هدى درويش روائية وشاعرة وإعلامية- تؤمن بالحرية والتغيير- تتَّصف بالقوة والذكاء والجرأة والصراحة، نشأت في أسرة تربوية والدها كان مدرسا للغة العربية وأمها ( سورية جزائرية) عملت باللغة الفرنسية وآدابها مما أكسبها تعدد الثقافات و زمام الأدب العربي و الفرنسى. أوّل أعمالها الأدبية باللغة العربية – ” رواية – آمال … حب يبحث عن وطن ” الذي تعالج فيه قصة شاعرة فلسطينية بين دروب السياسة و الجوسسة و المنفى. و قد أصدرت مؤخرا ديوان شعري بعنوان (لك وحدك).وثمّةَ إضاءات أخرى في هذا الحوار،
حاورتها – بريجيت محمد. هدى درويش ..هل لك أن تقدمي نفسك للقارئ وعن بداياتك؟ – امرأة مؤمنة بالتغيير … حالمة بالمستقبل … عاشقة للحياة … باحثة عن الحب و الحرية و ألأمل … رصيدي في الأدب احترافيا لا يتعدى سنتين لكنني وقعت بصمتي بكل جدارة و راضية جدا عمّا حققته … متصالحة مع نفسي و مقتنعة بكل قراراتي على الصعيد الشخصي و العملي …أعمال كثيرة حملت اسمي … روايات … مقالات … أشعار … برامج إذاعية و ندوات … لم تهزمني الحياة فقط لأنها لم تتمكن بضجرها و غوغائها من اغتيال الطفلة التي بداخلي ما زالت باسمة … لقد خضت تجربة صحفية من خلال عملك في جريدة الديار اللندنية ،ومقدمة البرنامج الإذاعي : “بوحٌ و نغم”.. كيف أثرت التجربة الإعلامية على إنتاجك الأدبي؟ – الإعلام مرآة جريئة و أفضل وظيفة يمكن أن يتقلدها أديب أو مبدع … يعطيك الإعلام وجه آخر و تجربة أخرى و ملامح جديدة تساعدك على فلسفة الحرف و الحياة … عملت لدى الديار اللندنية و لدى جريدة وطن الصادرة بكاليفورنيا و العمل الإذاعي له ذوق آخر و احترافية مختلفة عن الصحافة المكتوبة … هي على العموم تجارب تصب في صالح تجربتي الأدبية و صيتي الإبداعي . أنت شاعرة وروائية و مذيعة جزائرية في آن،اين تجدين نفسك أكثر ولماذا؟ – الكتابة النثرية تعبّر عني أكثر و تزيدني وضوحا و جرأة و عطاءً … الشعر يسعفني و يهمني لكن العمل الروائي في نظري هو أكثر ما يمكن أنْ أبدع فيه و هو أعمق بكثير .. لا حدود له خصوصا و أعمالي التي نشرت مترجمة الآن بفرنسا و كذا بلد فراكفوني أروبي … هي أول خطوة نحو العالمية في نظري … ماهو دور الشاعرة العربية فى زمن العولمة؟ – للشعر دور كبير في كلّ الأزمنة مهما اختلفت لكنه ذو شقاء كبير و وهن و هوان حين يكون عربيا في زمن الفولاذ و الحديد … الشعر متقزم و محدود و قلة قليلة هي التي تقرأ الآن … اي أنّ حتى ثقافة الكتاب تقزمت … هذه العولمة التي ينغمس فيها العالم مخذرا نائما متأمركا في كل مفاهيمه … هذه العولمة لا تخدم على الإطلاق الثقافة العربية بل حولتها الى ثقافة ما بين الثقافات … اهين الشعر و تساقطت ملامح الأمة … للشاعر العربي منذ الازل مكانة كبيرة و هو متعب بعروبته لكن الوضع أمّر حين يحكم على الشعر من باب الأنثى … تعاني المرأة الشاعرة كما المرأة العادية مختلف التربصات و المساومات و ذلك فقط لأنّ المجتمع رجعيّ متخلف ما زال ينظر للمرأة بمنظار بدائي و لو ادعى هذا المجتمع غير ذلك … للمرأة الشاعرة دور يشبه القديسات في رسالتهم و في حمل همّها دون تراجع و لا استسلام … هل استطاعت المرأة الشاعرة من حمل هم وقضية جنسها؟ – المرأة المبدعة تحمل هم مجتمعها و هويتها … ليست المرأة الشاعرة فقط و انما الفنانة و الرسامة و الكاتبة و الإعلامية و الناقدة و الصحفية … كلّ امرأة لها كلمة تسمع و جمهور متابع ,,, تحمل همّ رسالتها بكلّ شقاء و حيرة … نحن _ لمن لا يعرفنا – يأخذ هذا الإبداع من عمرنا و شبابنا أجمل أيامه و لياليه … يحرمنا الاستجمام و العائلة و الأقارب و يجعلنا رهن أسفارنا و متاعبنا و مبادئنا و قراراتنا … نبدع و نتألم على حساب كلّ هذا لأننا مؤمنون و مؤمنات برسالتنا العظمى التي منذ أن اخترنا سبيلها المحفوف بالمخاطر حملنا على عاتقنا مشروع ثقافة و إصلاح .. سيضل التاريخ يكتبه و يرويه و يبقيه في سجلّ الحضارات … أي من مؤلفاتك الأحب إلى قلبك ولماذا؟ – كلّ مؤلفاتي و أشعاري تحملني بكلّ ما فيّ من تناقض و غرابة و ضوضاء و روحانية … روايتي الأولى ” حب يبحث عن وطن” تحكي حياة شاعرة و موسيقارة فلسطينية مضطهدة بين دروب السياسة و الجوسسة و الإبداع لكنّ” آمال ” البطلة تشبهني و تشبه كل امرأة مناضلة بإيمانها بالحب و بالحياة و بالغد الأفضل … في ديواني ” لك وحدك” كلّ القصائد تحكيني و تعبر عن وجع الحب و الثورة و الوطن … تعبر عن الوجودية الإنسانية و الوحدة و الأصدقاء … و الخوف و التحدي … لكنّ روايتي ” نساء بلا ذاكرة” التي ستصدر مطلع 2014 بالجزائر و بيروت أعتقد أنها الأقرب الى قلبي لأنها تحكي قصصا نسائية دون منازع … تعبر عن وجع النساء و عن وجع ” وهران ” مديتني الأقرب الى القلب و من ثمة الى تونس و لبنان و باريس و بيئات مختلفة … هي في نظري أعمق و أنضج ما كتبتُ حدّ الساعة … إن الحوار مع الآخر بين الحضارات والثقافات يظل مطلبا لا غنى عنه للإنسانية جمعاء هل انت مع هذه المقولة ام لا ولماذا؟ – بالفعل … ليس الحوار في نظري مهمّا فحسب بل أنا أرجع في كلّ مرة تخلفنا الاجتماعي الى مشكلة” عدم القدرة على التواصل” و “عدم إتقان فن و حضارة الحوار “… الحوار مغزى و إستراتيجية و خلطة الشعوب و المجتمعات المتقدمة … مع الأسف واقع أمتنا الحرف يؤكد عدم قدرتنا عدم قدرتنا على الحوار و لو أقمنا لذلك مئات الأيام التحسيسية … هنالك شيء في جينات العرب يرفض الحوار و يمنع الصراحة و يقتل الوضوح و التفهم و التعقل … ما زلنا نزدري الأديان و نحكم على بعضنا و كأننا نقوم بدور” الله ” في محاسبة الخلق … مازلنا ننظر للاشيء على أنها مختلفة بمعنى التنافر لا بمعنى التكامل … الوضع صعب و معقد … “فقط و عندما أراهم يهرعون من عجزهم الدنسي الى كل أصناف الدواء و لا عني لهم عجز الفكر شيئا … ادرك عجز حرفي البكر في تغيير ظلام عقولهم” … ما هو تقيمك للحركة الشعرية والأدبية فى الجزائر؟ – الحالة الأدبية في الجزائر كما في الوطن العربي غير مفرحة … حالة في أبشع صورها حين يكون ما أسميه” الثراء الفكري الفقير” هياكل ثقافية فارغة … مسابقات أدبية غامضة … دور نشر قليلة الاحترافية عدا البعض القليل منها … مشاكل تسويق … حراك فكري فارغ … أشباه مثقفين… نقد غير بناء … شريحة قرّاء ينقصها الكثير مقارنة بالمجتمعات القويّة ثقافيا … عدا الزبدة المثقفة الحقيقية … هي حالة تحتاج الى تطهير و انعاش و اعادة بعث الحياة من جديد … تحتاج الى تحدّ و كفاح كبيرين . هناك من يصنّف الأدب، “أدب النسائي، وأدب ذكوري”، مارأيك بهذا التصنيف.؟ – لا أحبّ هذا التصنيف اطلاقا … في أوروبا تصنف البليادات الأدبية و الشرائح المبدعة أحيانا بمقياس “الأدب الفيميني “… لكن بكل ما تحمله هذه الكلمة من جمال الأنثى في كلّ شيء … الأدب التسوي يختلف عن ” الأدب الفيميني” لأنّ مفهومه في العقل المتخلف لا يرى في المرأة كيانها الأجمل … بعضهم وصف أديبات الجزائر حين تحدثن عن الجنس و عن الثقافة الجنسية بأنهنّ طفرات ثقافية غير مرغوبة و عاهرات و كاتبات الفراش … في فرنسا مثلا صنّفت كتاباتي مع ” الادب الفيميني و الأدب الكلاسيكي ” و اسعدني الأمر كثيرا … لكن الكتابة النسوية ينظرون اليها هنا ربّما على أنها” كتابة ناقصة عقلا و دينا” كما يزعمون و الكارثة الكبرى أنّ ليس فقط هذه المفاهيم الثقافية جائرة و ظالمة بل اختلط الحابل بالنابل و أصبحت كل المفاهيم متلاطمة من مفاهيم الدين الى السياسة الى الاجتماع … و هو سبب تراجع الأمة الى الوراء … و يتجلى موقفي أكثر في كتاباتي الصحفية ” سجلّ … أنا أنثى” … “وجعك يا وطني ” … و المقال الأكثر ضجة ” هل تراني امرأة …؟” … كيف تفهمين مسألة المساواة وحقوق المرأة .؟ وما هو مفهوم التحرر عند هدى درويش.؟وهل انت مع حرية المرأة ؟ – في الحقيقة و المنطق ليس هنالك من مساواة بين الرجل و المرأة …هي ركض خلف المجهول و غموض لم و لن تتقبله العقول … الرجل كيان و المرأة كيان آخر … مختلفين غير متشابهين لكلّ منهما خصائص و مميزات … يجتمعان في نقطة واحدة … فقط هي أنهما متكاملين و كلاهما في حاجة بيولوجية و فيزيولوجية و سوسيو سيكولوجية للآخر … اذن هما متكاملان لا غير … في المجتمعات المتحضرة انسانيا … السرّ يكمن في اعطاء المرأة مكانتها و الرجل مكانته دون أن يكون هنالك مكان للصراع … و تقوم العلاقة بينهما لا على أساس القوّة و انما على أساس التكامل و العقلانية و الأهمية … أما عن حقوق المرأة فهي ايديولوجية … أنا بالتأكيد مع شطرها الانساني و الثقافي و الحضاري الاجتماعي لكنني ضد شطرها السياسي … هي ايديولوجية مستوردة غالبا دون أن تقولَب مع حضارتنا الشرقية و أصالتنا و لها مغزى آخر سياسي و اقتصادي يجعلنا في تبعية فكرية … حقوق المرأة في أمريكا ليست كما كندا و لا كما الجزائر أو باريس أو بيروت … لكلّ مجتمع مقومات و وازع ديني … و تاريخ انساني الحق في المثلية الجنسية و في الدعارة و في الانسلاخ عن الهوية و غيرها من التراخيص التي أدخلت زورا تحت غطاء حقوق المرأة ليُتاجر بها أكثر بعيدا عن مقوماتها و اصالتها … و غير ذلك … بكلّ اختصار أنا مع الأصالة حين تعني الانتماء و مع المعاصرة حين تعني الارتقاء … ما هو مفهوم التحرر عند هدى درويش.؟وهل انت مع حرية المرأة ؟ – التحررّ هو ميكانيزم البحث أو الوصول الى الحرية … هو أساس كلّ علاقة صحيحة دائمة ثابتة قوية و متوازنة … التحرر السياسي و الاقتصادي يصنع مصير الشعوب و الدول و التحررّ الفكري و الإنساني و الحضاري يقررّ مصير الإنسان أيضا على الصعيد الشخصي و العملي … حريّة المرأة من حريّة المجتمع و بالتأكيد انني أدعم كلّ تحررات المرأة و أقف معها بكتاباتي و سلطتي الثقافية و الاجتماعية … أعتبرها مهمّة لا تتجزأ من رسالتي المعبذرة عن الحب و الحرية و السلام … فقط على العقول المتخلفة أنْ تفرّق بين : قلة الأدب _ الانحراف_ و الحرية … و حينها ندرك معنى الحرية النبيل … و أعتقد أننا مع الأسف أمّة تنقصها قرون و ألفيات لتبلغ هذا المستوى . ما جديدكِ و كلمة أخيرة ؟؟ – جديدي هو رواية قيد الكتابة و ديوان شعري و مشاريع أخرى كثيرة سأفصح عن تفاصيلها في الوقت المناسب … و رسالتي كما دوما رسالة حب و سلام … أفتح قلبي للجميع … اشكر قرائي عائلتي الثانية … اشكر كلّ الأصدقاء الداعمين لي … اشكر كلّ من خذلني أيضا لأنهم دروس حياتية لا تقدّر بثمن … أشكرك بريجيت على استضافتك الجميلة … أحييّ بمحبة ” القاهرة الساحرة ” الساحرة التي أعطتني الكثير و لا انسى دمشق من الدعاء … و كلّ الشعوب الباحثة بدمائها عن حلم الحريّة … كلّ الشعوب التي يُتاجر قهرا بأحلامها البريئة التي حُوِّلَتْ الى مشروع خراب يطال الأمة العربية و اشكر صديقتي البروتية الأصيلة الشاعرة “نسرين ياسين” التي لم تنساني يوما من محبتها و أشكر منبر الجريدة على الالتفاتة الطيبّة . حوار الصحفية بريجت محمد
المصدر: الشرق المغربية نشر في الشرق المغربية

