كعادته استيقظ فجرا.صلى صلاته وجلس يقرأ ما تيسر من القرآن الكريم ثم شرع في تصفح الجرائد لأنه لم يجد الوقت الكافي لقراءة آخر الأخبار في اليوم الفارط ثم هيأ وجبة الإفطار.الساعة السابعة،أيقظ أبناءه وساعدهم في تهييئ أنفسهم .دون أن يزعج زوجته لأن يوما شاقا في انتظارها.أخرج سيارته
ثم أوصل أبناءه إلى مدارسهم وكلياتهم.دقت ساعة البلدية دقاتها الثمانية وهو جالس على مكتبه ينظم ما تشعث من ملفاته.لم يفكر في أن يعرج على المقهى قليلا كما يفعل الكثير من زملائه بل جلس في صبر ينتظر إطلالة أول مواطن .تقاطروا على مكتبه أحاد ومثنى وثلاث ووقفوا في طابور طويل .لم يتجاهلهم أو يخفي وجهه بين الأوراق أو يتظاهر بالنوم والمرض أو ينشغل بالحديث في الجوال.بل كان يوزع ابتساماته عليهم ويخاطبهم بكل لباقة وظرف.فيبدأ في قضاء أغراضهم الإدارية وتعبئة ملفاتهم بكل دقة وعناية ويطلب من الجميع العودة بعد ساعتين لا بعد يوم أو يومين. يدخل على رئيسه المباشر يحييه بكل أدب ويطلب منه التوقيعات.لا يتملقه ولا يطلب منه أغراضا شخصية أورخصا استثنائية.ولايغتاب زملاءه الذين ملأوا المقاهي وأفرغوا المكاتب ولا زميلاته اللواتي تركن حقيبة اليد على المكتب في حين تراها تسرح وتمرح في “الجوطية” أو تعود إلى منزلها لتحضير الغداء وترتيب البيت دون خوف أو وجل من التفتيش المفاجئ فقد تركوا أحدهم ليعلمهم بالهواتف النقالة إذا داهم الإدارة خطر ما. قبيل صلاة الظهر يخرج من مكتبه تجاه أقرب مسجد ليؤدي صلاته ولا يفكر بعدها في قراءة بعض آيات الذكر الحكيم لأنه في وقت العمل والفرض أولا.ثم يعرج على أقرب مطعم فيأكل أكلة خفيفة تكفيه لكل هذا نصف ساعة يعود بعدها إلى عمله في كامل نشاطه دون أن يتلصص على مكاتب الموظفات ليبحث عن لقمة شاردة أو لتشمم ما جادت به “طنجراتهم” فقد تحولت المكاتب إلى مطابخ ولا رقيب.أليس الكل يطبخ بطريقته الخاصة. يجلس على مكتبه يأتيه العون بالجرائد يخفيها في محفظته ليقرأها مساء في منزله.لا ينهب وقت الإدارة في ملء خانات الكلمات المتقاطعة أوالمسهمة بل يجلس في انتظار أفواج المواطنين التي تغض الطرف عن الجميع إلا عليه.وهو يبادلهم حبا بحب.ولكم تتورد وجنتاه خجلا عندما يحين وقت الخروج والطابور لا زال طويلا فيطلب من الجميع الحضور صباح الغد بكثير من الإحراج.قد يحاول بعضهم دس ورقة نقدية في يده ولكنه لا يقبلها بكل لطف ويفهمه أنه خادم أمين لكل المواطنين وأن الدولة تعطيه أجرا على ذلك.وقد يبالغ أحدهم في سبه محاولا جرح كرامته ولكنه أحلم من الأحنف بن قيس وتراه دائما يردد:…سلاما…سلاما…والابتسامة لا تفارق وجهه.ثم يغلق مكتبه لأن الجميع قد انصرف حتى الأعوان منذ مدة طويلة.فتتردد دقات حذائه الجادة في الردهات الفارغة.ويحيي حارس الباب الخارجي بكل احترام معتذرا عن التأخير عندما يلاحظ طيف امتعاض في وجهه. في طريق المنزل يشتري بعض الحلويات لأولاده وبعض الزهور لزوجه ويسير ،بسيارته على مهل محترما كل قوانين السير .فلا يجري بسرعة جنونية ولا يتجاوز السيارات ،ويعطي حق الأسبقية،و”لا يحرك سطوب” ويعطي الفرصة للراجلين لكي يعبروا الطريق بكل أمان دون أن يعير السمع للكلاكسونات المتعالية. يقبل أبناءه وزوجه ويسألهم عن أخبار دروسهم ويأكل ما أعد له دون ملاحظات تذكر بل يمتدح طريقة طبخ زوجه رغم مرور عقدين على زواجهما.ثم يأخذ قسطا من الراحة ثم لايفكر في الذهاب إلى المقهى للعب “الرامي” أو ممارسة هواية “التبركيك” بل يبقى في البيت ليساعد أبناءه في حل واجباتهم أو قراءة الجرائد أو مشاهدة الأخبار.إنه موظف المدينة الفاضلة.
المصدر: أم بثينة نشر في الشرق المغربية

