تحملت أفريقيا آثار كافة أنواع »التلوث«، البيئي والصحي، والسياسي، دون أن يكون لها دخل في العير ولا في النفير، وهي كذلك منذ ابتليت بالاستعمار الغربي القديم والجديد، حيث دمر الاستعمار تكوينها الاجتماعي بعملية تجارة الرقيق الأطلسية، وتلوثت أنظمتها الاجتماعية الخاصة بأنواع من الصراع الطبقي والعرقي لم تعرفها من قبل، ثم كانت الأمراض الوبائية دائماً من نصيبها، سواء كانت الكوليرا أو السل، أو الإيدز، ثم أخيراً الإيبولا.
واللافت دائماً أن كل أشكال التلوث هذه تعود على الدوائر الاستعمارية ثم الرأسمالية العالمية بالخير الوفير، بدءاً من المواد الخام، مروراً بالأيدي العاملة، ثم التجارة الدوائية، وأشكال ما أسموه بالرعاية الصحية على حساب شعوب القارة.
وفي عصر الصناعة الرأسمالية الواسعة، التي حرمت منها أفريقيا نفسها، نشأت مشكلة ارتفاع درجة الحرارة بنسب متعاظمة ولأسباب كثيرة منها تطور الصناعة في العالم، وكان تلوث البيئة على مستوى عالمي -الذي لا تسهم فيه القارة بأكثر من 3 في المئة- أشد تأثيراً على القارة، على رغم ضآلة ما يقوم في أرضها من الصناعات، مع أنها تمد العالم كله بالمواد الخام الاستراتيجية من الحديد الخام والنحاس، إلى الكوبالت واليورانيوم والألماس.. وهي كمواد طبيعية غير ملوثة طبعاً، ولكنها تتحول إلى تغذية التلوث في الصناعة المزدهرة في العالم المتقدم صناعياً، بقدر ما تتحمل القارة أيضاً نتائج سرعة التغير في المناخ.
والغريب أن القارة الغنية أصلًا بالأراضي الزراعية والأنهار والغابات أصبحت هي أكبر مواقع التصحر، وقد انهارت مقولة الأمن الغذائي. بل وباتت تشهد جفاف بحيراتها وأنهارها على نحو ما يحدث من كارثة في بحيرة
تشاد
، التي وضعت على جدول مؤتمر المناخ العالمي. ويهدد الجفاف أيضاً المناطق الحضرية بالفيضانات مثلما يحدث في السودان وإثيوبيا.
إن العالم الحديث كله يعرف مساوئ نظامه المتسارع النمو في الصناعات والتقنيات المختلفة، وآثار ذلك على صحة البشر، وحياتهم الاجتماعية. وقد باتت مؤتمرات معالجة الإفقار الشديد مرتبطة بمؤتمرات معالجة التلوث والتغير المناخي، وآثار الانبعاث الحراري الناتج عن عدم معالجة نظم الصناعة، والغازات القاتلة المرتبطة بذلك، الصادرة من الدول الصناعية الكبرى، إلى الحد الذي جعل أكبر مصادر التلوث، تأتي من أقدم دول التصنيع مثل
الولايات
المتحدة
، كما تأتي من أحدثها في
الصين
الشعبية! وعندما جاء دور المعالجة لهذه الحالة الكارثية، أخذت الاجتماعات منذ أوائل السبعينيات حتى كانت اتفاقية »كيوتو« التأسيسية 1995 لإقرار معالجة على مستوى عالمي، ولكن لم توقعها
الولايات
المتحدة
، ولا
الصين
تحديداً!
ومن ثم بات على أفريقيا الصراخ طلباً للمساعدات لمعالجة آثار هذا الانبعاث الحراري، وتداعياته على الزراعة والغذاء. وخُصص في بعض مؤتمرات العقد الأخير حوالى 20 مليار دولار لهذا الغرض لم تدفع منها الدول الأوروبية أكثر من خمسة مليارات.
وفي أفريقيا تمتد الشكوى في مناطق الغابات شرقي ووسط القارة، إلى معاناة دول الشواطئ الطويلة والجزر من آثار حركة الملاحة الهائلة وما يرتبط بذلك من تلوث في هذه الجزر أو الشواطئ، كما أن استغلال الثروة الخشبية من الغابات دون عائد مناسب.. ولذلك ترتبط مشاكل التلوث والانبعاث الحراري، وأساليب استخدام المواد الخام الأفريقية أصلًا بمشاكل التنمية ومعالجة قضية الإفقار والحرمان من التنمية المستدامة.
ولا تجدي هنا التقارير والوعود البراقة بالمساعدات من كل جهة، ويعرف كثيرون أن الديون، وتهريب رؤوس الأموال إلى أوروبا، عبر أشكال الفساد، كفيلة وحدها بعدم جدوى الوعود البراقة. وتسعى 46 دولة نامية لوضع شروط أفضل للمساعدات دون جدوى.
ولذلك فإن انعقاد قمة في
باريس
بحضور 150 رئيساً، وحوالى مائتي وفد دولي، منذ أول ديسمبر الجاري، لا يعدو أن يكون تحية لحكومة الرئيس أولاند، بعد أحداث
باريس
، أكثر من المتوقع منه في مواجهة مشاكل التغير المناخي والانبعاث الحراري الناتج عن تطور مشوه للصناعات في الدول الرأسمالية.
لكن ثمة أيضاً محاولة دفع للأمور باقتراحات من قبل الدول الأفريقية، التي عقدت قمة غير رسمية في
باريس
، لتضع مطلباً عاجلاً باستكمال مبلغ العشرين مليار دولار المخصصة سنوياً لمعالجة قضايا التنمية الناتجة عن تغير المناخ والتلوث. كما تتمسك هذه الدول بخطة أخرى لمبادرة تحتاج 100 مليار دولار للغرض نفسه في السنوات القليلة المقبلة.
والحقيقة التي أصبحت أكثر وضوحاً الآن هي أن تغير المناخ وانبعاث الغازات الحرارية، أصبحا عنصر توحيد للقارات، والكاشف لآلية العولمة المتوحشة، ولم تعد المشاكل الحادة مسألة أفريقية أو مشكلة
جنوب
–
جنوب
، لأنها باتت مشاكل دول غنية بالصناعات الثقيلة شمالًا
وجنوباً
(
الهند
–
الصين
–
البرازيل
) مع أوروبا ودول تعاني آثار التفاوت الاقتصادي العالمي.
مدير مركز البحوث العربية والأفريقية- القاهرة
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

