنها عنف غير مبرر في حق هؤلاء المهاجرين من طرف القوات الأمنية المغربية ونظيرتها الإسبانية. 

    في المقابل، لا يتردد الإسبان والأوربيون في الإشادة بجهود المغرب، ونجاحه في تقليص هجمات المهاجرين بشكل كبير، بشكل لم يكن يتوقعه حتى أكثر الأوربيين تفاؤلا، وهو ما حملته تقارير إعلامية إسبانية، أظهرت ارتياح السلطات الإسبانية من الجهود المغربية.

    وأشارت التقارير ذاتها إلى أن السلطات المغربية نجحت في تقليص عدد المهاجرين السريين المتربصين بمداخل «سبتة» المحتلة إلى أكثر من النصف، كما نجحت في وقف الكثير من الهجمات الليلية المنظمة من طرف المهاجرين للهجوم على المعابر الحدودية والحواجز بالأسلاك الشائكة، في الوقت الذي ترى المنظمات الحقوقية أن المغرب اندمج في دور الدركي لفائدة السلطات الإسبانية والأوربية.

    وبدوره كشف مندوب الحكومة المحلية في مدينة «سبتة» المحتلة أن السلطات المغربية نجحت في تخفيض أمواج المهاجرين السريين بشكل غير مسبوق، وتمكنت من تخفيف الضغط الهائل على معابر المدينتين المحتلتين، مشيرا إلى أن الأجهزة المختصة سجلت تراجعا كبيرا للمهاجرين، حيث كان أكثر من 3500 مهاجر سري يرابطون في المناطق القريبة من «سبتة» المحتلة، قبل أن يسجل عددهم انخفاضا كبيرا، بسبب الجهود الأمنية المبذولة.

    وأشارت التقارير الإعلامية الإسبانية إلى أن مسؤولي الشرطة في المدينة المحتلة رفعوا بدورهم تقارير في الفترة الأخيرة، تشيد بعمل الأجهزة الأمنية المغربية لكبح جماح المهاجرين السريين.

    وإلى جانب المساعدات المالية والتقنية، يلجأ الاتحاد الأوربي بشكل عام والسلطات الإسبانية بشكل خاص إلى أساليب أخرى لدفع المغرب إلى لعب دور الدركي» حيث يعرض الأوربيون تسهيل حصول المواطنين المغاربة على تأشيرة «شينغن» مقابل لعب المغرب لدور دركي الحدود، وهو ما سارعت التنظيمات الحقوقية حتى الأوربية منها إلى اعتباره ابتزازا من دول الاتحاد الأوربي للمغرب، في الوقت الذي يقوم فيه المغرب منذ سنوات بالحد من تدفق المهاجرين السريين الأفارقة نحو أوربا دون أن يستفيد في مقابل هذا الدور الحيوي من برامج شراكة في مستوى تطلعاته التنموية الرائدة بمنطقة شمال إفريقيا.

    ونقلت وسائل إعلام إسبانية عن «اينيكو لاندابورو» سفير الاتحاد الأوربي بالمغرب وجود مفاوضات حول هذا الموضوع منذ فترة بين المغرب والاتحاد بمقر الأخير ببروكسل، حيث أشار المسؤول ذاته إلى أنه في حال موافقة المغرب سترفع دول الاتحاد من حصة المغرب من تأشيرات «شينغين»، خاصة رجال الأعمال والمهنيين والطلبة الذين يضطرون للتوجه إلى أوربا بصورة منتظمة.

    ووقع المغرب مذكرة تفاهم مع سفير الاتحاد الأوربي بالرباط تهدف إلى إغراء المغرب بهبات مالية قدرت بـ600 مليون درهم ليلعب دور «دركي» أوربا، للحد من تدفق المهاجرين السريين على القارة العجوز، بالإضافة إلى إرجاعهم، وهو الاتفاق الذي ظل الاتحاد الأوربي يحاول أن يقنع المغرب به منذ سنة 2000، في الوقت الذي كان الرفض المغربي يواجه بمزيد من الابتزاز السياسي والاقتصادي، كما اضطر المغرب إلى قبول اتفاق آخر يقضي بقبول المهاجرين السريين الذين يتمكنون من التسلل إلى الأراضي الإسبانية، وتقوم السلطات الأمنية في إسبانيا بإرجاعهم إلى المغرب، سواء كانوا مغاربة أو من دول أخرى، وهو الاتفاق الذي جلب على المغرب انتقادات واسعة من منظمات أوربية ومغربية، في الوقت الذي اعتبره مختصون يخالف القانون الدولي المتعلق بالمهاجرين. 

    كما فتحت المنظمات الحقوقية ذاتها النار على السلطات المغربية وموقفها المتخاذل تجاه ما أسمته الابتزاز الأوربي، إذ دعت هذه المنظمات المغرب إلى التوقف عن لعب دور الدركي، والعمل على مزيد من احترام حقوق المهاجرين واللاجئين.

     

    المغرب والمهاجرون: علاقات طبعها التوتر والعنف

    على الرغم من مبادرة الحكومة الأخيرة لتسوية أوضاع المهاجرين، وإقرارها صفة لاجئ في المغرب، وهو ما اعتبر تحولا إيجابيا في علاقات المغرب اتجاه المهاجرين، وهو ما ثمنته المنظمات الدولية، ولاقى ترحيبا دوليا كبيرا، إلا أن علاقة المغرب بالمهاجرين السريين، سواء من يتخذونه نقطة للعبور نحو أوربا أو ممن يتخذونه مستقرا لهم، ظلت تتميز بالتوتر، في الوقت الذي طفت على سطح علاقات المهاجرين بالمغاربة أحداث عنيفة وصلت حد سقوط قتلى في بعض الأحيان. 

     وهو توتر سرعان ما وجد صدى في التقارير الدولية التي تصدرها منظمات حقوق الإنسان بشكل دوري، إذ لا تدخر جهدا في تصوير البلد جحيما للمهاجرين وحقوقهم، بالرغم من أن جزءا كبيرا من سياسة المغرب تجاه هؤلاء انعكاس لسياسة الاتحاد الأوربي. 

    ويتصدر الكثير من المواجهات الدامية مشهد علاقة المغرب بموجات الهجرة السرية من دول جنوب الصحراء أو حتى من الدول العربية التي دفعت أوضاعها الأمنية عشرات من مواطنيها للفرار إلى المغرب، وهو ما شكل عبئا مضاعفا على المغرب، سواء على المستوى المادي أو على المستوي الحقوقي. 

    فقد اهتزت مدينة طنجة قبل أيام على وقع مواجهات دامية بين سكان مغاربة ومهاجرين أفارقة، أدت إلى سقوط قتيل من جنسية سنغالية، فيما أدت المواجهات بين الجانبين إلى جرح العشرات الذين نقلوا إلى المستعجلات لتلقي العلاجات الضرورية. 

    وحسب بعض ممن عاينوا فصول الحادث، بدأ ذلك بسبب مشادات كلامية بين مغاربة ومهاجرين أفارقة من جنسيات مختلفة لتتطور إلى مواجهات دامية استعملت فيها الهراوات والسكاكين، مما أسفر عن إصابات وجروح بليغة في صفوف الجانبين، وهي المرة الثالثة التي يشهد فيها حي بوخالف بمدينة طنجة مواجهات بين المواطنين المغاربة والمهاجرين من دول إفريقية جنوب الصحراء، منذ المواجهات العنيفة في شهر دجنبر الماضي بعد مقتل مهاجر كامروني.

    وحسب البعض فإن تصرفات بعض المهاجرين لم ترق لبعض السكان بحي العرفان، فاحتج بعض أبناء الحي على ما قالوا إنه استغلال للشقق لممارسة الدعارة وتعاطي الخمور، لتتحول المناوشات إلى مواجهات دامية استخدمت فيها الحجارة والأسلحة البيضاء، لتسفر عن مقتل شاب من جنسية سنغالية، فيما تم نشر شريط فيديو على مواقع التواصل الاجتماعية يظهر الضحية وهو وسط دمائه. 

    في الوقت الذي يقول آخرون إنه تم الهجوم على حافلة كانت تقل عددا من المهاجرين، منهم نساء كانوا متوجهين لحضور حفل فني إفريقي في مهرجان «تاويزا» في طنجة، إذ عمد المهاجمون إلى إخراج النساء والأطفال بالقوة من الحافلة التي كان قد خصصها لهم منظمو المهرجان.

    ودفعت الأحداث العنيفة ولاية طنجة إلى فتح تحقيق في الحادث، كما ألقت القبض على تسعة أشخاص ممن شاركوا في المواجهات،  

    وارتباطا بالموضوع قضى القضاء المغربي بترحيل مهاجرين أفارقة شاركوا في وقفة احتجاجية بعد الأحداث، حيث أدانتهم المحكمة بشهر سجنا موقوف التنفيذ، مع ترحيلهم فوريا من المملكة، وبررت السلطات ذلك بأن الوقفة غير مرخص لها، زيادة على رفضهم الامتثال لأوامر رجال الأمن.

    كما سبق أن شهد حي «المعاضيد» الشعبي بالرباط اشتباكات عنيفة بين عدد من السكان وعدد من المهاجرين الأفارقة، حيث لجأ الطرفان إلى السيوف والقضبان الحديدية والهراوات، وخرجت الأمور عن السيطرة لتتعرض أسطح 

    المنازل وواجهات المحلات التجارية للرشق بالحجارة، مما خلق حالة من الهلع والرعب في أوساط السكان.

