لا توجد هناك أزمة سياسية، لأن الأطراف جميعا بما في ذلك جزأ كبير من المعارضة نفسها أو ما يسمى بالمعارضة ليس لديها خلاف حول القضايا المركزية والرئيسة المطروحة على المغرب، سواء المطروحة عليه كتحد خارجي، مثل قضية الصحراء، وهي مسألة رئيسية تمثل 60 بالمائة من هذه القضايا، أو من القضايا الداخلية ذات الطبيعية الإقتصادية والاجتماعية، وأهمها مشكل الصناديق.
وبقية الملفات المتصلة بالإصلاحات سواء في العدالة الضريبة..أيضا يكاد ينعقد حولها الإجماع، إذن فالخلافات في القضايا السياسية محدودة، وترتبط أكثر بالتدبير أكثر منه بالاختيارات فما بالك داخل الأغلبية وداخل الحكومة، فإذن الأمر يتصل بأزمة حكومية ترتبط بتناسق في توزيع المقاعد بين الأحزاب المشكلة للحكومة من جهة، ونوعية الوزارات، وأيضا بانعكاس تناقضات مكون من مكونات الحكومة (حزب الإستقلال) انعكاس تناقضاته الداخلية الناتجة بالخصوص عن تعقيدات وملابسات شروط انبثاق القيادة الحزبية الجديدة ، وما تخللها من مساوامات وتحالفات اقتضت، -وهذا أمر مؤسس- أن ترتبط مصير الحكومة بمصير تلك التحالفات والتعاقدات. وبما أن الأمور جرت بطريقة غير مبدئية وغير وطنية، فهاهي ذي تنعكس خارجة من الحزب إلى الحقل العام وأهمه الحكومة. ما هو مصير كل هذا ؟ أظن أنه سيكون مصير كل التفكير والتدبير السياسيين غير قويين وغير سديدين، بقي لي فقط أن أسجل ملاحظة بأن هذا السلوك قد يكون له علاقة بتناقضات شهدها التدبير السياسي في المغرب منذ انطلاق التجربة الراهنة، ذلك لأنه إذا كان التوافق عاما وشاملا حول ضرورة إنقاذ بعض المؤسسات حول قضية الإصلاح إلى غير ذلك، فإن حدود ودرجة ونوعية تلك الإصلاحات هي موضوع خلاف. ولأن أطرافت معينة ستتضرر من تلك الإصلاحات بدرجة أو بأخرى لابد أنها ستتدخل لعرقلة الإصلاحات والتشويش عليها، ولا أستبعد أيضا أن هؤلاء هم أنفسهم الذين ساهموا في تدبير شروط ونتائج المؤتمر الأخير لحزب الاستقلال، والذي أتى بقيادة اختلف تعبيرها التنظيمي والسياسي رأسا على عقب مقارنة مع تقاليد حزب الاستقلال وأسلوب تجاربه السابقة. في هذه الحالة هناك تقاطع بين السلوك التنظيمي والسياسي لحزب الإستقلال وإرادات داخله، ولكن أيضا وعلى الخصوص خارجه تمارس درجة عليا من التشويش والعرقلة والبلبلة على التجربة الراهنة لحكومة العدالة والتنمية. أين ستتجه الأمور؟ أنا اعتقد أنها لن تتجه في اتجاه أسوء من الوضع الحالي. فهدف المعنيين هو ما يحدث وليس أكثر، لأنهم لا يستطيعون الدفع بالأمور إلى أقصاها أي إلى انتخابات سابقة لأوانها، لأن هذا في غير مصلحتهم، ولأنهم سيتضررون منه أكثر من الوضع الحالي. احتمال أن يتوجهوا بالحزب لمنطق الأحداث، وليس منطق الإرادة، وأن يتوجه الأمر نحو انسحابهم أيضا لن يؤثر تأثيرا كبيرا، لأنه سيمسح الحزب، وهذا يعني أن تسحب تناقضاته على الحكومة، ولكن أن تستمر الحكومة كما هي، وبالتالي يقع فك الارتباط بين أزمة الحزب وأزمة الحكومة، ويمكن أن تكون حتى سيناريوهات أخرى لكنها لا تؤدي إلى أزمة سياسية.
المصدر: التجديد نشر في التجديد

