في فترة حكم الطاغية الليبي معمر القذافي فقد الآلاف من الأشخاص ممتلكاتهم العقارية. القضاء على نظام العقيد لم يؤد إلى استرداد أصحاب الحق لممتلكاتهم، بعدما تحول هذا الأمر إلى قضية سياسية قابلة للانفجار في أي لحظة. عائلة اندر تصارع منذ ما يزيد عن 35 سنة من أجل استرداد ما يمكن استرجاعه، بعدما جعل نظام القذافي هذه العائلة تفقد كل شيء.

هل في الإمكان تخيل أن هذا المبنى المؤلف من ستة طوابق كان فيما مضى مصحة طبية؟ في الوقت الراهن، لم يتبق منه سوى هيكله الداخلي المشيد بالإسمنت. سالم اندر، البالغ 40 سنة، قادنا في زيارة معتمدا على الذكريات التي احتفظ بها عن المكان منذ أيام طفولته، وبالاعتماد كذلك على بعض الآثار التي لازالت عالقة بأسقف المبنى. «هنا كانت تقع غرفة العمليات»، يقول سالم. يقع المبنى على مقربة من ضفة البحر الأبيض المتوسط وحي «سوق الجمعة». طابق المبنى الأخير، يطل بشكل دائري على معظم أرجاء العاصمة الليبية طرابلس. في شهر غشت 2011، تمكن سالم اندر من استعادة هذا المبنى الذي فقدته عائلته منذ ما يزيد عن 30 سنة.
وعلى بعد 200 متر تظهر القبة الزرقاء لقصر ولي العهد، وأمام الجزء الأسفل من المبنى يتراءى ميناء عسكري، مازالت تظهر عليه آثار الضربات الجوية التي شنها حلف شمال الأطلسي سنة 2011. وفي الأسفل، تحتل صورة شهيد سقط خلال الثورة أحد اللوحات الإشهارية التي كانت تحتكرها في الأمس القريب صورة العقيد معمر القذافي وحدها.
كان سالم اندر يحمل معه نسخة من صحيفة «ليبيان مايل» الصادرة في 16 نونبر 1969. «المصحة الطبية الأحدث بالجمهورية تفتح أبوابها هذا الأسبوع»، كان العنوان الأبرز لذلك العدد، وتحته مباشرة عنوان ثانوي: «العقيد القذافي يدلي بالمزيد من التفاصيل بخصوص الثورة». تزامن ذلك مع مرور شهرين ونصف على الانقلاب الذي قاده معمر القذافي، واستولى من خلاله على السلطة، مستغلا سفر الملك المتقدم في السن إدريس الأول إلى تركيا. يقول سالم اندر مبتسما: «أنظر نحن ما نزال أكثر أهمية منه، أنظر هنا». كان والده، محمود اندر، الطبيب المتخرج من جامعة كامبريدج، من قام بتشييد المصحة التي كانت تضم «عددا من الأطباء المحترفين ذوي الخبرة العالية الذين يشتغلون بأحدث التقنيات الطبية»، كما جاء في مقال الصحيفة الناطقة الإنجليزية. حينها كانت ليبيا تعيش مرحلة تحديث على كافة الأصعدة بعد 18 سنة من حكم المؤسسة الملكية، وكانت النخب الليبية تتلقى التكوين بأرقى جامعات العالم، وكان يظهر أن الثروة النفطية كنز لن يفنى.