     وتعود فصول المواجهة إلى خلاف بين مهاجر إفريقي وأحد سكان الحي، قبل أن يتحول الخلاف إلى عراك، وانصرف الاثنان إلى حال سبيلهما، لكن سرعان ما عاد كل واحد مع مجموعة من الأشخاص، لتبدأ مواجهة أعنف خلقت حالة من الرعب بين سكان الحي. 

    السيناريو نفسه تكرر في قضية مشابهة السنة الماضية، بعدما أقدم شخص ينتمي لسلك الجندية على قتل عامل سنغالي في عقده الثالث بالمحطة الطرقية للرباط، وذلك بعد مشادات كلامية بينهما، وكان المواطن السنغالي يقيم في المغرب بشكل قانوني ويشتغل في مقهى بالرباط، وأدى يومها الحادث إلى ردود فعل متباينة، إذ اعتبرته المنظمات الحقوقية ينم عن نزعة عنصرية متزايدة داخل المجتمع المغربي تجاه الأفارقة، بالرغم من أن شهودا حضروا الحادث أكدوا أن الجريمة جاءت بسبب خلاف بين الرجلين حول مقعد في الحافلة ولا علاقة له بأي نزعة عنصرية.

    وتعد هذه الأحداث امتدادا لأحداث أخرى مشابهة، حيث تكشف بعض المصادر أن أحياء دوار الدوم والمعاضيد ودوار الحاجة بمدينة الرباط، تعيش على وقع مواجهات مستمرة بين المهاجرين الأفارقة وشبان هذه الأحياء، وذلك بسبب اختيار الكثير من المهاجرين السريين هذه الأحياء للعيش.

    كما عاشت منطقة بوخالف ومسنانة بـ»طنجة» في شهر دجنبر من السنة الماضية على فصل آخر من المواجهات الدامية، بعدما ألقى مهاجر إفريقي بنفسه من الطابق الرابع مخافة إلقاء القبض عليه من طرف رجال الأمن بمدينة طنجة، وأدت احتجاجات بعض من أبناء بلده إلى نشوب مواجهات مع السكان، بعدما أصر المحتجون على تسلم جثته. 

    وتطورت المواجهات بين الأفارقة ورجال الأمن، إذ أقدم المهاجرون على رشق رجال الأمن بالحجارة، وأدى ذلك إلى إصابة مسؤول أمني وآخر من القوات المساعدة بجراح خطيرة، كما تم تهشيم زجاج عدة سيارات وتحطيم سيارة إسعاف، مما دفع بعض السكان المغاربة إلى مواجهة المحتجين الأفارقة، ومبادلتهم الرشق بالحجارة، ما أسفر عن إصابات في صفوف الطرفين.

    أما بمدينة «الفنديق» أخيرا فقد اعترض أكثر من 15 شخصا مهاجرين أفارقة من جنسية سنغالية، وقاموا بتكبيلهم قبل أن يعتدوا عليهم بالضرب، وجردوهم من ممتلكاتهم، وسلبوهم هواتف نقالة ذكية ومبلغ مالي يقدر بثلاثة آلاف درهم وحقيبة بها ملابس شخصية، وقد أصيب المهاجرون بإصابات بليغةـ نقل بعضهم على إثرها إلى مستعجلات مستشفى الحسن الثاني. 

    وفي علاقته بالمهاجرين كان المغرب دائما محط نيران المنظمات الحقوقية الدولية التي تسارع إلى مساندة التنظيمات المحلية في مطالبتها السلطات المغربية بمزيد من حسن المعاملة للمهاجرين، وتطفو على علاقة المغرب بالمهاجرين الأفارقة أحداث سرعان ما تسود صورة المغرب الحقوقية في المشهد الدولي، وتوثق تقارير محلية حقوقية ودولية حالات ضرب مهاجرين، وتجريدهم من بعض الممتلكات التي في حوزتهم، وكذا إحراق الأماكن التي يقيمون بها، مع ترحيل بعضهم خارج المغرب دون اتباع المساطر اللازمة.

    [[{“type”:”media”,”view_mode”:”media_large”,”fid”:”12044″,”attributes”:{“alt”:””,”class”:”media-image”,”height”:”215″,”typeof”:”foaf:Image”,”width”:”480″}}]]

    دور الهجرة في تكوين الشخصية المغربية عبر التاريخ

    يجمع الخبراء الدوليون المختصون في شؤون الهجرة على أن المغرب تحول خلال النصف الثاني من القرن العشرين إلى أحد أكبر بلدان الهجرة في العالم بسبب الموقع الجغرافي لبلادنا، نظرا لكون السواحل الشاطئية للمملكة أقرب منطقة بين القارتين الأوربية والإفريقية. وبعدما كان المغاربة يشكلون إحدى أكبر الجاليات المقيمة بدول أوربا الغربية بعد النصف الثاني من القرن العشرين، تحول المغرب ابتداء من التسعينيات وبداية الألفية إلى نقطة عبور بالنسبة لعشرات الآلاف من المواطنين الأفارقة، الحالمين بالوصول إلى ضفاف «الفردوس الأوربي»، غير أن الوضع بدأ في التحول في السنوات الأخيرة بعدما أصبح المهاجرون الأفارقة يفضلون البقاء والعيش بكبريات المدن المغربية، بدل تجشم عناء تكرار محاولة اختراق سياج سبتة ومليلية أو المجازفة بركوب عرض البحر، في مغامرة غير محمودة العواقب..وهو ما حول المغرب من نقطة عبور المهاجرين الأفارقة إلى مكان لاستقبال وفود المهاجرين الباحثين عن اكتساب أبسط شروط الحياة، مع ما ينتج عن ذلك من أعباء اقتصادية واجتماعية يؤدي فاتورتها المغرب.

    تنقل البشر وهجرة مختلف الأعراق والأجناس ليس بالأمر المستجد في تاريخ المملكة المغربية، فقبل خضوع المغرب للحماية الفرنسية والإسبانية، تميز المغاربة بكثرة تنقلهم وترحالهم؛ وتعد قبائل الرحل المثال الأبرز الشاهد على ذلك. فعلى امتداد عدة قرون تنقل المغاربة، حسب الظروف والأجواء، من منطقة إلى أخرى، سيما الأراضي والمناطق الفلاحية الخصبة، وهوامش المدن بالجزء الشمالي الغربي من المملكة. وبعد الفتح الإسلامي في بداية القرن السابع، حلت جموع من الناطقين باللغة العربية واستقروا بالمغرب. كما هاجرت أعداد غفيرة من المسلمين واليهود من إسبانيا إلى المغرب بعد سقوط الأندلس في يد المسيحيين. في المقابل، شكلت تجارة العبيد حتى بدايات القرن العشرين أحد أشكال الهجرة القسرية نحو المغرب وبداخله.

    وفي سنة 1912، بعد التوقيع على معاهدة الحماية وخضوع المغرب لوصاية فرنسا وإسبانيا، بدأت هجرة داخلية كثيفة من المناطق القروية إلى المدن والحواضر، بسبب حاجة سلطات الحماية لليد العاملة من أجل تشييد الطرق، وإنجاز مشاريع البنية التحتية، فضلا عن نمو التجارة بالمدن المطلة على المحيط الأطلسي. وبعد حصول المغرب على استقلاله، كانت هجرة المغاربة تتوجه بالأساس نحو البلدان الأوربية، سيما فرنسا بسبب الحاجة لليد العاملة. إلا أن الوضع تغير في العقدين الأخيرين، بعدما تحول المغرب إلى قبلة للمهاجرين الأفارقة الراغبين في الوصول إلى دول القارة الأوربية. فمنذ منتصف التسعينيات أصبح المغرب بلد عبور بالنسبة لهؤلاء المهاجرين في وضعية غير قانونية، الذين يتشكلون في الغالب من طالبي اللجوء، وبصفة أكبر الباحثين عن فرص العمل. ويصل هؤلاء إلى المغرب عبر الجهة الشرقية للملكة انطلاقا من الجزائر بعد عبور الصحراء مشيا على الأقدام. 

    ولدى وصولهم إلى المغرب، يحاول هؤلاء دخول مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين كخطوة أولى، بما أن إسبانيا لم توقع على اتفاقيات لترحيل الرعايا الأجانب مع كل دول إفريقيا جنوب الصحراء، وبسبب الإشكاليات التي تطرحها عمليات التعرف على هوية وجنسية المهاجرين السريين. في البداية، كان تدفق المهاجرين من دول جنوب الصحراء ينحصر في البلدان التي شهدت نزاعات سياسية وحروب أهلية كجمهورية الكونغو الديمقراطية، وجمهورية الكونغو، وسيراليون، وليبيريا، وساحل العاج. بيد أنه مع بداية سنة 2000، بدأ المهاجرون الأفارقة يتوافدون على المغرب من عدة بلدان أخرى، بما فيها نيجيريا، والسنغال، وغامبيا، ومالي، وغانا، وبوركينا فاصو، والنيجر، والسودان، وجمهورية إفريقيا الوسطى، والكاميرون.

