في هذا الحوار يتحدث الداعية محمد العربي الإدريسي عن احتياجات الخطاب الدعوي وعن واقع الدعوة والتربية الدينية للجالية المسلمة في الخارج. ويرى محمد العربي الإدريسي الخطيب ببعض مساجد فرنسا في حديثه أنه لا بد أن يكون الداعية متنوعا في ثقافته واطلاعه على مناحي الحياة المختلفة وما أنتج حولها من علوم وبحوث إنسانية حتى يكون منسجما مع الواقع الغربي المعاصر مؤكدا أنه كلما كان الخطيب أو المربي متمكنا معرفيا من مجال اشتغاله، كان أكثر تفهما لحاجة الناس والمجتمع، عارفا بأولوياته، ويكفي أن يكون بعد ذلك طموحا في خدمة مجتمعه ورسالته حتى تظهر ثمرته في التجمعات المسلمة في الغرب.
كما يتحدث الإدريسي الذي يمارس مهام التعليم والإشراف ضمن بعض المراكز الإسلامية بفرنسا عن حال تلك المراكز والتي تحتاج على حد قوله إلى تفعيل أدوار المسجد فيها وأن لا يبقى مقتصرا على الاجتماع على أداء الفرائض الدينية من صلاة وتأطير لأجواء الصيام، باعتباره نواة المراكز الإسلامية في تربية الأجيال وتأطيرهم، مشيرا إلى أن كثيرا من تلك المراكز ليست بالشكل الكافي في التأطير والتنظيم، ولا تتوفر على قدر كبير من الانتشار والتوسع الجغرافي حتى تغطي في خدماتها مساحات واسعة وفئات كثيرة من المسلمين. حاوره: محمد الإدريسي • – ما هي أبرز مناشط التأطير والتوعية الدينية للجالية المسلمة؟ وهل هناك تحديات في ذلك؟ لم يزل المسلمون المقيمون في البلاد الغربية يسعون لتحسين أوضاعهم وظروف إقامتهم عبر الكثير من الأنشطة التأطيرية سعيا للخروج من مجرد (جالية) مغتربة يستلزم العناية بها من البلاد الأصلية التي ينحدرون منها؛ إلى تجمع إسلامي كبير له مؤسساته التي تنظمه وتؤطره، عن وعي بالتحديات المحيطة واستشراف لمستقبل آمن. ويمكن إجمال محاور هذه المناشط في التربية والتعليم والعمل الاجتماعي والمشاركة في الشأن العام الذي ينصب على التوعية والتحسيس بضرورة مشاركة المسلمين في الحياة العامة. ولمعرفة هذه المناشط أكثر، لا بد من معرفة الفاعلين في هذا الحقل التأطيري التوعوي، وهي المراكز الإسلامية المتباينة بالنظر إلى حجمها ووظائفها، والمنظمات والجمعيات المتنوعة التي تختلف باختلاف مجالات اشتغالها واهتمامها وتوسعها وانتشارها الجغرافي. تتكون بنية المراكز الإسلامية في أغلبها من جمعية قانونية، تركز أنشطتها في مقراتها، التي غالبا ما يشكل المسجد نواتها الأساس، ومن هذه الجمعيات ما يأخذ شكل منظمات وطنية أو حتى تنظيمات لها امتدادات إقليمية أو دولية، تشتغل بشكل قانوني على التراب القُطري. هذه المنظمات غالبا ما تشرف على مجموعة من المراكز التابعة لها، تنفذ من خلالها أنشطتها وبرامجها. يتركز جل النشاط في المسجد والمرافق التابعة له، فمن وظيفة القيام بالفرائض الدينية بما تمثله من تأطير ديني تربوي، إلى النشاط التعليمي الذي ينقسم إلى فروع مختلفة منها تعليم الأطفال والتعليم النسوي، ومنها أقسام أخرى بحسب الحاجة مثل الاهتمام بالمعتنقين الجدد وتنظيم دروس علمية متخصصة في العلوم الشرعية. – من خلال اشتغالكم في التعليم الديني والخطابة ما هي احتياجات الخطاب الدعوي في تلك البلاد؟ من الأمور التي تؤثر في الخطاب الدعوي عموما تكوين الداعية وزاد الخطيب العلمي والمعرفي والثقافي، فكلما كان الخطيب أو المربي عموما متمكنا معرفيا من مجال اشتغاله، كان أكثر تفهما لحاجة الناس والمجتمع، عارفا بأولوياته، يكفي أن يكون بعد ذلك طموحا في خدمة مجتمعه ورسالته حتى تظهر ثمرته في التجمعات المسلمة في الغرب. هذا التكوين ينبغي أن يكون جامعا بين التكوين الشرعي الأساس للفقيه، بمواده المعروفة من قرآن وعلومه وحديث وفقه وأصوله وما إلى ذلك، لكن حتى يكون منسجما مع الواقع الغربي والواقع المعاصر عموما، لا بد من أن يكون متنوعا في ثقافته واطلاعه على مناحي الحياة المختلفة وما أنتج حولها من علوم وبحوث إنسانية. على أن نجاح الخطيب وحسن أداء الداعية لا يمكن أن يتم في بلاد يجهل كثير من المسلمين فيها اللغة العربية إلا بالتمكن من ناصية اللغات المحلية من فرنسية وإنجليزية واسبانية وغيرها حسب البلاد التي يوجد فيها. فالتحدي هنا مزدوج ولا ينبغي أن يتم جانب منه على حساب الآخر، فمن جهة تعليم المسلمين اللغة العربية باعتبار أن كثيرا منهم ينحدرون من بلاد تتحدث العربية ولا تزال تربطهم بها علائق وصلات، وعلى اعتبار أن اللغة العربية هي السبيل الطبيعي الأول للتواصل مع الخطاب الشرعي دون اعتماد وسائط المترجمين والارتهان في تفسيراتهم الخاصة وتأويلاتهم الشخصية. ومن جهة أخرى اتقان الأئمة والدعاة للغات البلاد التي يعيشون فيها قصد التواصل مع أبناء المسلمين خصوصا من الجيل الثاني والثالث. – هل ترى أن المراكز الاسلامية كافية لضمان تربية متوازنة لأبناء الجالية المسلمة بفرنسا؟ – الإشكال الأول هو أن هذه المراكز الإسلامية كثير منها ليس لها إلا اسم مركز إسلامي، أما الوظائف والأطر والخدمات فهي متواضعة في كثير من الأحيان، وكما سبق أن أشرنا إلى أن المسجد هو النواة في كل مركز، فكذلك لا ينبغي أن يكون هذا المشروع الكبير والضخم في تربية الأجيال وتأطيرهم مجرد نواة في أبسط أشكالها وأدنى اهتماماتها المتمثلة في الاجتماع على أداء الفرائض الدينية من صلاة وتأطير لأجواء الصيام، بل لا بد من تفعيل الوظائف الأساس لهذه المؤسسة الإسلامية العظيمة التي هي المسجد حتى يمكن إطلاق المصطلح المتداول اليوم عليه وهو “المركز الإسلامي”، وإن كان في حقيقة الأمر مصطلح المسجد في الاصطلاح الفقهي الشرعي كاف للدلالة على مدلول “المركز الإسلامي” وزيادة. ولأن كثيرا من هذه المراكز ليست بالشكل الكافي في التأطير والتنظيم، ولأن الرائد منها ليس على قدر كبير من الانتشار والتوسع الجغرافي حتى يغطي في خدماته مساحات واسعة وفئات كثيرة من المسلمين، فقد اعتمدت الدول التي لها مواطنون مسلمون في بلاد المهجر بنسبة مهمة على القيام ببرامج تأطيرية تستهدف هذه الفئة من أبنائها المغتربين، وهو الحال أيضا بالنسبة للمغرب، حيث تستقبل البلاد الغربية نسبا من المبتعثين بهدف التأطير والتوجيه، يفترض أن نصيب كل بلد منهم بحسب كثافة وجود المغاربة فيه. وإن كان يعاب على هذه المقاربة أنها تأخذ طابعا موسميا، حيث يتركز الثقل كله على موسم رمضان، بالإضافة التي المشاكل التي يعيشها هؤلاء المبتعثون، سواء منهم الأئمة والمرشدون أو البعثات التعليمية التي تساهم في التعريف بثقافة البلد الأم ولغته في إطار برنامج (ELCO)، منها ما يستطيعون البوح به، وكثير منها يظهر أثره في العطاء والنتائج لمعرفتهم مسبقا بانسداد آفاق أي حوار، فليس لهم إلا أن يشكوا بثهم وحزنهم إلى الله، ومنها ما ظهر أخيرا في شكل احتجاجات ومطالب، تتطلب النظر الواعي والمستمر وغير الإقصائي في هذه الأدوات والبرامج.
المصدر: 15 04 2014 نشر في التجديد

