● أي مساهمة للحركات الإسلامية والجماعات الدعوية في التربية والتزكية لأفراد المجتمع؟
❍ الجهود الذي بدلته الحركات الإسلامية في المجال التربوي كان جهدا مشكورا وقد أثمر ثمارا طيبة ولله الحمد، حيث نشأ جيل قرآني تربى في ظلال القرآن ودرس السنة ورجع إلى المنابع الأصلية للإسلام وتخلص من كثير من الشوائب، وكذلك استطاعت الحركات الإسلامية بتربيتها تكوين جيل صلب أمام التحديات وأمام غزو الشهوات والشبهات وهذا الأثر الكبير الذي خلفته هذه التربية هو أحسن ثمار العمل الإسلامي المعاصر. وللحركات الإسلامية إسهامات كثيرة في المجتمع بعضها نجاحات والبعض الآخر إخفاقات، لكن المجال التربوي هو المجال الذي برزت فيه الحركات الإسلامية حقيقة. ولاشك أن حاجة الأمة إلى التربية دائما حاجة كبيرة وقد أخذت من عمر النبي صلى الله عليه وسلم وجهده الشيء الكثير، وإذا نظرنا إلى الفترة المكية باعتبارها دامت 13 سنة في مقابل الفترة المدنية باعتبارها دامت عشر سنوات فقط، نجد أن الجهد الذي بدل في تربية الأفراد أكبر من الجهد الذي بدل في إقامة الدولة والسياسة العامة من ناحية الوقت على الأقل. كذلك فإن الجهد الذي بدله النبي صلى الله عليه وسلم في التربية كان كبيرا حيث كان يتابع ويراقب أثره في أصحابه وكان لا يتكل على الخطب والمواعظ التي يلقيها بل كان ينظر ويقوّم السلوكيات، ويتابع أثر هذه التربية على أصحابه حتى تأسس الجيل الأول، وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم ثمرة ذلك بقوله «يأتي على الناس زمان يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فيقولون: نعم فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فيقولون: نعم فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فيقولون: نعم فيفتح لهم» (رواه مسلم). وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام «خير أمتي الْقَرْنُ الذي بُعِثْتُ فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم». إن الحركة الإسلامية المعاصرة أخذت بهذه التربية النبوية وأطرتها في إطار العصر، وهذا ما تحتاج إلى متابعته وتطويره فلا تقف التربية عند حد، فكل مرحلة أو محطة تمر منها الأمة تحتاج إلى إضافة للتربية؛ ففي البداية لابد من تربية الناس على الجندية والطاعة وإذا تجاوز ذلك لابد من تربيتهم على عدم التبعية والتقليد المطلق، ثم لابد من تربيتهم على عدم التنافس على الدنيا وإذا تجاوزنا ذلك لابد من تربيتهم على روح الإخاء والمحبة والمودة للأمة كلها وأن يكونوا أهل لطف ورفق بالناس، وإذا تجاوزنا ذلك لابد من التربية أيضا على بوصلة التفكير والالتزام بالوسطية وعدم الإفراط والتفريط. وبذلك يحتاج المسلمون إلى مراجعة دائمة والمحطات التي تمر منها الأمة ليست محطات قارة بل قد يدور الفلك بالأمة فتعود إلى محطة قد تجاوزتها وظنت أنها تجاوزتها فتحتاج إلى جرعات تربوية للمرور من تلك المحطة. ● يعيب البعض على الحركات الإسلامية اهتمامها بالمجال السياسي أكثر من غيره في السنوات الأخيرة. ما رأيكم؟ ❍ هي اشتغلت فعلا بالسياسة لأنه في محطة من محطات الأمة يجب الاشتغال بالسياسة، لكن لا ينبغي الاشتغال بالسياسة على حساب التربية؛ فأهل السياسة أحوج الناس إلى التربية بتنبيههم على خطر الدنيا والتنافس فيها وكان صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على ذلك، حيث قال لأصحابه «إنكم ستتنافسون على الإمارة بعدي وإنها ندامة يوم القيامة..»، وكذلك نبههم على خطر التنافس على الدنيا وقال «والله ما الفقر أخاف عليكم ولكن أخاف عليكم أن تُبْسَطَ عليكم الدنيا كما بُسِطَتْ على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم». ● إلى أي حد استطاعت الحركات الإسلامية أن تؤثر في السلوك الجمعي للمجتمع؟ ❍ الحركات الإسلامية نجحت في إزالة أهم المظاهر السيئة التي كانت ظاهرة في مجتمعاتنا، فعند نشوء الحركات الإسلامية كان لدينا أنواع من السلوكيات منها ما هو ناتج عن التخلف وما هو ناشئ من الانبهار بالحضارة الغربية والغزاة المحتلين، فجاءت الحركات الإسلامية في وقت كان الناس يظنون أن الاشتغال بالعلم موروث الاستعمار، وتغيرت هذه الأفكار بفضل التربية ونجحت الحركات الإسلامية في إقناع الناس بالعودة إلى الدين وبأن الحضارة الغربية يؤخذ منها ويرد كما فعل الغربيون مع الحضارة العربية حيث انتفعوا بها. هم كذلك لديهم أشياء نحن في حاجة إليها، ولا يمكن أن نأخذ كل ما لديهم لكن لابد من التمييز. ولقد نجحت الحركات الإسلامية في التخلص من بعض التقاليد المخالفة للشرع في مجتمعاتنا، فقد كانت المجتمعات في وقت من الأوقات لديها من الدين إلا التقاليد الموروثة من الأجداد، لكن بفضل وجود الحركات الإسلامية أصبح الناس يرجعون إلى الأدلة ويبحثون عن صحة الأحاديث. كما نجحت في إعادة ما في الدين من تأصيل وبحث عن الدليل وكان هذا النجاح كبيرا ولله الحمد في سلوك الناس.
المصدر: التجديد نشر في التجديد

