إعدام الطيار الأردني حرقا من طرف عناصر “داعش” لم يكشف فقط المستوى الخطير من اللا آدمية الذي قد تبلغه عمليات الابتزاز التي يمارسها التنظيم الإرهابي، بل كشف أيضا عن أمرين خطيرين لهما علاقة بجهود محاربة الإرهاب فكرا وممارسة. و يتعلق الأمر الأول بالتعامل مع التراث الفقهي، ويتعلق الأمر الثاني بالاستراتيجية الاعلامية ل”داعش”. وهذان الأمران حيويان من حيث علاقتهما المباشرة بتغذية القدرات التجنيدية ل”داعش”.
فإضافة إلى وقائع الجريمة التي يقدمها فيديو إعدام الطيار الأردني، نجد أن إخراج الفيديو الفني وسيناريو قصته التراجيدية تكشفان معطيات خطيرة للغاية لها علاقة باستراتيجية الارهاب الاعلامية وبكيفية تعامله مع التراث الفقهي. فالشريط يحمل نصا مكتوبا يتضمن رسالة نصية لها هدفان حسب مضمونها. الهدف الأول، محاولة و ضع جريمة إعدام الطيار بالنار في سياق شرعي، مستندا على كلام نسبه إلى شيخ الاسلام ابن تيمية مستغلا بذلك ما له من رمزية علمية وفقهية، خاصة في الفكر السلفي والوهابي منه بالخصوص. غير أن الجهلة وقعوا في أخطاء فادحة لا تنطلي على من له حدا أدنى من الثقافة الشرعية، فالنص الذي تسلحوا به يتحدث عن “التمثيل”. والتمثيل، كما هو معلوم مما في التراث، يكون بجثت الأموات لا بالأحياء، ثم إنهم قفزوا على الجريمة الأساسية وهي القتل بالنار بعد التعذيب بها، فسواء تعلق الأمر بالتعذيب أو ألإحراق بالنار أو حتى التمثيل بها، فالمصادر الفقهية تشير إلى إجماع حول حرمة ذلك. أما الهدف الثاني من نص الرسالة، والذي يتكامل مع سيناريو الفيديو وإخراجه، فيتجاوز مجرد البحث عن إضفاء الشرعية على الجريمة، إلى اعتبارها واجبا شرعيا يدخل، حسب نص الرسالة، في “إقامة الحدود و الجهاد المشروع”. ورأي ابن تيمية،المستعان به في محاولة تبييض جرائم الاعدام التي يمارسها الارهابيون، “يجيز” التمثيل، إذا كان سيحقق أمران هما “دعاء” أهل الموتى الممثل بجتثهم إلى الإيمان أو “زجرهم عن العدوان”. ويريد الارهابيون من توظيف مثل هذه النصوص الشاذة أن يؤكدوا أنهم بفعلتهم تلك يسعون إلى “زجر العدوان”. ورغم تهافت الاستدلال الشرعي الباطل الأساس، إلا أن الواقعة تبين كيف يستثمر الارهاب والتطرف التراث الفقهي الذي يحول فقه عصور مضت إلى قنابل موقوتة يفجرها، إما على شكل إعلان “سلطة سياسية” تحتكر الشرعية الدينية، أو تحريف مفاهيم فقهية لتتناسب و أساليب الارهاب في الحرب، وإضفاء الشرعية عليها. وبالعودة إلى فيديوهات الإعدام، فقد نجح الارهابيون من حيث نوعية الجريمة ومستوى إخراجها في التعبير عن مبرر “زجر العدوان” المشار إليه. فهم يعمدون إلى تصوير جريمتهم بعد إخراج يضمنوا به أن يكون صادما وقويا يحول الجريمة إلى فيلم رعب قصير. والفيديو الأخير يقدم النموذج الذي يلخص تلك الاستراتيجية الجهنمية بشكل أقوى من عمليات الاعدام بالسيف. و الأمر المهم هنا ليس مناقشة منطق الارهاب في تبييض جرائمه، ولكن للوقوف