     

    ما بين 25 و 40 ألف مهاجر في وضعية غير قانونية بالمغرب

    في الآونة الأخيرة، تحول المغرب إلى محطة عبور بالنسبة لجنسيات جديدة من القارة الأسيوية، كالهند وباكستان والبنغلادش، فضلا عن اللاجئين السوريين الفارين من جحيم الحرب بين قوى المعارضة والنظام. وبالرغم من أن أغلب المهاجرين يعتبرون المغرب مجرد محطة للعبور، فإن أعدادا متزايدة من المهاجرين السريين عمدوا في العقد الأخير، بعد فشلهم في دخول أوربا، إلى الاستقرار بالمغرب بدل العودة إلى بلدانهم الأصلية التي يغيب فيها الاستقرار ويسود بها الفقر بشكل أكبر من المغرب. وحسب التقديرات فإن عشرات الآلاف من هؤلاء استقروا بمدن المغرب كطنجة، والبيضاء، والرباط بصفة شبه دائمة، بعد تمكن بعضهم من العثور على فرص عمل سواء في قطاع التجارة غير المقنن، أو الخدمات، أو البناء، وغيرها من الأعمال التي لا تتطلب مهارات ومؤهلات علمية.

    هذا الوضع الذي جعل المغرب يتحول إلى بلد إقامة بدل نقطة عبور، دفع السلطات المغربية إلى اتخاذ القرار والشروع في تسوية أوضاع المهاجرين السريين عبر منحهم حق الإقامة مع ما يترتب عن ذلك من حقوق وواجبات، عبر إقرار إجراءات أقل صرامة من تلك التي يتبعها الاتحاد الأوربي وأقل تكلفة. انطلقت هذه العملية رسميا في الثاني من شهر يناير من السنة الحالية، وتشير الأرقام الرسمية، حسب ما أدلى به وزير الداخلية محمد حصاد، تزامنا مع انطلاق العملية إلى وجود ما بين 25 و 40 ألف مهاجر في وضعية غير قانونية ينتمون إلى بلدان إفريقيا جنوب الصحراء وسوريا وبعض بلدان آسيا.

    وتهم هذه العملية، التي تستمر إلى غاية 31 دجنبر المقبل، الأجانب المتزوجين من مواطنين مغاربة والذين يتوفرون على ما يثبت ما لا يقل عن سنتين من الحياة المشتركة وكذا الأجانب المتزوجين من أجانب آخرين مقيمين بصفة قانونية بالمغرب، والذين يتوفرون على ما يثبت مدة لا تقل عن أربع سنوات من الحياة المشتركة.  

    كما ستهم هذه العملية الأطفال المزدادين في إطار حالتي الزواج سالفتي الذكر، والأجانب الذين يتوفرون على عقود عمل فعلية لا تقل مدتها عن سنتين، والأجانب الذين يتوفرون على ما يثبت إقامتهم بالمغرب لمدة لا تقل عن خمس سنوات متواصلة، فضلا عن الأجانب المصابين بأمراض خطيرة والموجودين فوق التراب الوطني قبل تاريخ 31 دجنبر 2013.

    ورغم تبني المغرب سياسة جديدة في الهجرة ومنح حق اللجوء بناء على توصيات المجلس الوطني لحقوق الإنسان، التي أقرها الملك محمد السادس، وتشمل تسوية الوضعية القانونية لعدد من المهاجرين ومنح بطاقات اللجوء التي تخول الحق في العمل والتمتع ببعض الخدمات الاجتماعية، فذلك لم يمنع منظمات دولية من توجيه انتقادات للمغرب، على شاكلة تقرير لمنظمة «هيومان رايتس واتش»، صدر شهر فبراير المنصرم، جاء فيه أن المغرب يعامل بقسوة المهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء.

     

    السلطات المغربية تحسن معاملة المهاجرين 

    ففي التقرير، الصادر يوم 10 فبراير، قالت المنظمة الأمريكية إن السلطات الأمنية المغربية تقوم بضرب وانتهاك، وأحيانا سرقة المهاجرين، وذلك رغم إقرارها بعض التحسن الحاصل في معاملة المهاجرين. التقرير ذاته أوضح أن ترحيل المهاجرين بشكل جماعي نحو الحدود مع الجزائر قد توقف منذ شهر شتنبر 2013. من جهة أخرى، خلصت «هيومن رايتس ووتش» إلى أن قوات الأمن الإسبانية تستخدم أيضا القوة المفرطة عند طرد المهاجرين بشكل جماعي من مليلية.

    ورغم الانتقادات التي توجه للمغرب بشأن التعامل بقسوة وعنصرية مع المهاجرين، 

    يكشف الكثير من الحقوقيين الأوربيين والتقارير التي تنشرها المنظمات المهتمة بحقوق الإنسان في العالم، أنه عندما يتعلق الأمر بالهجرة السرية وموجاتها التي تثقل كاهل أوربا لا يتردد المسؤولون الأوربيون في استعمال كل وسائل الترغيب والترهيب لدفع المغرب إلى التعاون وتقديم المزيد من التنازلات، لصد موجات المهاجرين السريين الذين يتربصون بالأراضي الأوربية، ويتحينون الفرصة المواتية لعبور الأسلاك الشائكة إلى الضفة الأخرى.

    فمن المساعدات والهبات المالية، مرورا بالضغوطات السياسية والاقتصادية إلى الإغراءات والامتيازات التي يمكن أن تمنح للمواطنين المغاربة لدخول دول أوربا، لا يدخر المسؤولون الأوربيون أي وسيلة لدفع السلطات المغربية إلى مزيد من التشدد ضد موجات المهاجرين، وذلك بسبب ضغوطات مدريد المتزايدة على باقي الدول الأوربية. وعلى الرغم من أن المساعدات المالية التي يقدمها الأوربيون لا يمكنها أن تكفي المغرب لتغطية التكلفة الاقتصادية التي تسببها موجات المهاجرين المتحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، كما أنها تعد ضئيلة لسد حاجيات من يختارون الاستقرار في المغرب من هؤلاء المهاجرين، إلا أن السلطات المغربية سرعان ما تقبل العروض الأوربية، بالرغم من التكلفة الحقوقية الدولية التي تصاحبها؛ فقد ضغطت مدريد على مسوؤلي الاتحاد الأوربي من أجل توفير الكثير من الآليات لحراسة الحدود، كما دافعت عن المغرب ودروه المحوري في وقف الهجرة إلى أورباـ ويبقى أحد أبرز الأمثلة هو ما قامت به مدريد لتوفير الدعم للمغرب، من أجل بناء جدار من الأسلاك يحمي «مليلية» المحتلة. 

    وكان الاتحاد الأوربي قد تكلف بمصاريف جدار الأسلاك الذي شيد على طول الحدود التي تفصلنا عن مدينة «مليلية» المحتلة، ورغم التزام السلطات المغربية الصمت اتجاه أهداف وتفاصيل السور فقد خرج وزير الداخلية الإسباني «خورخي فيرنانديث» بتصريح يؤكد فيه أن الاتحاد الأوربي تولى مصاريف تشييد السور. 

    وتضاعف مدريد من ضغوطها على لجان الاتحاد الأوربي المختلفة، والتي تعنى بالسياسة الخارجية من أجل تمكين المغرب من المساعدات المالية والتقنية اللازمة لجعله يؤيد الدور على أكمل وجه، فقد كشف وزير الداخلية الإسباني أن بناء الحواجز يدخل ضمن السيادة المغربية، مشيرا إلى أنه سيتم بناء خندق ثم أسوار سلكية تحيط بـ»مليلية» لمنع تسلل المهاجرين الأفارقة، كما اعترف الوزير في لقاء في العاصمة مدريد أن إسبانيا بالفعل تقدمت بطلب إلى المفوضية الأوربية تطلب بموجبه مبلغا ماليا يصل إلى 50 مليون أورو لمواجهة موجات المهاجرين السريين، وهذا المبلغ سيتم تخصيص جزء مهم منه للمغرب، من أجل بناء الحواجز والمساعدة في تطوير حراسة المعابر الحدودية. 

    كما سبق أن خصص الاتحاد الأوربي 10 ملايين أورو أخرى لدعم الجهود الأمنية الهادفة إلى وقف الهجرة غير الشرعية عبر المغرب، في الوقت الذي تضاعفت فيه تقارير المنظمات الحقوقية التي توثق لحالات تقول إنها عنف غير مبرر في حق هؤلاء المهاجرين من طرف القوات الأمنية المغربية ونظيرتها الإسبانية. 

    في المقابل، لا يتردد الإسبان والأوربيون في الإشادة بجهود المغرب، ونجاحه في تقليص هجمات المهاجرين بشكل كبير، بشكل لم يكن يتوقعه حتى أكثر الأوربيين تفاؤلا، وهو ما حملته تقارير إعلامية إسبانية، أظهرت ارتياح السلطات الإسبانية من الجهود المغربية.

    وأشارت التقارير ذاتها إلى أن السلطات المغربية نجحت في تقليص عدد المهاجرين السريين المتربصين بمداخل «سبتة» المحتلة إلى أكثر من النصف، كما نجحت في وقف الكثير من الهجمات الليلية المنظمة من طرف المهاجرين للهجوم على المعابر الحدودية والحواجز بالأسلاك الشائكة، في الوقت الذي ترى المنظمات الحقوقية أن المغرب اندمج في دور الدركي لفائدة السلطات الإسبانية والأوربية.

    وبدوره كشف مندوب الحكومة المحلية في مدينة «سبتة» المحتلة أن السلطات المغربية نجحت في تخفيض أمواج المهاجرين السريين بشكل غير مسبوق، وتمكنت من تخفيف الضغط الهائل على معابر المدينتين المحتلتين، مشيرا إلى أن الأجهزة المختصة سجلت تراجعا كبيرا للمهاجرين، حيث كان أكثر من 3500 مهاجر سري يرابطون في المناطق القريبة من «سبتة» المحتلة، قبل أن يسجل عددهم انخفاضا كبيرا، بسبب الجهود الأمنية المبذولة.

