لشهر رمضان المبارك سماته الخاصة من بين سائر الشهور، كيف لا وهو شهر لتجديد التوبة، شهر الخير والبركات، فيه تغفر الذنوب، وتفتح أبواب الجنة، وتكثر العبادات، حيث تعرف المساجد إقبالا كبيرا مقارنة مع الأيام العادية الأخرى، تتعالى بها حلقات تلاوة القرآن وتكثر دروس العلم.
وعلى الرغم مما لهذا الشهر من فضائل، تصاحبه بعض المظاهر السلبية، ومن ذلك بعض العادات السيئة التي تمارس يوم السابع و العشرين (التي يعتقد أنها ليلة القدر) التي أنزل فيها القرآن الكريم، حيث تستغل العديد من النساء هذه المناسبة لممارسة أعمال الشعوذة والسحر، اعتقادا منهن أن لها مفعول قوي وفعال خلال هذا اليوم بالذات. وبالرغم من وجود هاته الحالات الشاذة، يبقى الاحتفال بليلة السابع والعشرين طعم خاص، طقوس وشعائر طوال الليل، تكثر الصلاة والدعاء..وانتظارات لأي لحظة قد تفتح فيها أبواب السماء لتقبل أدعية وتضرعات المسلمين. فما هي دوافع اللجوء إلى هذه الطقوس؟ وكيف نجعل من هذا اليوم الفضيل، ليلة بدون الوقوع في المحظورات؟ بين الأجر والمخالفات فضل الله سبحانه وتعالى ليلة القدر عن سائر الليالي، وجعلها خيرا من ألف شهر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه”، ففي هذه الليلة تنزل الملائكة ومعهم جبريل عليه السلام على عباد الله المؤمنين يشاركونهم عبادتهم وقيامهم ويدعون لهم بالمغفرة والرحمة، ليلة يستقبلها المسلمون بكل حففاوة من أجل التقرب إلى الله تعالى، فيما تقبل بعض النساء خلالها على محلات العطارة، وبيوت المشعوذين والسحرة لأجل أعمال مخالفة للشرع. وفي هذا الإطار، أكد ذ.ابراهيم الحمداوي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عبد المالك السعدي أن جميع المسلمين يدركون بأن ليلة القدر خير من ألف شهر، حيث يكثر فيها التبعد لله عز وجل، ويحاول المسلم أن يقترب من الله عز وجل روحيا واجتماعيا وماديا من خلال الصدقات والتعبد وزيارة الأقارب..لكن بعض النساء ذات النفوس الضعيفة تعتقدن بأنه في هذه الليلة يطلق سراح الشياطين المصفدة، فيلجأن إلى قضاء حوائجهن عن طريق السحر والشعوذة في تناقض صارخ مع روح هذه الليلة التيتكثر فيها الطاعة وأعمال الخير والبر، ولا ولا يخلص الشيطان فيها إلى ما كان يخلص في غيرها فهي سلام كلها. وأوضح الحمداوي ل”التجديد” أن ما يحدث في ليلة القدر استمرار للذهنية التقليدية واستمرار للموروث الشعبي، وهو ما يجعل هذه الشريحة بعيدة عن الدين بكل المواصفات، الشيئ الذي يفرض ضرورة التدخل لإعادة النظر في هذا الموروث الشعبي، وهنا يبدأ دور الإعلام و المرشدين الدينيين، والوزارة المعنية.. للحد من مثل هذه التصرفات المشينة. ويرى ذ.صالح النشاط، واعظ وخطيب جمعة بالرباط أن “الأصل في ليلة القدر هو أنها ليلة عبادة خالصة لوجه الله تعالى، وتقربا منه سبحانه وتعالى، وبالتالي فالعمل الذي يأتيه المسلم في هذه الليلة هو إحياء تلك الليلة في العبادة والطاعة، ولاشيء غير ذلك، إلا أنه مع الأسف أحدث بعض الناس مجموعة من الأعمال، يعتقدون فيها أنها تقربهم الى الله تعالى، وتجعل ليلتهم ليلة مباركة، وهي في الواقع تكلف وعبء لا معنى له، وحينما نستحضر سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم يتبين أنه صلى الله عليه وسلم كان يحيي ليالي العشر الأواخر من الليل، بما في ذلك ليلة القدر، حيث كان يوقظ أهله ويشد مئزره، وعليه يمكن أن نتبين أمرين إثنين، وهما: الأعمال التي تدخل في حكم المحظور، والأعمال التي تدخل في حكم الأعراف والتقاليد”. وأوضح النشاط أن “الأعمال المحظورة هي كل شيء تمت إضافته إلى إحياء ليلة القدر من أعمال السحر والشعوذة، واستعمال التمائم والمبالغة في البخور والمعطرات المتجاوزة لحدود المعقول منها، واللجوء إلى خدمات العرافين لمعرفة ما يخبئه القدر، والتوجه إلى النجوم والأفلاك في السماء قصد الاستغاثة بها، والاعتقاد الفاسد في كون أن لِليلة القدر رجالها الذين تقضى على أياديهم حوائج الناس… كل هذه الأعمال، وتلك التي على قياسها، تدخل في دائرة الحرمة والحظر، أما الأعمال الأخرى التي يقوم بها بعض الأفراد، ولا تفسد ليلة القدر، وإنما تنال من مقصدها العام، وتخل بقدر ليلة القدر وصرفها عن وجهتها الأصلية، يمكن ذكر بعضها: 1 المبالغة في تقديس ليلة القدر، وتخصيصها بجهد عباداتي استثنائي يضيع معه الإخلاص، فالأصل هو أن ليلة القدر ليلة يتوج بها المسلم مساره التعبدي إلى الله عز وجل، وابتلاءه في الصيام والقيام… 2 اعتقاد البعض بأن هذه الليلة هي ليلة استثنائية، كل من في الأرض يسجد لله تعالى، من قبيل أن الأشجار تسجد، وأن البحار تتوقف أمواجها عن الحركة، وأن الكلاب تسكت عن نباحها، وأن الحيات والعقارب وهوام الأرض تختفي… كل هذه الاعتقادات ليس عليها دليل نقلي، وبالتالي لا يجوز رواجها بين الناس. 3 انتشار ظاهرة استعمال مواد البخور وغيرها من الأشياء، حيث يعتقد بعض الناس أنهم باستعمالهم لهذه البخور والمعطرات يقدرون ليلة القدر، ويرحبون بالزوار، وخصوصا أولئك الملائكة الذين يتنزلون، في المقابل أن البعض ينحرف في استعمالها لأغراض أخرى غير حسنة تقترب إلى دائرة الشعوذة والخرافات. 4 زيارة القبور وتعهد الأموات في ليلة القدر أو في صباح اليوم الموالي، حيث يعتقد بعض الأفراد أن تخصيص الزيارة بهذه المناسبة لها من الوجاهة والتقدير، حيث يعمدون إلى تنظيم قوافل عائلية لزيارة قبور موتاهم، ويستأجرون من يقرأ القرآن عليهم”. اللباس التقليدي يستعيد مكانته لليوم السابع والعشرين من الشهر الفضيل نكهة خاصة لدى الباعة والمصورين أيضا، فمن العادات المصاحبة لليلة السابع و العشرين، ارتداء النساء والرجال وكذا الأطفال الملابس التقليدية، مما يشكل الفرصة مواتية لأصحاب محلات الملابس التقليدية لتصريف وبيع كم هائل من هاته الملابس، كما تنتعش محلات الخياطة التقليدية بشكل ملفت، فيما تتزين بعض محلات التصوير الفتوغرافي بالأضواء الملونة، الذين يتعاقدون مع “نكافات” تعملن على تزيين الفتيات، وتضعن “التاج” فوق رؤوسهن كالعرائس من أجل أخذ صورة تذكارية تليق بالمناسبة، فيما يرتدي الأطفال “الجلباب” أو “السلهام” ويمتطون الخيول..، كما يتم الاحتفال خلال هذه الليلة بأول يوم صيام لأبناء الأسرة الصغيرة. من جهة أخرى اعتادت الأسر على تصويم الأطفال لأول مرة خلال ليلة السابع و العشرين من شهر رمضان، تشجيعا لهم على الصيام رمضان، ليتم الاحتفال بهم كل مدينة على طريقتها وعاداتها.
المصدر: سناء كريم نشر في التجديد