على معالم الاستراتيجية الاعلامية الخطيرة التي يكشف عنها ذلك المنطق. فالارهابيون يستعملون الرهائن لأغراض حيوية تتحقق جميعها عبر الاعلام. أولا، هدف الحصول على الفديات، وهذا يبدو أن حزم المجتمع الدولي الرافض قد أبطله. ثانيا، هدف ممارسة الضغط على الدول التي ينحدر منها الرهائن، لإكراهها على تغيير سياساتها تجاه “داعش”، والتراجع عن دعم الجهود الدولية القائمة ضدها، وهذا الهدف من الواضح أنه يتحقق مع الأسف بشكل فعال. الهدف الثالث، الظهور للأتباع والمتعاطفين والناقمين على السياسات الغربية ودوي الميولات الارهابية الذين يعتبرون جميعا الخزان الاستراتيجي للجماعات الإرهابية، في صورة المظلوم الذي تنبغي نصرته ضد “أعداء الدين”، وهذا الهدف يتحقق أيضا بشكل فعال من خلال وسائل الاعلام مع الأسف الشديد. و الهدف الرابع هو إرهاب المشاركين مباشرة في الحرب من طيارين و عسكريين وفنيين، وهنا يدخل الصحافيون أيضا ضمن الأعداء في منطق الارهابيين بالنظر إلى “الحملات” الاعلامية ضدهم. و الذي نستنتجه من هذه الصورة المركزة أن الارهاب يتمكن، عبر زرع “طفيلي” فيديوهات الرهائن، من توظيف وسائل الاعلام لتحقيق أهدافه الاستراتيجية، و بالخصوص هدفين: الأول، توسيع دائرة المتعاطفين معه، و تجنيد مزيد من الأتباع للهجرة أو لتنفيذ العمليات حيث كانوا. الثاني، ممارسة الضغط النفسي والإعلامي والسياسي على الدول و قواها العسكرية. إن الحرب على “داعش” وإن كانت رحاها المباشرة تدور على الأرض، إلا أن الاعلام يشكل ساحتها الاستراتيجية الإضافية، و التوظيف السيئ للتراث الفقهي سلاحها الايديولوجي. والمفارق أن الغرب الذي يرفع شعار حرب “داعش” هو من يفتح إعلامه للترويج لفيديوهاتها التي تحقق من خلالها أهدافها الاستراتيجية الخطيرة. الذي تؤكده استراتيجية فيديوهات الاعدام هو أن أحد مداخل الحرب على “داعش” هو تجفيف منابع حملاتها الاعلامية المرعبة، وحماية الشباب من التأويل الفاسد للدين وتراثه الفقهي. ودور التنشئة الدينية السليمة محوري في تحصين الشباب من المنهج “الداعشي” في التعامل مع الدين، فهل تلتئم جهود المؤسسات الرسمية و جهود المجتمع المدني لتحقيق هذه الغاية؟ كما أن دور الاعلام في هذا الأمر واضح أيضا، وهو الكف عن ترويج فيديوهات الإعدام والاكتفاء في تغطية أخبارها بالحد الذي يضر بالإرهاب و لا يدعمه. المؤكد أن تلك الفيديوهات تكون لها عادة نسبة مشاهدة عالية، فهل تتخلص لوبيات الاعلام عن بعض جشعها و تكف عن تغذية الارهاب الاعلامي؟ وباختصار شديد، هناك سياسة حيوية لمحاصرة التطرف والإرهاب في مختلف تجلياته، تجفيف مداخله إلى الإعلام، و توحيد جهود المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني بشكل يحافظ على مصداقيته في أوساط الشباب لتسهيل نشر ثقافة الوسطية والاعتدال و تحصينه من مناهج التطرف والإرهاب في التعامل مع الدين وتراثه الفقهي.
المصدر: حسن بويخف نشر في الرأي المغربية