    وأشارت التقارير الإعلامية الإسبانية إلى أن مسؤولي الشرطة في المدينة المحتلة رفعوا بدورهم تقارير في الفترة الأخيرة، تشيد بعمل الأجهزة الأمنية المغربية لكبح جماح المهاجرين السريين.

    وإلى جانب المساعدات المالية والتقنية، يلجأ الاتحاد الأوربي بشكل عام والسلطات الإسبانية بشكل خاص إلى أساليب أخرى لدفع المغرب إلى لعب دور الدركي» حيث يعرض الأوربيون تسهيل حصول المواطنين المغاربة على تأشيرة «شينغن» مقابل لعب المغرب لدور دركي الحدود، وهو ما سارعت التنظيمات الحقوقية حتى الأوربية منها إلى اعتباره ابتزازا من دول الاتحاد الأوربي للمغرب، في الوقت الذي يقوم فيه المغرب منذ سنوات بالحد من تدفق المهاجرين السريين الأفارقة نحو أوربا دون أن يستفيد في مقابل هذا الدور الحيوي من برامج شراكة في مستوى تطلعاته التنموية الرائدة بمنطقة شمال إفريقيا.

    ونقلت وسائل إعلام إسبانية عن «اينيكو لاندابورو» سفير الاتحاد الأوربي بالمغرب وجود مفاوضات حول هذا الموضوع منذ فترة بين المغرب والاتحاد بمقر الأخير ببروكسل، حيث أشار المسؤول ذاته إلى أنه في حال موافقة المغرب سترفع دول الاتحاد من حصة المغرب من تأشيرات «شينغين»، خاصة رجال الأعمال والمهنيين والطلبة الذين يضطرون للتوجه إلى أوربا بصورة منتظمة.

    ووقع المغرب مذكرة تفاهم مع سفير الاتحاد الأوربي بالرباط تهدف إلى إغراء المغرب بهبات مالية قدرت بـ600 مليون درهم ليلعب دور «دركي» أوربا، للحد من تدفق المهاجرين السريين على القارة العجوز، بالإضافة إلى إرجاعهم، وهو الاتفاق الذي ظل الاتحاد الأوربي يحاول أن يقنع المغرب به منذ سنة 2000، في الوقت الذي كان الرفض المغربي يواجه بمزيد من الابتزاز السياسي والاقتصادي، كما اضطر المغرب إلى قبول اتفاق آخر يقضي بقبول المهاجرين السريين الذين يتمكنون من التسلل إلى الأراضي الإسبانية، وتقوم السلطات الأمنية في إسبانيا بإرجاعهم إلى المغرب، سواء كانوا مغاربة أو من دول أخرى، وهو الاتفاق الذي جلب على المغرب انتقادات واسعة من منظمات أوربية ومغربية، في الوقت الذي اعتبره مختصون يخالف القانون الدولي المتعلق بالمهاجرين. 

    كما فتحت المنظمات الحقوقية ذاتها النار على السلطات المغربية وموقفها المتخاذل تجاه ما أسمته الابتزاز الأوربي، إذ دعت هذه المنظمات المغرب إلى التوقف عن لعب دور الدركي، والعمل على مزيد من احترام حقوق المهاجرين واللاجئين.

     

    المغرب والمهاجرون: علاقات طبعها التوتر والعنف

    على الرغم من مبادرة الحكومة الأخيرة لتسوية أوضاع المهاجرين، وإقرارها صفة لاجئ في المغرب، وهو ما اعتبر تحولا إيجابيا في علاقات المغرب اتجاه المهاجرين، وهو ما ثمنته المنظمات الدولية، ولاقى ترحيبا دوليا كبيرا، إلا أن علاقة المغرب بالمهاجرين السريين، سواء من يتخذونه نقطة للعبور نحو أوربا أو ممن يتخذونه مستقرا لهم، ظلت تتميز بالتوتر، في الوقت الذي طفت على سطح علاقات المهاجرين بالمغاربة أحداث عنيفة وصلت حد سقوط قتلى في بعض الأحيان. 

     وهو توتر سرعان ما وجد صدى في التقارير الدولية التي تصدرها منظمات حقوق الإنسان بشكل دوري، إذ لا تدخر جهدا في تصوير البلد جحيما للمهاجرين وحقوقهم، بالرغم من أن جزءا كبيرا من سياسة المغرب تجاه هؤلاء انعكاس لسياسة الاتحاد الأوربي. 

    ويتصدر الكثير من المواجهات الدامية مشهد علاقة المغرب بموجات الهجرة السرية من دول جنوب الصحراء أو حتى من الدول العربية التي دفعت أوضاعها الأمنية عشرات من مواطنيها للفرار إلى المغرب، وهو ما شكل عبئا مضاعفا على المغرب، سواء على المستوى المادي أو على المستوي الحقوقي. 

    فقد اهتزت مدينة طنجة قبل أيام على وقع مواجهات دامية بين سكان مغاربة ومهاجرين أفارقة، أدت إلى سقوط قتيل من جنسية سنغالية، فيما أدت المواجهات بين الجانبين إلى جرح العشرات الذين نقلوا إلى المستعجلات لتلقي العلاجات الضرورية. 

    وحسب بعض ممن عاينوا فصول الحادث، بدأ ذلك بسبب مشادات كلامية بين مغاربة ومهاجرين أفارقة من جنسيات مختلفة لتتطور إلى مواجهات دامية استعملت فيها الهراوات والسكاكين، مما أسفر عن إصابات وجروح بليغة في صفوف الجانبين، وهي المرة الثالثة التي يشهد فيها حي بوخالف بمدينة طنجة مواجهات بين المواطنين المغاربة والمهاجرين من دول إفريقية جنوب الصحراء، منذ المواجهات العنيفة في شهر دجنبر الماضي بعد مقتل مهاجر كامروني.

    وحسب البعض فإن تصرفات بعض المهاجرين لم ترق لبعض السكان بحي العرفان، فاحتج بعض أبناء الحي على ما قالوا إنه استغلال للشقق لممارسة الدعارة وتعاطي الخمور، لتتحول المناوشات إلى مواجهات دامية استخدمت فيها الحجارة والأسلحة البيضاء، لتسفر عن مقتل شاب من جنسية سنغالية، فيما تم نشر شريط فيديو على مواقع التواصل الاجتماعية يظهر الضحية وهو وسط دمائه. 

    في الوقت الذي يقول آخرون إنه تم الهجوم على حافلة كانت تقل عددا من المهاجرين، منهم نساء كانوا متوجهين لحضور حفل فني إفريقي في مهرجان «تاويزا» في طنجة، إذ عمد المهاجمون إلى إخراج النساء والأطفال بالقوة من الحافلة التي كان قد خصصها لهم منظمو المهرجان.

    ودفعت الأحداث العنيفة ولاية طنجة إلى فتح تحقيق في الحادث، كما ألقت القبض على تسعة أشخاص ممن شاركوا في المواجهات،  

    وارتباطا بالموضوع قضى القضاء المغربي بترحيل مهاجرين أفارقة شاركوا في وقفة احتجاجية بعد الأحداث، حيث أدانتهم المحكمة بشهر سجنا موقوف التنفيذ، مع ترحيلهم فوريا من المملكة، وبررت السلطات ذلك بأن الوقفة غير مرخص لها، زيادة على رفضهم الامتثال لأوامر رجال الأمن.

    كما سبق أن شهد حي «المعاضيد» الشعبي بالرباط اشتباكات عنيفة بين عدد من السكان وعدد من المهاجرين الأفارقة، حيث لجأ الطرفان إلى السيوف والقضبان الحديدية والهراوات، وخرجت الأمور عن السيطرة لتتعرض أسطح المنازل وواجهات المحلات التجارية للرشق بالحجارة، مما خلق حالة من الهلع والرعب في أوساط السكان.

     وتعود فصول المواجهة إلى خلاف بين مهاجر إفريقي وأحد سكان الحي، قبل أن يتحول الخلاف إلى عراك، وانصرف الاثنان إلى حال سبيلهما، لكن سرعان ما عاد كل واحد مع مجموعة من الأشخاص، لتبدأ مواجهة أعنف خلقت حالة من الرعب بين سكان الحي. 

    السيناريو نفسه تكرر في قضية مشابهة السنة الماضية، بعدما أقدم شخص ينتمي لسلك الجندية على قتل عامل سنغالي في عقده الثالث بالمحطة الطرقية للرباط، وذلك بعد مشادات كلامية بينهما، وكان المواطن السنغالي يقيم في المغرب بشكل قانوني ويشتغل في مقهى بالرباط، وأدى يومها الحادث إلى ردود فعل متباينة، إذ اعتبرته المنظمات الحقوقية ينم عن نزعة عنصرية متزايدة داخل المجتمع المغربي تجاه الأفارقة، بالرغم من أن شهودا حضروا الحادث أكدوا أن الجريمة جاءت بسبب خلاف بين الرجلين حول مقعد في الحافلة ولا علاقة له بأي نزعة عنصرية.

    وتعد هذه الأحداث امتدادا لأحداث أخرى مشابهة، حيث تكشف بعض المصادر أن أحياء دوار الدوم والمعاضيد ودوار الحاجة بمدينة الرباط، تعيش على وقع مواجهات مستمرة بين المهاجرين الأفارقة وشبان هذه الأحياء، وذلك بسبب اختيار الكثير من المهاجرين السريين هذه الأحياء للعيش.

