عبدالسلام خشيبة ومعمر القذافي الجزاء من جنس العمل لقد طالعتنا مواقع الانترنت والقنوات الفضائية في المدة الماضية عبر شريط فيديو المعاملة القاسية والوحشية التى عُومل بها عبد السلام خشيبة وكيف تكأكاؤ عليه رجال نظام القذافي وهو يجري امامهم الى داخل مسكن للاحتماء من بطشهم، وإذ بهم يخرجونه وهو في لحظات الموت الأخيرة ثم يرقصون ويتصايحون على جثته وهي معلقة بشجرة ، ان ما راءيناه يتوافق مع ما قرائنا عنه في كتب التاريخ عن معاملة المذنبين في الحضارة اليونانية والرومانية، وتعامل رجال الكنيسة في القرون الوسطي مع رجال العلم والفكر والفلاسفة بالقتل والتشريد ، وتعذيب الاقطاعيين للسخرة والعمال واقنان الارض بالشنق والصلب، وهي معاملة تقشعر منها الأبدان وتحرمها الاديان والأعراف والمواثيق الدولية. كانت المشاهد مؤلمة ومؤثرة وحركت في نفسي مزيج من الشعور بالتأسي على اربعة عقود غابت فيها العدالة والقانون وترسخ فيها الظلم والاستبداد ، وشعور بالفرح على ان من صادر هذه العدالة قد نال جزائه العادلُ من عادلٍ لا يخفى عنه مثفال ذرة في السموات والأرض ، فالطبيعة لها قوانين ونواميس لا يمكن للبشر ان تتدخل في حركتها ، وتقلبها ، وتغيرها ، وتحولها ، وتبدلها ، وانتقالها من حال الى حال، قال تعالى : ((سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا )) [1] لقد كان القذافي يملك السلطة ، والجاه ، والسلطان ، والمال ، وكان كما يقال الفاتق الناطق في البلاد والعباد ، وكان قادرٌ على ان يرسخ العدالة ، وان يثبت اركان دولة القانون والمؤسسات ، وان يقيم حدود الله كما امر بها في كتابه ، وان يقدم عبدالسلام خشيبة لمحاكمة عادلة وان يوكل له محامي يدافع عنه ، مهما كان الجرم ومهما كانت الجريمة ، ولكن طغيان السلطة والجاه والاستبداد اعمى له البصيرة، وغيب عنه بصر ونظر الفكر والعقل ، قال تعالى : ((إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ )) . [2] ذكرتني هذه الحادثة بما ذكره الدكتور فرج نجم حول حادثة مقتل ابراهيم الشلحي الذي كان ناظرا للخاصة الملكية ومن اقرب المقربين من الملك ادريس السنوسي يوم 5 أكتوبر 1954م حيث اطلق عليه النار امام مبنى رئاسة الوزراء في بنغازي من قبل احد افراد العائلة المالكة وهو الشريف محي الدين أحمد الشريف السنوسي ، فأخذت العدالة مجراها وأحيل القاتل إلى محكمة الجنايات بنغازي في 29 نوفمبر 1954م وصدر عليه الحكم بالإعدام في 11 ديسمبر واُستأنف الحكم أمام المحكمة العليا ولكن ثُبِتَ حكم محكمة جنايات بنغازي لينفذ فيه حكم الإعدام شنقاً في السجن المركزي بتاريخ 6 فبراير 1955م ، وكان من جملة من طُلبت شهادتهم رئيس الوزراء السابق مصطفى بن حليم. تعكس هذه الحادثة أن مؤسسات الحكم في ليبيا في عهد المملكة ورغم أنها كانت في بداية خطواتها الأولى إلا انها تحرت تطبيق مبدأ العدالة ودولة القانون مع اقرب المقربين لدوائر السلطة وعالجت المسألة في إطار من الالتزام باحترام الشريعة الاسلامية والدستور والقانون ، ذلك لأن الغاية المرجوة لكل المؤسسات القائمة في البلاد تكمن في إرساء دولة العدل والمساواة . [3] . وهذا ما لم يفعله القذافي في جماهيريته طيلة فترة حكمه ، فغيب القانون ، وصادر العدالة ، وقتل وشنق بدون محاكم ، وأقام محاكم صورية لم يتمتع فيها المتهمين بالحد الادنى من الحقوق، ولهذا اراد الله ان تكون نهايته مخزية وعبرة لغيره من الطغاة ، فقبض عليه ثوار مصراته الأشاوس، ففاجئهم موقف وقوع الطاغية بين أيديهم فنراهم في اللحظات الاولى لعلمية القبض يتنادون وتعلوا اصواتهم ب ( الله اكبر.. الله اكبر) ، فالمشاهد وردود الافعال اتجاه الحدث كانت عفوية بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى وغير ممنهجة ، وغير مخطط لها ، بعكس ما كان يفعل القذافي وزبانيته من الحشد والتحشيد والتصفيق والصياح والتخطيط والتدبير عند ارتكاب جرائم القتل. عندما قارنت بين الحادثين : ومقولة القذافي والدماء تسيل على وجهه:(( حرام عليكم حرام عليكم )) ، قلت في نفسي من المؤكد ان عبدالسلام خشيبة قد قالها قبله …. فالله يمهل ولا يهمل والجزاء من جنس العمل. كولا لمبور – ماليزي
المصدر: عارف التير نشر في الوجدية