نسف النخب
مرت ست سنوات تمكن خلالها العقيد الليبي معمر القذافي من بسط سيطرته على دواليب الدولة والمجتمع، وذلك من خلال إضفاء صبغة إيديولوجية خاصة عليها كما لخصها «الكتاب الأخضر» الذي ألفه سنة 1975. ثلاث سنوات بعد هذا التاريخ، ضرب العقيد الملكية الخاصة في الصميم من خلال تعديل بند في الدستور. وبذلك منحت المادة الرابعة الحق للمكترين بالقيام بالاستيلاء عل الشقق التي يقطنون بها. أما المادة 77 فخولت للعمال السيطرة على الشركات التي كانوا يشتغلون بداخلها. مقابل ذلك بدأ البدويون بأعداد كبيرة في النزوح انطلاقا من هوامش المدن؛ ولم يكن يتعين سوى نصب خيامهم على أي رقعة من الأرض لكي تصبح في ملكيتهم. تلقى معمر القذافي تكوينه العسكري في صف الضباط بمصر، داخل المدرسة الناصرية، بيد أنه لم يكن من أتباع التيار الاشتراكي. وسيرا على خطوات باقي الطغاة بالمنطقة، قام باستغلال الإيديولوجية الاشتراكية من أجل نسف النخب، وبالتالي القضاء على أي معارضة سياسية، وترسيخ سلطته. أما عقيدته الحقيقية فتنهل من أصوله البدوية؛ وكان الشعار الغالب «وانتصرت الخيمة على القصر»، في إشارة للصراع بين البدويين وأهل المدن.
خلال تلك الفترة، كانت مصحة والد سالم اندر تشغل 180 شخصا. كان أحد سائقي سيارات الإسعاف هو من قاد التمرد بداخل المصحة، بعدما قام بطرد محمود اندر من داخل مكتبه. وفي البلاد، تم اعتراض سبيل «بورجوازيين» آخرين. كانت تتم عملية «مصادرة» سياراتهم تحت ذريعة محاربة الإمبريالية، وهو ما تم توظيفه كغطاء تنفيذ عمليات السلب والنهب. كانت تلك الخطوة الأولى لمشروع لنسف المجتمع برمته، وهو الأمر الذي لم يسلم منه أي أحد. فتحت يافطة تحرير الشعب، وعبر ترديد عبارته الشهيرة «أنا لست رئيسا! وأنتم أيها الشعب من يحكم البلد»، زرع معمر القذافي الفوضى حتى داخل العائلة الواحدة.
«لا تدعهم يفعلون أي شيء»
بعد ذلك، انتقلت ملكية مصحة اندر بين أيد عديدة؛ فكان كل مالك جديد يشتري المبنى من خلال الحصول على قرض بنكي من أجل تجديد المبنى أو تغييره، بيد أنه كان يتم بيع المبنى من دون القيام بأي شيء، باستثناء الاحتفاظ بالمال. هذه الطريقة في التحايل على الأبناك انتشرت بشكل كبير وأصبحت في مرتبة العقيدة الاقتصادية داخل ليبيا التي كان يحكمها القذافي؛ وهو ما يفسر أنه بالرغم من أربعين سنة من استغلال الثروة النفطية، لم يتم تعبيد حتى نصف شوارع العاصمة الليبية.
حين كان مايزال شخصا ثريا، قام محمود اندر باقتناء شقة بلندن. نفس هذه الشقة قام بكرائها، ومن خلال المال المتحصل من ذلك أعال زوجته وأطفاله الثمانية بعد فقدانه لمصحته ولوظيفته. كما أنه لم يعد في إمكانه العمل، وفي سنة 1983، تم إجباره على الرحيل إلى انجلترا. وطيلة حياته، بعث محمود اندر رسائل إلى معمر القذافي في محاولة منه لاستعادة مصحته، حتى اللحظة التي سقط فيها طريح الفراش بسبب المرض في سنة 2005. في تلك الفترة، علم أب لمسؤول كبير داخل المخابرات الليبية، أن سلسلة فنادق «كورينسيا» قامت باقتناء المصحة وشرعت في تنفيذ عمليات الهدم، وتذكر الدين الذي يحمله على عاتقه تجاه محمود اندر. «لا تدعهم يفعلون أي شيء»، كما قال لابنه، أولاد الشيخ.
