ينطلق الباحث في علم الاجتماع والأستاذ بجامعة ابن زهر بأكادير عبد العزيز بطيوي من الربط بين المثقف والانتماء. فمقولة المثقف هي مقولة دالة على الانتماء، أي نوع من الانخراط الواعي ضمن حقل معين له مواقعه ورهاناته ورأسماله المادي والرمزي وما يفرض ذلك من أدوار محددة ووظائف معينة. بطيوي الذي يؤكد أن مفهوم الانتماء هذا هو الذي يحدد جوهر أدوار المثقف يذهب إلى أن ذلك لا يتحقق إلا من خلال “أولا قدرة المثقف على الإسهام في هندسة مشروع ثقافي يكون بإمكانه تفعيل مكونات المجتمع الثقافية والحضارية بما يسمح لهذا المجتمع من التحقق بمقومات الحضور والشهود دون أن تمسخ هويته، وفي نفس الوقت كسب رهان الزمن المتحول والمتعولم بكل مظاهره وتجلياته، ولا يتم ذلك إلا من خلال إحياء المثقف لحركية النقاش الثقافي المجتمعي. وثانيا إنتاج المثقف لمعرفة تسهم في تخليص الجماهير من كل أشكال الوعي المزيف والمسطح والشقي في أفق تشكيل وعي جماعي مؤسس على التجديد والاستقلالية، وهو ما يعني حسب البطيوي ضرورة استعادة المثقف لوظيفته الفكرية والمعرفية في تأطير الاجتماع البشري. هذا بالإضافة إلى ضرورة تجسيد المثقف لهموم الجماهير وإنصاته لحركة المجتمع وتحولات الواقع.
وبالنظر إلى هذه الأدوار الأساسية للمثقف التي يفرضها عليه انتماؤه، يرى البطيوي أن الربيع العربي والتحولات الجارية أيقظ الحديث من جديد عن المثقف وغيابه عن القضايا المصيرية وضرورة استعادة دوره لاستكمال مسيرة الإصلاحات السياسية والاقتصادية والتي سيتهددها الفشل ما لم يتم إسنادها بثورة ثقافية حقيقية. البطيوي أضاف أن من أهم قيام المثقف بأدواره الطليعية هو ما سماه بالمثقف الوهم أو المثقف العاجز والذي أفرزته مجموعة من العوامل من بينها انغلاقية المثقف المفرطة واحتقاره لغيره سواء كان غيرا بعيدا أو غيرا مثقفا مثله، وعلاقته بالسلطة وما اكتنفها من تساؤلات لدى الجماهير، وكذا علاقته الملتبسة بهوية المجتمع الذي ينتمي إليه ومرجعيته التاريخية والحضارية وتراجع كفاءته الإبداعية ووقوعه في آفة التقليد لغيره، والتدليس والتلبيس على جماهيره، والتسييس المنغلق والمتعصب لحزبه وطائفته. موضحا أنه بسبب ذلك لم يعد قادرا على استكمال مهمته على خط المواجهة والممانعة. مع تأكيده على أن عودة المثقف اليوم ينبغي أن تأخذ في اعتبارها معطيات جديدة حتى تكون عودة فاعلة تستفيد من أخطاء الماضي وعثرات الحاضر.
المصدر: 06 03 2014 نشر في التجديد