    كما عاشت منطقة بوخالف ومسنانة بـ»طنجة» في شهر دجنبر من السنة الماضية على فصل آخر من المواجهات الدامية، بعدما ألقى مهاجر إفريقي بنفسه من الطابق الرابع مخافة إلقاء القبض عليه من طرف رجال الأمن بمدينة طنجة، وأدت احتجاجات بعض من أبناء بلده إلى نشوب مواجهات مع السكان، بعدما أصر المحتجون على تسلم جثته. 

    وتطورت المواجهات بين الأفارقة ورجال الأمن، إذ أقدم المهاجرون على رشق رجال الأمن بالحجارة، وأدى ذلك إلى إصابة مسؤول أمني وآخر من القوات المساعدة بجراح خطيرة، كما تم تهشيم زجاج عدة سيارات وتحطيم سيارة إسعاف، مما دفع بعض السكان المغاربة إلى مواجهة المحتجين الأفارقة، ومبادلتهم الرشق بالحجارة، ما أسفر عن إصابات في صفوف الطرفين.

    أما بمدينة «الفنديق» أخيرا فقد اعترض أكثر من 15 شخصا مهاجرين أفارقة من جنسية سنغالية، وقاموا بتكبيلهم قبل أن يعتدوا عليهم بالضرب، وجردوهم من ممتلكاتهم، وسلبوهم هواتف نقالة ذكية ومبلغ مالي يقدر بثلاثة آلاف درهم وحقيبة بها ملابس شخصية، وقد أصيب المهاجرون بإصابات بليغةـ نقل بعضهم على إثرها إلى مستعجلات مستشفى الحسن الثاني. 

    وفي علاقته بالمهاجرين كان المغرب دائما محط نيران المنظمات الحقوقية الدولية التي تسارع إلى مساندة التنظيمات المحلية في مطالبتها السلطات المغربية بمزيد من حسن المعاملة للمهاجرين، وتطفو على علاقة المغرب بالمهاجرين الأفارقة أحداث سرعان ما تسود صورة المغرب الحقوقية في المشهد الدولي، وتوثق تقارير محلية حقوقية ودولية حالات ضرب مهاجرين، وتجريدهم من بعض الممتلكات التي في حوزتهم، وكذا إحراق الأماكن التي يقيمون بها، مع ترحيل بعضهم خارج المغرب دون اتباع المساطر اللازمة.

     

    دور الهجرة في تكوين الشخصية المغربية عبر التاريخ

    يجمع الخبراء الدوليون المختصون في شؤون الهجرة على أن المغرب تحول خلال النصف الثاني من القرن العشرين إلى أحد أكبر بلدان الهجرة في العالم بسبب الموقع الجغرافي لبلادنا، نظرا لكون السواحل الشاطئية للمملكة أقرب منطقة بين القارتين الأوربية والإفريقية. وبعدما كان المغاربة يشكلون إحدى أكبر الجاليات المقيمة بدول أوربا الغربية بعد النصف الثاني من القرن العشرين، تحول المغرب ابتداء من التسعينيات وبداية الألفية إلى نقطة عبور بالنسبة لعشرات الآلاف من المواطنين الأفارقة، الحالمين بالوصول إلى ضفاف «الفردوس الأوربي»، غير أن الوضع بدأ في التحول في السنوات الأخيرة بعدما أصبح المهاجرون الأفارقة يفضلون البقاء والعيش بكبريات المدن المغربية، بدل تجشم عناء تكرار محاولة اختراق سياج سبتة ومليلية أو المجازفة بركوب عرض البحر، في مغامرة غير محمودة العواقب..وهو ما حول المغرب من نقطة عبور المهاجرين الأفارقة إلى مكان لاستقبال وفود المهاجرين الباحثين عن اكتساب أبسط شروط الحياة، مع ما ينتج عن ذلك من أعباء اقتصادية واجتماعية يؤدي فاتورتها المغرب.

    تنقل البشر وهجرة مختلف الأعراق والأجناس ليس بالأمر المستجد في تاريخ المملكة المغربية، فقبل خضوع المغرب للحماية الفرنسية والإسبانية، تميز المغاربة بكثرة تنقلهم وترحالهم؛ وتعد قبائل الرحل المثال الأبرز الشاهد على ذلك. فعلى امتداد عدة قرون تنقل المغاربة، حسب الظروف والأجواء، من منطقة إلى أخرى، سيما الأراضي والمناطق الفلاحية الخصبة، وهوامش المدن بالجزء الشمالي الغربي من المملكة. وبعد الفتح الإسلامي في بداية القرن السابع، حلت جموع من الناطقين باللغة العربية واستقروا بالمغرب. كما هاجرت أعداد غفيرة من المسلمين واليهود من إسبانيا إلى المغرب بعد سقوط الأندلس في يد المسيحيين. في المقابل، شكلت تجارة العبيد حتى بدايات القرن العشرين أحد أشكال الهجرة القسرية نحو المغرب وبداخله.

    وفي سنة 1912، بعد التوقيع على معاهدة الحماية وخضوع المغرب لوصاية فرنسا وإسبانيا، بدأت هجرة داخلية كثيفة من المناطق القروية إلى المدن والحواضر، بسبب حاجة سلطات الحماية لليد العاملة من أجل تشييد الطرق، وإنجاز مشاريع البنية التحتية، فضلا عن نمو التجارة بالمدن المطلة على المحيط الأطلسي. وبعد حصول المغرب على استقلاله، كانت هجرة المغاربة تتوجه بالأساس نحو البلدان الأوربية، سيما فرنسا بسبب الحاجة لليد العاملة. إلا أن الوضع تغير في العقدين الأخيرين، بعدما تحول المغرب إلى قبلة للمهاجرين الأفارقة الراغبين في الوصول إلى دول القارة الأوربية. فمنذ منتصف التسعينيات أصبح المغرب بلد عبور بالنسبة لهؤلاء المهاجرين في وضعية غير قانونية، الذين يتشكلون في الغالب من طالبي اللجوء، وبصفة أكبر الباحثين عن فرص العمل. ويصل هؤلاء إلى المغرب عبر الجهة الشرقية للملكة انطلاقا من الجزائر بعد عبور الصحراء مشيا على الأقدام. 

    ولدى وصولهم إلى المغرب، يحاول هؤلاء دخول مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين كخطوة أولى، بما أن إسبانيا لم توقع على اتفاقيات لترحيل الرعايا الأجانب مع كل دول إفريقيا جنوب الصحراء، وبسبب الإشكاليات التي تطرحها عمليات التعرف على هوية وجنسية المهاجرين السريين. في البداية، كان تدفق المهاجرين من دول جنوب الصحراء ينحصر في البلدان التي شهدت نزاعات سياسية وحروب أهلية كجمهورية الكونغو الديمقراطية، وجمهورية الكونغو، وسيراليون، وليبيريا، وساحل العاج. بيد أنه مع بداية سنة 2000، بدأ المهاجرون الأفارقة يتوافدون على المغرب من عدة بلدان أخرى، بما فيها نيجيريا، والسنغال، وغامبيا، ومالي، وغانا، وبوركينا فاصو، والنيجر، والسودان، وجمهورية إفريقيا الوسطى، والكاميرون.

     

    ما بين 25 و 40 ألف مهاجر في وضعية غير قانونية بالمغرب

    في الآونة الأخيرة، تحول المغرب إلى محطة عبور بالنسبة لجنسيات جديدة من القارة الأسيوية، كالهند وباكستان والبنغلادش، فضلا عن اللاجئين السوريين الفارين من جحيم الحرب بين قوى المعارضة والنظام. وبالرغم من أن أغلب المهاجرين يعتبرون المغرب مجرد محطة للعبور، فإن أعدادا متزايدة من المهاجرين السريين عمدوا في العقد الأخير، بعد فشلهم في دخول أوربا، إلى الاستقرار بالمغرب بدل العودة إلى بلدانهم الأصلية التي يغيب فيها الاستقرار ويسود بها الفقر بشكل أكبر من المغرب. وحسب التقديرات فإن عشرات الآلاف من هؤلاء استقروا بمدن المغرب كطنجة، والبيضاء، والرباط بصفة شبه دائمة، بعد تمكن بعضهم من العثور على فرص عمل سواء في قطاع التجارة غير المقنن، أو الخدمات، أو البناء، وغيرها من الأعمال التي لا تتطلب مهارات ومؤهلات علمية.

    هذا الوضع الذي جعل المغرب يتحول إلى بلد إقامة بدل نقطة عبور، دفع السلطات المغربية إلى اتخاذ القرار والشروع في تسوية أوضاع المهاجرين السريين عبر منحهم حق الإقامة مع ما يترتب عن ذلك من حقوق وواجبات، عبر إقرار إجراءات أقل صرامة من تلك التي يتبعها الاتحاد الأوربي وأقل تكلفة. انطلقت هذه العملية رسميا في الثاني من شهر يناير من السنة الحالية، وتشير الأرقام الرسمية، حسب ما أدلى به وزير الداخلية محمد حصاد، تزامنا مع انطلاق العملية إلى وجود ما بين 25 و 40 ألف مهاجر في وضعية غير قانونية ينتمون إلى بلدان إفريقيا جنوب الصحراء وسوريا وبعض بلدان آسيا.

    وتهم هذه العملية، التي تستمر إلى غاية 31 دجنبر المقبل، الأجانب المتزوجين من مواطنين مغاربة والذين يتوفرون على ما يثبت ما لا يقل عن سنتين من الحياة المشتركة وكذا الأجانب المتزوجين من أجانب آخرين مقيمين بصفة قانونية بالمغرب، والذين يتوفرون على ما يثبت مدة لا تقل عن أربع سنوات من الحياة المشتركة.  