بدأت الأمور تتغير شيئا فشيئا. حينها كان سيف الإسلام، نجل العقيد الذي كان يتم إعداده لتولي الحكم بعد والده، قد أطلق برنامجه من أجل الإنصاف والمصالحة «ليبيا الغد». حينما بلغ إلى علم معمر القذافي طلب ضابطه الكبير في المخابرات، قام بتوظيف الحدث لصالحه: «يتعين إعادة المصحة إلى اندر، كان قراره، وينبغي أن يعلم القاصي والداني بهذا القرار». قام بالتوقيع على قرار في هذا الصدد بخط يده. وعلى سريره بالمستشفى، استقبل محمود اندر زيارة من عنصر المخابرات. «هل تتذكرني؟ سأله الضابط. أنا أولاد الشيخ. لقد قمت بتوفير العلاج لوالدي وأعفيته من أداء ثمن فاتورة التطبيب حينما انتهى إلى علمك أنه غير قادر على أدائها. أنا لم أنس ذلك».
عقدة التفوق
«بيد أنه وحتى بعد توقيع القذافي للقرار بخط يده، لم نستطع القيام بأي شيء، يتحسر سالم اندر، لقد أصبح نظام القذافي أقوى حتى من القذافي نفسه، استحال علينا استرداد المبنى». ورفضت محكمة القائد، التي تتشكل في أغلبيتها من أفراد من قبيلة القذافي بسرت، أن تقوم عائلة غنية سابقة باستعادة مملكاتها. «لقد وقفوا عنوة في وجهنا، البدويون ضد سكان طرابلس»، يقول سالم اندر، بثقة الأشخاص المنتمين للمجتمع الراقي. ومثل بعض سكان العاصمة، لدى هذا الأخير قدر صغير من عقدة التفوق إزاء البدو «غير المتحضرين» الذين حلوا بطرابلس «من أجل الاستيلاء على أي شيء يجدونه أمامهم». من جانبهم، يقول سالم اندر، «يرى البدو أن سكان طرابلس ضعفاء جدا، وبأنهم ليسوا رجالا حقيقيين، وبأنهم أشخاص تعوزهم القيم، وبأن نسلهم من دماء مختلطة…»
حالة الانقسام هاته لم تسقط مع الثورة، بل على النقيض من ذلك تقوت وتزايدت حدة. وتمكنت عائلة اندر من استعادة ملكيتها فقط في اللحظة التي سقطت فيها جميع أركان النظام سنة 2011.
يسود الهدوء التام جميع الأرجاء المحيطة بالمصحة. ولولا وجود الطريق السيار، لكان الولوج إلى شاطئ البحر سيكون مباشرا. يكتفي سالم اندر بمشاهدة مجموعات من سائقي الدراجات النارية يتسابقون فيما بينهم على الطريق السيار. يأتي أحيانا من أجل تدخين السيجار في الطابق الأخير حينما يقوم بزيارة طرابلس، بما أنه يعيش ببريطانيا، ويشتغل كسائق لإيصال طلبات زبائن أحد المطاعم الهندية. ومثل عدد غفير من الليبيين الذين غادروا البلاد خلال فترة الثمانينيات، في عز الفترة التي كان يمارس فيها القذافي أقصى درجات الترهيب، يفكر هذا الأخير في العودة والاستقرار بالبلاد، من أجل الاهتمام باسترداد باقي الممتلكات التي فقدتها العائلة. كان سالم يشير بأصبعه إلى ممتلكات العائلة أثناء تجولنا في الأزقة الضيقة لوسط العاصمة. «هذا المتجر كان في ملكيتنا، لن نستطيع مهما فعلنا استرداده، لقد فات الأوان على ذلك». ابن عمه، ومن أجل التمكن من استعادة الشقق التي كان يمتلكها والده، ذهب إليها حاملا بندقية «كلاشنيكوف» مع عدد آخر من الثوار في غمار الثورة الليبية. حينها قام هذا الأخير بتسديد فوهة بندقيته في اتجاه الأشخاص الذين كانوا يحتلون الشقق: «إما أن ترحلوا الآن أو سيكون مصيركم الموت». قبل هذا الأخير بأن يمكث بعضهم داخل بعض الشقق مقابل أداء الكراء. «بتلك الطريقة كانت تجري الأمور بسرعة كبيرة. لكنني أنا لا أستطيع القيام بنفس الأمر، يضيف سالم اندر مكشرا ملامح وجهه. أحتفظ بسلاح داخل منزلي، لكن أمي تقول لي إن مثل تلك التصرفات لا يمكنها أن تصدر عنا. ثم لقد حدث ذلك أيام الثورة. لم يعد الوضع في الوقت الراهن يتيح القيام بحل المشاكل من خلال حمل السلاح».
