من حيث المبدأ، لا يمكن إلا أن نثمن أي خطوة تسير في اتجاه توحيد بعض مكونات الطيف السياسي وإعادة تأسيس المشهد السياسي على أساس أقطاب سياسية بمرجعيات فكرية متقاربة لأن الأمر في البدء والمحصلة سيقوي العمل السياسي ولو بالحد الأدنى المتمثل في التقليص من تناسل الأحزاب وحدة البلقنة السياسية.
وفي هذا السياق، يمكن أن نعتبر أن ما أقدم عليه الاتحاد الاشتراكي مؤخرا من إدماج جزء من العائلة الاتحادية في نسيجه، خطوة إيجابية إن كان القصد منها هو تجميع مختلف مكونات هذه العائلة والمرور بعدها إلى توحيد القطب اليساري، حتى يتمايز الطيف السياسي في المغرب، وتبرز ألوانه ومواقف مكوناته، ويصير بإمكان الرأي العام أن يتوقع الاختيارات التي سيقدم عليها هذا الحزب أو ذاك، وأن يصير قادرا على تصور التحالفات الممكنة من المستحيلة، وذلك في ضوء القناعات الإيديولوجية التي يبني عليها كل قطب سياسي برامجه واختياراته السياسية. لكن، مع التثمين المبدئي لهذه الخطوة، تبقى هناك أسئلة مطروحة عيلها، يتعلق أولاها بالوتيرة السريعة لإعلان الاندماج، كما ولو أن الخلافات القائمة بين كل من الحزب الاشتراكي والحزب العمالي وبين الاتحاد الاشتراكي لم تكن ذات خلفية إيديولوجية وسياسية، وإنما كانت فقط خلافات نفسية تم التغلب عليها ب»إرادة وحكمة» القيادة الجديدة للاتحاد الاشتراكي ! ويتعلق ثانيها بجدوى تجميع العائلة الاتحادية قبل البدء بتوحيد الأسرة الاتحادية وحل خلافاتها المستعصية والتي زاد من تأجيجها المؤتمر الأخير للاتحاد وأسلوب القيادة الجديدة في تدبير الخلافات بين التيارات. قد يكون للقيادة الجديدة للاتحاد مسلك في السياسة يحاول إدماج جزء من الخارج للاستعانة به ضد جزء من الداخل، فهذا المسلك ليس جديدا، فقد جربته القيادات السابقة التي استعانت بالحزب الاشتراكي الديمقراطي لتقوية مواقعها ضد تيارات معارضة، لكن المشكلة لا تكمن في اتباع هذا المسلك أو ذاك، ما دام الأمر يتم داخل العائلة الاتحادية، إنما المشكلة تكمن في التوجه الاستراتيجي الذي يندرج ضمنه هذا التوحيد الذي أكدت كل التجارب السابقة استحالة تحقيقه من غير توفير شروط متينة ترتبط بتعميق النقاش الفكري والسياسي، والبحث عن قواسم مشتركة في التقييم والتقدير السياسي للمرحلة، وطبيعة الجواب الذي يمكن تقديمه في مواجهة تحدياتها، هذا فضلا عن النقاش حول الآليات التنظيمية لتصريف الخلاف وإدماج النخب في القيادة والهياكل التنظيمية، وما يتطلب ذلك من مسافة زمنية طويلة، لا تقبل الوتيرة السريعة التي تم فيها الإعلان عن الاندماج. السؤال إذن هو في التوجه الاستراتيجي الذي تندرج فيه هذه الخطوة، لاسيما وأن هناك جملة معطيات تبرر هذا التساؤل منها أن المغرب قد عرف قبيل الانتخابات التشريعية تشكيل مجموعة الثمانية التي انخرط فيها الحزبان المذكوران من غير اشتراط لأي مرجعية فكرية ولا حتى سياسية مع أحزاب تعد على يمينها، ومنها أيضا الحراك الحزبي الذي يعرفه المشهد السياسي اليوم، والضغوط التي تمارس على الحكومة وبشكل خاص على قيادتها، ومنها التوجهات المعلنة لقيادة الاتحاد الاشتراكي حتى قبل أن يتم «انتخابها» بكونها ستمارس المعارضة الصدامية ضد الحكومة وقيادتها، فهذه المعطيات ترخي بظلالها على هذه المبادرة، وتجعل حكاية توحيد العائلة الاتحادية والقطب اليساري صعبة التصديق خارج هذا السياق. والواقع، وحتى ولو افترضنا اندراج هذه الخطوة ضمن هذا التوجه الاستراتيجي، فإنها لا تعدو أن تكون خطوة رمزية لأن الوزن السياسي وحتى الانتخابي لن يتغير كثيرا بالنسبة للاتحاد بإضافة هذين الحزبين، هذا إن لم نقل إنه من المحتمل جدا أن يتراجع إن لم تنجح القيادة الجديدة للاتحاد في تعبئة الداخل الحزبي والارتفاع بسلوكها وأدائها السياسي إلى مستوى تمثيل جميع مكونات الحزب والابتعاد بالحزب عن خدمة أجندات معروفة تورط فيها بعد انتخابات 2009، بسبب سلوك نفس القيادة الحالية للحزب، إذ تسببت في تراجع سياسي غير مسبوق في انتخابات 25 نونبر، دفع أغلب مكوناته إلى التفكير في الخروج إلى المعارضة لإعادة بناء رصيد هذا الحزب بعد أن استنفذه في المشاركات الحكومية. بكلمة، إنه بقدر حاجة المشهد السياسي إلى تجميع مكونات الطيف السياسي في أقطاب فكرية وسياسية واضحة، بقدر حاجة الأحزاب أيضا إلى أن يتم تحصينها من التحكم والمحافظة على استقلالية قرارها السياسي، والابتعاد عن خدمة أجندات التحشيد السياسوي بقصد إضعاف هذه الحكومة أو إجهاض تلك التجربة.
المصدر: بلال التليدي نشر في التجديد

