بتصويت الشعب المغربي على الدستور الجديد للمملكة وصدور ظهير شريف لتنفيذه ونشره بالجريدة الرسمية، في منتصف سنة 2011، يكون المغرب قد أكد انخراطه في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، قصد إرساء دعائم مجتمع متضامن يتمتع فيه الجميع بمجموعة من الحقوق والحريات وكل المواطنين متساوين في ذلك.
وضمانا لحماية هذه الحقوق والحريات، المنصوص عليها في الدستور الجديد، تم التأكيد -في صلبه- على ضرورة استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التنفيذية والتشريعية. وفي نفس المنحى، اعتبر الدستور أيضا أن كل إخلال من القاضي بواجب الاستقلال والتجرد يعد خطأ مهنيا جسيما يستوجب المساءلة التأديبية، وعند الاقتضاء المتابعة القضائية. ولم يقتصر هذا الاستقلال على قضاة الحكم، بل يهم أيضا حتى قضاة النيابة العامة، حيث ألزمتهم الوثيقة الدستورية بالتطبيق السليم للقانون.
وبما أن القانون الأسمى للبلاد نص على هذه المبادئ واعتبر القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة والجميع متساوون أمامه بما فيهم السلطات العمومية، فإنه لا يجوز تركه بدون تطبيق وإلا تعرض من يسير عكس ذلك إلى العقوبات المقررة فيه.
لكن ورغم انخراط المغرب في هذا الورش الديمقراطي، فإننا ما زلنا نلاحظ، وفي كثير من الأحيان، قرارات وأوامر تتخذ من طرف قضاة النيابة العامة بمجموعة من محاكم المملكة تسير في الاتجاه المعاكس لروح الدستور والقوانين والأنظمة الجاري بها العمل.
ولا شك أن هذا السلوك المخالف للقانون باتت تمليه على قاضي النيابة العامة ظروف كثيرة اقتصادية واجتماعية وحتى سياسية أيضا، لأن قاضي النيابة العامة يتفاعل سلبا وإيجابا بمحيطه. وجميل أن يتأثر هذا القاضي بظروفه، ولكن ذلك لا يمكن أن يكون إلا خدمة للصالح العام وتفاعلا مع باقي السلط في إطار التعاون بينها.
ففي كثير من الأحيان -ومع الأسف الشديد- نصادف قرارات وأوامر صادرة عن جهاز النيابة العامة، وهي ناتجة عن ظروف قد تكون مزاجية منبعثة عن نزوات شخصية أو تحت تأثير مغريات أخرى أو ناتجة عن مسائل أخرى قد تكون سياسوية أو سياسية بالمفهوم المنظم. وهذا هو الخطير.. ففي هذه الحالة نلاحظ أن هذه القرارات وهذه الأوامر تساهم وبشكل مباشر أو غير مباشر في صنع الخرائط السياسية داخل بعض الأقاليم، نظرا للعلاقات التي ينسجها السياسيون وذوو النفوذ مع جهاز النيابة العامة، فبحكم تقرب أصحاب النفوذ السياسي وغيره من مراكز صنع القرار داخل الأقاليم؛ وبالتالي التقرب من جهاز النيابة العامة، فإن هذا الجهاز يتأثر بهم وبالتبعية في قراراتهم فيصبح هذا التأثير يشكل خدمة لأصحاب النفوذّ؛ وبالتالي يصبح قاضي النيابة يقدم خدمة سياسية من حيث يدري أو لا يدري، ومن شأن سلوك مثل هذا أن يقوض البناء الديمقراطي الذي بات اختيارا لكل المغاربة منذ تصويتهم على دستور الفاتح من يوليوز 2011، لأن من شأن مثل هذه القرارات والأوامر الصادرة عن جهاز النيابة العامة المس بالحريات والحقوق للجماعات والأفراد.