    كما ستهم هذه العملية الأطفال المزدادين في إطار حالتي الزواج سالفتي الذكر، والأجانب الذين يتوفرون على عقود عمل فعلية لا تقل مدتها عن سنتين، والأجانب الذين يتوفرون على ما يثبت إقامتهم بالمغرب لمدة لا تقل عن خمس سنوات متواصلة، فضلا عن الأجانب المصابين بأمراض خطيرة والموجودين فوق التراب الوطني قبل تاريخ 31 دجنبر 2013.

    ورغم تبني المغرب سياسة جديدة في الهجرة ومنح حق اللجوء بناء على توصيات المجلس الوطني لحقوق الإنسان، التي أقرها الملك محمد السادس، وتشمل تسوية الوضعية القانونية لعدد من المهاجرين ومنح بطاقات اللجوء التي تخول الحق في العمل والتمتع ببعض الخدمات الاجتماعية، فذلك لم يمنع منظمات دولية من توجيه انتقادات للمغرب، على شاكلة تقرير لمنظمة «هيومان رايتس واتش»، صدر شهر فبراير المنصرم، جاء فيه أن المغرب يعامل بقسوة المهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء.

     

    السلطات المغربية تحسن معاملة المهاجرين 

    ففي التقرير، الصادر يوم 10 فبراير، قالت المنظمة الأمريكية إن السلطات الأمنية المغربية تقوم بضرب وانتهاك، وأحيانا سرقة المهاجرين، وذلك رغم إقرارها بعض التحسن الحاصل في معاملة المهاجرين. التقرير ذاته أوضح أن ترحيل المهاجرين بشكل جماعي نحو الحدود مع الجزائر قد توقف منذ شهر شتنبر 2013. من جهة أخرى، خلصت «هيومن رايتس ووتش» إلى أن قوات الأمن الإسبانية تستخدم أيضا القوة المفرطة عند طرد المهاجرين بشكل جماعي من مليلية.

    ورغم الانتقادات التي توجه للمغرب بشأن التعامل بقسوة وعنصرية مع المهاجرين، خاصة المحسوبين على بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، فإن ذلك لا يلغي كون الشخصية المغربية تأثرت على امتداد التاريخ بالهجرات، بل ساهمت تلك الهجرات في رسم ملامح الشخصية المغربية. ولا أدل على ذلك من الدستور الجديد الذي اعتمدته المملكة سنة 2011، ونص بشكل صريح على تعدد روافد الهوية المغربية، حيث جاء في بداية الدستور أن المملكة المغربية «دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم وتنوع مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربية – الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية».

    كما أن المغرب عرف على امتداد تاريخه كيف يستفيد من تعدد روافد الهوية المغربية، وهو ما ساهم في جعل الشخصية المغربية تتعامل بتسامح أكبر مع مختلف الأعراق والأجناس، بدون وجود أي حس بالتفوق بسبب اللون أو المركز الاجتماعي. في المقابل، تحرص المملكة المغربية على ربط علاقات وثيقة ببلدان القارة السمراء، بسبب العمق الإفريقي للمغرب، ودور هذا العمق الفعال في بناء الهوية المغربية. وخلال شهر مارس المنصرم أعطى العاهل المغربي إشارات قوية بهذا الخصوص حينما أجرى جولة مطولة بعدد من البلدان الإفريقية لتنمية فرص الشراكة، وهو ما يوضح الأهمية التي يوليها المغرب لعمقه الإفريقي.

    [[{“type”:”media”,”view_mode”:”media_large”,”fid”:”12046″,”attributes”:{“alt”:””,”class”:”media-image”,”height”:”215″,”typeof”:”foaf:Image”,”width”:”480″}}]]

    خليط من أكثر من 90 جنسية يعيشون بالمغرب

    حوالي 95 جنسية تعيش فوق الأراضي المغربية، يتوزعون على مختلف المدن والمناطق، بعضهم سوى وضعيته ويعيش بطريقة قانونية، والبعض الآخر مازال يأمل في أن تمكنه المبادرة التي أطلقتها وزارة الداخلية من أن يسوي وضعيته، ويبدأ حياته في المغرب بعيدا عن الملاحقة الأمنية. 

    ولعل أهم ما ساهمت به المبادرة الأخيرة التي أطلقتها الحكومة لتسوية الوضعية القانونية لآلاف المهاجرين هو الكشف هن الجنسيات المختلفة التي أصبح المغرب موطن استقبال لها. 

    فقد كشفت العميلة الاستثنائية التي أطلقها المغرب لتسوية أوضاع المهاجرين غير القانونين فوق أراضيه إلى معطيات مثيرة بخصوص الجنسيات المتواجدة فوق الأراضي المغربية، مما يشير إلى أنه تحول إلى نقطة جذب عالمية للمهاجرين من مختلف الجنسيات. 

    وبالرغم من أن المئات يعتبرون المغرب نقطة للعبور فقط إلى أوربا، إلا أن العشرات منهم بدؤوا يتجهون نحو اعتباره بلدا للاستقرار، في الوقت الذي دفعت فيه الحروب والنزاعات التي تعيشها مجموعة من الدول جنسيات جديدة للقدوم إلى المغرب سواء كنقطة للاستقرار أو نقطة للعبور تجاه الأراضي الأوربية، ويأتي السوريون في مقدمة الوافدين الجدد على المغرب، حيث يلج معظمهم عبر الحدود مع الجزائر من الجهة المقابلة لجهة «الشليحات» والمناطق المجاورة. 

    ولم تقتصر جنسيات المهاجرين على بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، بل تجاوز الأمر ذلك إلى بلدان آسيا، منها العربية ومنها بلدان مثل أفغانستان والهند، وباكستان، والفلبين. 

    وكانت أرقام سابقة أشارت إلى أن عدد الهنود الذين يعيشون في المغرب يفوق أكثر من 500 شخص، بجل المدن، في الوقت الذي تعرف مدينة الدار البيضاء تواجد النسبة الأكبر منهم. 

    كما يعرف المغرب ارتفاعا ملاحظا في عدد الوافدين من الجنسية الصينية، ممن يختارون الاستقرار في المغرب والاشتغال في التجارة. 

    وكانت وزارة الداخلية قد حددت عدد أفراد الجالية الصينية الموجودة بالمغرب في 1452 صينيا، تتفاوت وضعيتهم ما بين تجار وأطر عليا وتقنيين ومستخدمين وطلبة وأساتذة وإداريين وعاطلين، وأشارت الأرقام 

    إلى أن معظم الصينيين يقيمون بالمغرب من أجل ممارسة نشاطهم التجاري، في الوقت الذي يعد عدد قليل منهم في وظائف إدارية، أغلبهم يتمركزون في الدار البيضاء، حيث يصل عدد هؤلاء بهذه الجهة إلى 528 صينيا، فيما تبقى جهة تازة الحسيمة هي الجهة الثانية من حيث تمركز عدد أفراد هذه الجالية بما مجموعه 266 صينيا.

    ولم يقتصر تواجد من يستقرون بشكل غير قانوني في المغرب على دول إفريقية جنوب الصحراء بل امتد الأمر إلى دول أوربية بعد الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالكثير من الدول الأوربية. 

    ففي الأشهر الماضية أصدرت وزارة الداخلية بيانا كان استثنائيا للكثير من المغاربة، يطالب الأجانب الأوربيين وخاصة من فرنسا وإسبانيا، ممن قدموا إلى المغرب من أجل الاستقرار فيه للدراسة أو العمل أن يتقدموا لتسجيل أنفسهم لدى المصالح المختصة، ودعت الوزارة هؤلاء الأجانب الأوربيين إلى ضرورة الحصول على بطاقة الإقامة والعمل تماشيا مع قانون الأجانب والشغل المعمول به في المغرب. 

    ويأتي إصدار الوزارة لبيانها بعد أن تم تسجيل توافد بعض الفرنسيين والإسبان على المغرب للعمل في مقاولات صغيرة أو العمل في بعثات تعليم اللغات أو في المدارس الخاصة أو فتح مطاعم في عدد من المدن السياحية.

    كما شهدت السنتان الأخيرتان قدوم عدد من الإسبان إلى المغرب، خاصة بالمدن الشمالية من أجل عرض خدماتهم، ورغم ضعف الرواتب إلا أنها كافية بالنسبة لهم للعيش في المغرب.  

    وكان أنيس بيرو، قد أشار إلى أن المصالح المختصة تلقت طلبات لمهاجرين من 95 جنسية من إفريقيا وأوربا وآسيا وبلدان عربية، في إطار العملية الاستثنائية لتسوية أوضاع الأجانب المقيمين بصورة غير قانونية في المغرب.

    كما تصاعدت المخاوف لدى السلطات الأمنية من تحول المغرب إلى قبلة للعديد من ممتهنات الدعارة من دول جنوب الصحراء. 

    وقد كشفت تقارير محلية أن مدن الشمال كطنجة والناظور تحولت إلى قبلة لممتهنات الدعارة من جنسيات مختلفة، ولم يعد الأمر يقتصر على الفتيات المغربيات فحسب، بل وصل إلى المهاجرات الإفريقيات المتحدرات من دول جنوب الصحراء، اللواتي بدورهن انخرطن في عالم الدعارة سواء الرخيصة أو الراقية، بغرض جمع المال والبحث عن أية وسيلة تمكنهن من الولوج إلى مدينة مليلية المغربية المحتلة والهجرة إلى القارة العجوز.

