الجلسة الشهرية لمساءلة رئيس الحكومة في مجلس المستشارين التي انعقدت أول أمس كانت مناسبة مهمة لبيان حدود المفارقة والتماس بين الأجندة الوطنية والأجندة الدولية في التعاطي مع حقوق المرأة، إذ أعاد رئيس الحكومة – وبخطاب صريح- رسم الاحتياجات الحقيقية للمرأة المغربية في ضوء الواقع الذي تعيش فيه، والإجراءات الفورية التي يتطلب القيام بها لإنصافها.
والواقع، أن ما طرح في هذه الجلسة الشهرية يعكس في حقيقة الأمر مفارقتين اثنتين: 1- الأولى، مفارقة العناوين التي تتخذ كأجندة للدفاع عن حقوق المرأة. 2- والثانية، مفارقة قراءة واقع المرأة المغربية وأدوارها الاجتماعية، وفهم احتياجاتها وأولوياتها في هذه المرحلة. ففي المستوى الأول، يبرز الخلاف في الأولويات بين عناوين محاربة العنف ضد النساء، والدفاع عن مقاربة النوع والمساواة والقضاء على كل أشكال التمييز في جهة، وعناوين إنصاف المرأة المغربية المقهورة، ومساعدتها على تقوية فرص عيشها الكريم، والاعتراف بدورها التربوي داخل الأسرة وحفزها وتشجيعها على تقوية وظيفتها الاجتماعية من جهة ثانية. أما في المستوى الثاني، فيحصل الخلاف بين فهمين للواقع: الأول مغترب أو في أحسن الأحوال متماه مع الطرح الغالب المهيمن، والثاني، يبحث في ثقوب إكراهات هذا الطرح الغالب المهيمن عن مداخل لإعادة جدولة الاحتياجات الحقيقية للمرأة في ضوء معاناتها في واقعها لا في ضوء البرامج الخارجية الممولة دوليا. الفرق بين المقاربتين كبير، لأن الأولى تهتم بتحسين وضع المرأة /النخبة/ الأقلية، وتمكينها من فرص مساوية للرجل، أما الثانية، فتهتم برفع المعاناة عن الشريحة الغالبة من النساء وتمكينهن من فرص العيش الكريم، والتشجيع على اعتراف المجتمع بدورهن داخل الأسرة، والمساهمة في إعادة التوازن المجتمعي. القراءة السليمة لوضع المرأة المغربية تؤكد بأن الدور الأكبر ينبغي أن ينصرف إلى رفع المعاناة عن المطلقات والأرامل والنساء في وضعية صعبة، وإعادة النظر في جملة من القوانين التي تضيق على المرأة العاملة هامش الاستفادة من رخص الرضاعة ورعاية الأبناء وغيرها من المشاكل اليومية التي لم يبذل إلى الآن أي جهد في السياسات العمومية من أجل الجواب عنها. أين المشكلة لو تم التفكير في تمديد رخصة الاستفادة من بضعة أشهر للولادة والرضاع؟ وأين المشكلة لو تم التفكير في تعديل القوانين لإقرار توقيت مرن بالنسبة للنساء اللواتي يقمن بأدوار اسرية مهمة إما لفائدة الأبناء أو الأزواج أو الوالدين في وضعية صعبة؟ وأين المشكلة أيضا لو تم تقديم دعم مالي لفائدة الأرامل والمطلقات لمساعدتهن على القيام بأعباء أسرهن؟ واين المشكلة لو تم توسيع هذا الدعم ليشمل النساء اللواتي ابتلين بمرض الزوج المزمن المقعد عن العمل؟ نعم، هناك مظالم كثيرة ترتكب ضد المرأة إما عنفا أو تحرشا أو تمييزا ضدها، وإما إقصاء وتهميشا وانتقاصا من كفاءتها، وإما مسايرة لجزء من ركام ثقافي راكد وجب إعادة النظر فيه، لكن النهوض الواجب برفع هذه المظالم لا ينبغي أن يحجب عنا البوصلة الحقيقية لإنصاف المرأة وتأهيلها للقيام بأدوارها المجتمعية. لقد مر ردح من الدهر وعناوين الأجندة الغالبة للدفاع عن حقوق المرأة تكتسح المواقع، وتضغط على الحكومات، وتغري بالتمويل مؤسسات المجتمع المدني، لكن لم يحصل أي أثر يذكر لهذه الأجندة على المعاناة الحقيقية للمرأة في البوادي والمعامل والبيوت المحرومة، ولم تستفد منها الطبقة الهشة من النساء، والتي تمثل الغالبية العظمى في الواقع المغربي. نعم استفادت المرأة/ النخبة، وتمكنت في حدود ما أن تحظى بقدر من المثيل في المؤسسات والمناصب والهيئات، لكن، هذه الاستفادة تبقى محدودة إذا نظرنا إلى معاناة الغالبية العظمى من النساء. جواب رئيس الحكومة السيد عبد الإله بنكيران أول أمس، حتى وهو يعرضه بلغته الشفوية البسيطة، وضع الأصبع على إشكاليات حقيقية تحتاج إلى تعميق التداول الفكري فيها بعيدا عن توزيع الأوصاف والاتهامات وقريبا من الاحتياجات الحقيقية للمرأة المغربية.
المصدر: بلال التليدي نشر في التجديد