صحيح أن نظام المتابعة الذي تنهجه المملكة يعطي الحق للنيابة العامة في ملاءمة المتابعة ضد المخالفين للقانون؛ وبالتالي اتخاذ القرار المناسب، لكن ذلك يجب أن يراعي الظروف الشخصية والموضوعية للفاعل والفعل المرتكب من قبل المخالف للقوانين الزجرية حتى نضمن محاكمة عادلة ونتجنب سياسة الكيل بمكيالين ونبتعد عن المزاجية والذاتية حين اتخاذ القرار.
ولا شك في أن مثل هذا التعامل هو الذي دفع مجموعة من الهيئات والحقوقيين إلى المناداة بقانونية المتابعة أو شرعية المتابعة كما يسميها البعض حتى يكون الجميع متساوون أمام القانون -على الأقل- في المتابعة.
ومن المعلوم أن القرارات التي تتخذ من قبل قضاة النيابة العامة تتراوح ما بين حفظ المسطرة والمتابعة بالجرائم التي تصل عقوبتها إلى الإعدام. وما بين المتابعة والحفظ مجال يعج بالقرارات والأوامر لا حصر لها.
إلى جانب هذه القرارات، هناك قرارات أخرى لا تقل أهمية عن قرارات المتابعة، بل هي أخطر منها أحيانا لكونها تمس بحرية الأشخاص، فهذه القرارات عبارة عن أوامر قد تكون مباشرة كالأمر بالإيداع في السجن، وقد تكون غير مباشرة في صيغة ملتمس عند المطالبة بإجراء تحقيق في قضية ما، وقد تكون تعليمات موجهة إلى ضباط الشرطة القضائية في إطار البحث في حالة تلبس أو البحث في إطار المسطرة العادية، كالأمر بالتقديم والأمر بالوضع تحت الحراسة النظرية.
فهذه الأوامر تبقى، بدورها، خاضعة لمزاج قاضي النيابة العامة يتأثر فيها بمحيطه، بل قد تمليها عليه الظروف السياسية أو غيرها، ففي كثير من الأحيان تأمر النيابة العامة بإيداع المتهم في السجن بالرغم من كونه يتوفر على كافة الضمانات الشخصية والموضوعية، وحتى القدرة على دفع الكفالة، وقد تأمر بإحالة متهم آخر على المحكمة في حالة سراح رغم كونه قد ارتكب نفس مخالفة المتهم الأول أو أقل.. وهذا ما يضرب سواسية الأشخاص أمام القانون، والحق في التمتع بحماية متكافئة من دون أية تفرقة وتمييز.
ومن الملاحظ أن وزارة العدل سبق لها أن قامت بإعداد شروحات وأعطت تفسيرا واضحا لبعض فصول قانون المسطرة الجنائية خاصة الفصلين 47 و74 لتطبيق مسطرة الاعتقال، لأنها تمس بحرية الأشخاص. وأعتقد أن هذه الضوابط التي جاءت بها وزارة العدل تعتبر من النصوص التنظيمية المنصوص عليها في المادة 90 من الدستور الجديد للمملكة والتي من شأنها أن تلزم قضاة النيابة العامة بتطبيقها، فسلطة قاضي النيابة العامة مقيدة بمقتضى القوانين والأنظمة وليست مطلقة يفعل بها قاضي النيابة العامة ما يشاء.
ولقد سجلنا في العديد من الحالات على أن عمل النيابة العامة يتسم بسياسة الكيل بمكيالين ولدينا أمثلة عديدة لا يتسع المجال لذكرها. وأخيرا نأمل أن تتسم قرارات القضاء الواقف بالتزام الحياد والنزاهة، في كل ما يصدر عنه للنهوض برسالته في تمثيل المصالح العامة، وحماية الشرعية وتأكيد سيادة القانون، ويسير في الاتجاه الذي رسمه الشعب المغربي حين صوت على الدستور المغربي لبناء دولة ديمقراطية اجتماعية حقيقية.
(*) محام بهيئة أسفي
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