    هل ينتج التزاوج جيلا مغربيا جديدا 

    [[{“type”:”media”,”view_mode”:”media_large”,”fid”:”12048″,”attributes”:{“alt”:””,”class”:”media-image”,”height”:”215″,”typeof”:”foaf:Image”,”width”:”480″}}]]

     

    أمام صعوبة العبور إلى الضفة الأخرى، بدأ الكثير من المهاجرين السريين من دول إفريقيا جنوب الصحراء بالتوجه نحو الاستقرار في المغرب، منهم من يبني أسرة ويدخل سوق الشغل ولو بمهن بسيطة.

     وبين العبء الاقتصادي والاجتماعي على كاهل المغرب يبدو في الأفق سؤال آخر قد يكون أكثر إشكالا للمغرب وهو الانفجار الديموغرافي وظهور جيل جديد من الأبناء الذين يولدون من زيجات بين المهاجرين السريين المقيمين في المغرب، أو حتى عن حالات التزاوج بين المغاربة وبين المهاجرين رغم ندرتها.

    ويظل الزواج بين مغاربة ومواطنين يتحدرون من دول جنوب الصحراء أمرا نادرا ولا يعرف إقبالا من طرف المغاربة، وهو ما سبق أن أظهرته دراسة ميدانية استقت أراء المغاربة نساء ورجالا حول فكرة الزواج من مواطن يتحدر من دولة إفريقية جنوب الصحراء.

    وكانت الجمعية المغربية للدراسات والأبحاث حول الهجرة قد أنجزت دراسة كشفت أن نسبة كبيرة من المغاربة يرفضن الاقتران بالمهاجرين الأفارقة، إذ لم تتجاوز نسبة المغاربة الذين يقبلون على الزواج من مواطنين يتحدرون من دول إفريقية نسبة 23 في المائة، في الوقت الذي رفض فيه 55 في المائة من الرجال المغاربة الزواج بنساء إفريقيات، بينما بلغت نسبة النساء المغربيات اللواتي عبرن عن رفضهن الارتباط بزوج من دولة إفريقية 64 في المائة. 

    وقد أظهرت الدراسة التي كانت ميدانية أن ارتباط مهاجرين يتحدرون من دول جنوب الصحراء بمواطنين مغاربة يظل نادرا، وشملت الدراسة حوالي ألف مغربي يمثلون طبقات مختلفة ومتنوعة من المجتمع المغربي، من بينهم العامل البسيط والعاطل عن العمل والطالب والطالبة، إضافة إلى المرأة، وكانت العينات تتحدر من ست مدن وهي الرباط، الدار البيضاء، وجدة، بوعرفة والناطور وطنجة.

    ورغم ندرة ظاهرة التزاوج بين المغاربة وبين المتحدرين من الدول الإفريقيةـ إلا أنه في حال حدوثها ستحمل تغيرات مهمة على مستوى التركيبة السكانية للمغرب، ونشوء جيل مغربي هو مزيج من هذا التزاوج.  

    ويشير بعض المختصين إلى أن التزاوج بين مغاربة وبين مهاجرين من دول جنوب الصحراء، رغم ما قد يتطلبه الأمر من متطلبات قانونية واجتماعية، إلا أنه قد يؤدي إلى تمازج حقيقي، ويقوي الأواصر وينهي المشاكل، ويسهم بالمقابل في ميلاد جيل جديد من المغاربة من أعراق مختلفة، وحيث أن الجنسية المغربية تكتسب لكل ولد مولود في المغرب من أبوين أجنبيين مولودين هما أيضا في المغرب، شرط أن تكون لهما إقامة اعتيادية ومنتظمة بالمغرب وأن يصرح داخل السنتين السابقتين لبلوغه سن الرشد برغبته في اكتساب هذه الجنسية ما لم يعارض في ذلك وزير العدل طبقا للفصلين 26 و27 من الظهير الشريف.

    كما أن المهاجرات الحوامل ممن يقمن بشكل غير قانوني في المغرب يتم استثناؤهن من قرارات الترحيل، إذ أن القانون المغربي يشير إلى أنه لا يمكن للمغرب ترحيل النساء الحوامل، حيث يحمي الفصل 26 من القانون المتعلق بإقامة الأجانب النساء المهاجرات الحوامل، والأطفال القاصرين من الترحيل.

    ويحق لأبناء مهاجرات أفارقة جنوب صحراء الحصول على الجنسية المغربية بصفة مباشرة أو غير مباشرة، باعتبارهم أولا أجانب، ومولودين في المغرب من أبوين أجنبين، وهو ما يعني ميلاد جيل جديد من المغاربة من أصول أجنبية.

    وتعتبر التركيبة السكانية في الدول الأوربية نموذجا لما يمكن أن تصبح عليه التركيبة السكانية للمغرب، إذ ساهم التزاوج بين المهاجرين وبين السكان الأصليين في خلق جيل أوربي جديد ينتمي إلى بلدين أو ثقافتين مختلفتين.

    علي الشعباني*: المهاجرون أضافوا فقراء على فقراء ويثقلون كاهل المغرب اقتصاديا وأمنيا

    قال إن المغرب أصبح مثل تلك الشبكة التي تحصر المهاجرين ويقفون عندها

    [[{“type”:”media”,”view_mode”:”media_large”,”fid”:”12049″,”attributes”:{“alt”:””,”class”:”media-image”,”height”:”215″,”typeof”:”foaf:Image”,”width”:”480″}}]]

    – في ظل تزايد أعداد المهاجرين المتوافدين على المغرب من الدول الإفريقية ومن دول نزاع كسوريا، هل يمكن اعتبار المغاربة عنصريين في تعاملهم مع المهاجرين الأجانب الذين يحلون بالمغرب؟

    < إذا ما نظرنا بالعين المجردة للمشكل يمكن أن نقول بأن المغاربة عنصريين لحد ما في معاملتهم للمهاجرين، حسب ما يعبرون عنه في خطاباتهم، وفي سلوكهم، وفي مواقفهم من الأفارقة، وحسب ما تحمله اللغة والثقافة المغربية. فمنذ قديم الزمن كنا قد كونا قاموسا خاصا بالملونين، عبر استخدام عبارات قدحية مثل «الحرطاني» «عزي»، وأشياء أخرى من هذا القبيل. هذا يدل على وجود قاموس متداول للتمييز بين العنصر المغربي والعنصر الآخر غير المغربي، الملون وغيره، خاصة الأفارقة. وهذا ما يعني وجود نوع من التعامل العنصري النسبي. لكن إذا أمعنا النظر في عمق المسألة يمكن أن نقول بأن المغاربة ليسوا بعنصريين، وبأنهم يتقبلون هؤلاء؛ فتركيبة المغرب هي من هذا النوع؛ على اعتبار أن هوية المغاربة مركبة، لأن ليس هناك عرق واحد وموحد. المجتمع المغربي هو تركيبة من مجموعة من الاثنيات، ومجموعة من الأعراق، ومجموعة من العناصر البشرية سواء الإفريقية أو الأوربية أو العربية أو الأمازيغية. على مر الزمان اختلطت هذه الدماء فتحول الإنسان المغربي إلى هذا التركيب الكبير، وبالتالي يجد المغربي نفسه في كل هذه العناصر من دون أن تبدر عنه أي أفعال تنم عن عنصرية اتجاه مكون محدد. لكن الاحتكاك مع أوربا، وطريقة تعامل الأوربيين مع الأفارقة ومع المغاربيين أدخل ثقافة أخرى تمييزية لحد ما، وجعلت بعض الفئات من المغاربة يتعاملون مع الأجانب، كيفما كان هؤلاء، تعاملا يكاد يتماهى مع التعامل الأوربي. هذه الثقافة الأوربية، ثقافة الإقصاء والتمييز العنصري، وخطابات الأحزاب اليمينية المتطرفة بأوربا كحزب مارين لوبين بفرنسا، بدأت تدخل شيئا فشيئا، ونكاد نلمسها عند بعض الفئات من المغاربة باعتبار أنهم يتعاملون بهذه الشاكلة.

    – ألا يختلف هذا التعامل إذا ما تعلق الأمر بالأجانب الوافدين من دول أوربية كفرنسا وإسبانيا من أجل العمل؟

    < هذا الاختلاف موجود ولا نستطيع إنكاره، وهو ما يفيد بأن الخلفية الاستعمارية مازالت طاغية عند المغربي، لأنه لا ينظر إلى العامل الأجنبي الأوربي بالنظرة نفسها التي يخص بها العامل الإفريقي أو العربي الآخر، بسبب التأثير الكولونيالي والتعامل الذي يحصل للمغاربة مع هؤلاء يختلف نوعا ما، وهذا يعود ربما إلى عقدة الأجنبي الأوربي الذي كان متفوقا في وقت ما، وصاحب الجاه والنفوذ والسلطة والحضارة واللغة المتميزة لأن المغربي عادة، وهناك فئات واسعة من المغاربة، الذين يتشبهون أو يتمثلون (Assimilation) الإنسان الأوربي؛ إذ يحولون نفسهم إلى كائن أوربي من حيث استعمال اللغة وفي السلوك والتعامل وفي الثقافة وغيرها من الأشياء. وهذا ينتج عن عقدة الأجنبي التي مازالت راسخة عند بعض المغاربة.