الغلبة للأقوى
يسارع المجتمع المدني في الوقت الراهن من أجل زرع جذوره داخل ليبيا؛ بعدما تم إعمال الحق في إنشاء الجمعيات بعد سقوط القائد. كما تم تأسيس جمعية لإلغاء المادة الرابعة شهر نونبر 2011، وهي الجمعية التي تضم بين صفوفهما اليوم 4 آلاف منخرط. يشغل علي رضا فتح الله منصب مدير هذه الجمعية. «لا أحد يريد أن يجازف بإلغاء المادة الرابعة. الكثير من الأشخاص معنيون بهذا القرار، القرار يحمل مخاطر جمة من الناحية السياسية». فعدد من الليبيين ورثوا الشقق التي استولى عليها آباؤهم، في حين اشترى عدد من الأشخاص الممتلكات العقارية التي تم الاستيلاء عليها من أشخاص ليسوا مالكيها الحقيقيين. «أعضاء المجلس يستوعبون هذا الإشكال جيدا، بيد أن لا أحد يتبنى الدفاع عن هذه القضية. وبالتالي استقر القرار على الاستمرار في العمل بنفس القواعد التي أرساها نظام القذافي».
جزء من الثوار السابقين يريدون فرض قانون الغلبة لمن هو أقوى. حاول أحمد التركي في مناسبات عدة استرجاع المزرعة التي تمت مصادرتها من عائلته في العام 1978. ومنذ بدء الثورة الليبية، استولت عليها الميليشيات المسلحة المتحدرة من منطقة الزناتن. تقع هذه المزرعة جنوب طرابلس، بمحاذاة الطريق الذي يؤدي إلى المطار، في منطقة كانت محل إقامة عدد كبير من المسؤولين السابقين في النظام السابق، وتخضع لسيطرة الزنتانيين. حينما ذهب أحمد التركي لرؤيتهم، وجد فوهة بندقية «كلاشنيكوف» في انتظاره. ورغم أن محكمة العدل أصدرت حكما قضائيا ينصفه، فإن ذلك لم يغير أي شيء على أرض الواقع. من جهة أخرى، اقترحت الميليشيات التي تستغل مزرعته أن تبيعها له.
وإذا كانت خطابات القذافي قد نسفت «البورجوازية الامبريالية»، فإن بعض الثوار السابقين، الذين قاتلوا إلى جانب العقيد في بداية الثورة قبل تغييرهم لولائهم بتسعين درجة، يقومون اليوم بالسطو على ممتلكات جديدة تحت ذريعة أنها كانت تعود ملكيتها للمقربين من النظام السابق. وبالتالي مازالت عمليات نزع الملكية عنوة مستمرة وتخضع لنفس القواعد التي وضعها معمر القذافي.
يتلقى سالم اندر بين الفينة والأخرى عروضا لبيع مصحته الطبية. «جل تلك الطلبات تبدر عن ليبيين كانت لديهم علاقات مشبوهة بالنظام السابق. الأموال التي يمتلكها هؤلاء قاموا بسرقتها من الشعب». يفضل هذا الأخير بيع المصحة لأحد المستثمرين الأجانب. بيد أن الوضع السياسي بالبلاد لا يخول تحقيق ذلك. كما يحس بأنه أقل قربا من المنهجية التي يقوم من خلالها الليبيون بحل هذه المعضلة. قسمات وجهه تكشف خيبة الأمل الكبيرة التي يتجرع مرارتها؛ فبعد ثلاثين سنة من الصراع، من أجل استعادة مصحة عائلته، الصراع الذي تكلل بالنجاح في نهاية المطاف يبدو سالم اندر قاب قوسين أو أدنى من التخلي عن اللعبة.
* عن صحيفة «لوموند»