    – هل المجتمع المغربي يسهل على الأجنبي عملية الاندماج؟

    < هذا الأمر نسبي لحد ما، ففي بعض الأوساط الشعبية العادية يحصل اندماج، ونحن نلاحظ الآن على مستوى التعامل بمدينة كالعاصمة الرباط، التي أقطن بها، وجود تعايش، خصوصا بالأحياء التي يتواجد بها الأفارقة بكثرة، وهو الأمر الذي يسري على كثير من المدن المغربية، التي يساعد سكانها الأفارقة على الاندماج. النموذج الأبرز على ذلك يتمثل في الباعة المتجولين أو «الفراشة». فرغم بعض الصراعات التي تقع أحيانا بين المغاربة والأجانب، لكن المغربي بطبيعته يتيح الفرصة لهؤلاء لكي يندمجوا ولكي يبحثوا عن وسائل العيش، وهناك دوافع كثيرة وراء تقديم يد المساعدة لهؤلاء؛ أولها الدين وأخلاق المغاربة الذين عادة ما يكرمون الأجنبي ويكرمون الضيف ويحسنون معاملته، وغيرها من القيم المترسخة في المجتمع، التي تجعل المغربي يساعد الأجنبي ما أمكن على الاندماج، ويتفهم الظروف التي جعلت الأجانب يغادرون بلدانهم ويتواجدون بينهم ولو مرحليا.

    – هل يؤدي التزاوج إلى ظهور جيل جديد من المغاربة لهم هوية خاصة ومتفردة؟ وألا يطرح ذلك إشكاليات بالنسبة للهوية المغربية القائمة؟

    < هذا الأمر لا يحتمل الشك. فهذه المسألة ليست وليدة اليوم. العديد من المغاربة لهم أصول إفريقية، خاصة في جنوب المغرب، بعدما اختلطت الدماء إلى درجة تجعلنا غير قادرين على الحسم في ذلك التقسيم القسري ما بين هذه الأعراق، لذلك فالتزاوج أو الاختلاط الجنسي مع أعراق أخرى كان دائما عاملا يساعد على الاندماج، ويساعد كذلك على إظهار أجيال جديدة في كل المجتمعات، وهذا الأمر نجده حتى بالدول الأوربية التي استقبلت وفود المهاجرين في السابق. هناك الآن العديد من الأجيال المختلط أو ما يسمى بالفرنسية بـ «Métis»، المصطلح الذي يعبر عن الشخص الذي جاء من زواج مختلط من أجناس مختلفة. الفترة الراهنة ستجعل المغرب يعرف ظهور أجيال جديدة ذات أصول عرقية مختلفة. أما بالنسبة للإشكاليات المرتبطة بالهوية المغربية القائمة، فهذا الاختلاط لا يطرح أي إشكال أبدا؛ فهم مغاربة أيضا ماداموا يوجدون بالمغرب ويعيشون به ويحترمون عاداته ويخضعون للقوانين المغربية، وقد يتشبعون وينشئون في ظل ثقافة مغربية، سيكون ذلك مكون جديد ينضاف للهوية المغربية.

    – ما تأثير وجود المهاجرين الأجانب على المغاربة؟ ألا يساهم وجودهم في تعميق الأعباء الاقتصادية والاجتماعية على اعتبار أن المغرب ليس من بين الدول المتقدمة؟ وهل تواجدهم مكلف بالنسبة للمغرب؟

    < فعلا، للأسف المغرب قد لا يستفيد كثيرا من هؤلاء. هذه الأجيال الموجودة بالمغرب هي من الأجيال الفقيرة التي أضافت فقراء على فقراء. المغرب مثل أي بلد آخر قد يستفيد من الخبرات؛ فدول ككندا وألمانيا على سبيل المثال عندما تستقطب المهاجرين فهي تبحث عن الأدمغة والكفاءات، وتستفيد منهم. أما المغرب فقد لا يستفيد لأنه لا تهاجر إليه الأدمغة والكفاءات، وأغلب المهاجرين الذين يحلون بالمغرب يأتون إما كلاجئين مثل المواطنين السوريين أو الأفارقة الفارين من مناطق النزاع، أو هربا من الجوع والفقر، وهو ما يجعل العينة التي تصل إلى المغرب تفتقر إلى الكفاءات والمؤهلات العالية. أغلب هؤلاء تكون وجهتهم هي أوربا، إلا أنهم يظلون عالقين بالمغرب بسبب الحدود المغلقة واستحالة العبور إلى الضفة الأوربية. المغرب أصبح مثل تلك الشبكة التي تحصر هؤلاء ويقفون عندها، وهو ما جعله مضطرا إلى أن يؤوي العديد من هذه الفئات الهاربة من الفقر أو من الحرب أو من المجاعات. إذن المغرب قد لا يستفيد كثيرا من هؤلاء، وهو ما يستدعي قيام السلطات باتخاذ إجراءات للاستفادة من تواجد هؤلاء. ما نعاينه حاليا يدفع إلى القول إن المغرب لا يستفيد من وجود المهاجرين الأجانب، لأن أي بلد يستفيد من هؤلاء حينما يكونون من الفئات الراقية، من كفاءات وأدمغة، وأدباء وأطباء ومهندسين، ومفكرين وأساتذة، ورجال الأعمال. في ظل الظروف الراهنة يظل تواجد المهاجرين في وضعية غير قانونية مكلفا بالنسبة للمغرب، من الناحية الثقافية والحضارية والاقتصادية والأمنية أيضا، خاصة وأن المغرب لا يعرف كيف يستثمر هذه القوى المتواجدة بينه وهذا الكم الهائل من المهاجرين المتواجد بينه. ومادامت ليست هناك استراتيجية واضحة لكيفية استغلال واستثمار هذه الطاقات والأيادي المتواجدة بالمغرب، وهو ما يجعلهم يبحثون عن طرق الاندماج بالمغرب بطرقهم الخاصة، إما عن طريق الانخراط في الاقتصاد غير المنظم أو في ممارسة بعض الأعمال الموسمية (الفلاحة، البناء)، أو ممارسة التسول.  

      

     

    شارك هذا الموضوع:

    • شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
    • المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
    • المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
    • اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
    • المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn
    • إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني

    مقالات ذات صلة

    أخبار إفريقيا الاتحاد الأوروبي المغرب المهاجرين الهجرة
    شاركها. فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
    دابا ماروك
    • موقع الويب

    المقالات ذات الصلة

    قانون المالية 2026.. الحكومة تقبل 72 تعديلا بمجلس المستشارين

    4 ديسمبر، 2025

    هذا موعد الافتتاح الرسمي لحديقة عين السبع بالدار البيضاء

    4 ديسمبر، 2025

    خط جوي جديد ومباشر يربط الدار البيضاء بلوس أنجلوس

    4 ديسمبر، 2025
    اترك تعليقاً إلغاء الرد

    إيقاف شخص في الجديدة متلبسًا بحيازة كمية من المخدرات

    5 أكتوبر، 2026

    نجاح ساحق للسينما المغربية في الدورة 2026 للملتقى السينمائي والرقمي ببنين

    5 أكتوبر، 2026

    أمن مراكش يلقي القبض على ثلاثة أشخاص بسبب قيادتهم الخطيرة على الطرقات

    5 أكتوبر، 2026

    أمن مراكش يحبط محاولتين لابتزاز سائحين أجنبيين ويقصر جناة في القبض

    4 أكتوبر، 2026

    أخصائي أطفال مغربي يشدد على ضرورة التحصين ضد الدفتيريا لحماية صغارنا

    4 أكتوبر، 2026

    دار الكابرانات – الحلقة 227: عندما تتجاوز أسعار البطاطا أسواق الذهب والنظام يحلم بالجنة

    4 أكتوبر، 2026

    تبون يستعد لإغلاق ملف الصحراء المغربية مع الجزائريين

    4 أكتوبر، 2026

    الصحراء: غوتيريش يعزز مبادرة الحكم الذاتي ويشدد على ضرورة جولة مفاوضات فعلية بين الأطراف

    4 أكتوبر، 2026

    تواصل أشغال بناء أطول جسر في المغرب على مدار الساعة، والإنجازات تتسارع!

    4 أكتوبر، 2026

    طنجة: توقيف فرنسي من أصول جزائرية مبحوث عنه دولياً في قضية قتل مثيرة بفرنسا

    4 أكتوبر، 2026

    أكتوبر الوردي.. مركز الأونكولوجيا بوجدة يناقش الريادة في مواجهة السرطان في جهة الشرق

    4 أكتوبر، 2026

    بعد آخر سهرة له بمهرجان موازين.. فضل شاكر يحيي أول حفلة له من العاصمة السعودية الرياض

    4 أكتوبر، 2026

    حوار خاص مع ياسين: الفنان يكشف كواليس تصوير “باك ليبر” ويرد على تشابه فيلمه مع العمل المصري “برشامة”

    4 أكتوبر، 2026

    فيضانات قوية في كتالونيا: مأساتان وعميل مفقود في إسبانيا

    4 أكتوبر، 2026

    سد خنك كرو.. أشغال بناء خامس أكبر سد في المغرب تقترب من نهايتها

    4 أكتوبر، 2026

    نور الدين محقق يستكشف عوالم المتنبي وتاريخه الشعري بأسلوب مميز

    4 أكتوبر، 2026

    اعتقال سيدة وابنتها في مراكش عقب تورطهما في سرقة محل للمجوهرات

    4 أكتوبر، 2026

    تعاونيات فلاحية فـالـشـرق كتاخذ تكوين فـالثقافة المالية لتحسين المداخيل ورقم المعاملات

    4 أكتوبر، 2026

    احتقان وسط عمال التعليم بفاس.. ملفات معطلة تثير النقابة للاحتجاج

    4 أكتوبر، 2026

    ندوة علمية تحتفي بتراث سينما علي الصافي في القنيطرة

    4 أكتوبر، 2026
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام بينتيريست
    © 2026 داباماروك .

    اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter