شكلت الملكية كنظام سياسي في المغرب إحدى عناصر الوحدة القوية التي جعلت بلادنا تنجوا من إغراءات الأنظمة الشمولية , حيث شكل إستمرار النظام الملكي في المغرب إستثناءا في شمال إفريقيا في وقت كانت الملكيات تنهار بالتتابع ,
وبدا للجميع وقتها أن النظام الجمهوري هو طريق الإنعتاق الحقيقي لما تبقى من التركة الإستعمارية , وتصاعد خطاب إيديولوجي ينتصر لهذا التوجه بين قومي ويساري وإخواني , ويشهد التاريخ أن الدول التي إنهارت فيها الملكيات لم تعرف طريقها إلى الإستقرار وإلى اليوم , وليس من باب الصدفة أن عددا منها كانت حضنا لميلاد الربيع الديمقراطي , فالدولة التي نشأت بعد الإستقلال حملت في ذاته كثيرا من العيوب البنيوية وحملت تناقظات داخلية كان مصيرها الإنفجار في يوم من الأيام , وعلى مر كل هذه السنوات كانت الخسائر فادحة ويكفي أن عددا من هذه البلدان توجد اليوم في لحظة تأسيسية حقيقية. في المغرب كانت الملكية في صلب معركة الكفاح الوطني , وكان نفي الملك محمد الخامس شهادة في الوطنية الكبيرة للملك وأسرته ,بل إن ذلك القرار كان بمثابة إنطلاقة جديدة للحركة الوطنية بشقيها السياسي والعسكري , على درب تحقيق مطلب الإستقلال الذي رفع منذ 1944 أي 13 سنة قبل نفي محمد الخامس وأسرته الصغيرة , ومنذ تلك اللحظة كانت الملكية في صلب بناء الدولة الحديثة المستقلة , ورغم ظهور تيارات سياسية وإيديولوجية كانت تنظر للحكم الجمهوري جريا على ما كان يجري في العالم في تلك المرحلة بتحالف بين قيادات سياسية معارضة وجزء من العسكريين , وكان بالإمكان أن يتحقق هذا المشروع خاصة عندما تزامن مع حالة الإستثناء وربما كان نتيجة لها بصورة من الصور , فكان القضاء على الحياة السياسية والحزبية وحرية الصحافة , عبارة عن تركيبة مثالية لعزل الملك وجعله وحيدا في مواجهة خصوم الملكية في الداخل والخارج , فكان تحريض البعض من محيط الملك الراحل الحسن الثاني على الأحزاب , مقدمة للإجهاز عليها وعلى النظام السياسي ككل وهذا ما حاول أوفقير القيام به لولا الألطاف الإلاهية. اليوم وبعد 13 سنة من حكم الملك محمد السادس , تغير وجه الملكية كثيرا وسنة بعد أخرى أضحت صورة ونمط حكم الراحل الحسن الثاني تتراجع إلى الوراء فاسحة الطريق لأسلوب جديد في الحكم , يحمل بصمات خاصة لا تحدث قطيعة عنيفة مع الماضي لكنها إستشرافية بطبعها وتحمل رؤية للمستقبل , بالطبع هذا لا يعني الكمال ولا يعني القطع مع التردد في عدد من المجالات , لكن هي هكذا طبيعة التحول والمرور من نمط في الحكم إلى نمط آخر , فتغيير البنيات التقليدية صعب جدا , وفي بعض الأحيان تتحول مجموعات من المتنفعين إلى جدار المقاومة الأول لإصلاح قد يطيح بمصالحهم فتصبح طريق الإصلاح كحقل ألغام حقيقي , لكن المهم هو أن تنتصر إرادة الإصلاح في النهاية فالفرص لا يتيحها التاريخ بصورة مستمرة ومفتوحة.. إحتفالات عيد العرش لهذه السنة تأتي في أعقاب مرور سنة على أول دستور في عهد الملك محمد السادس , وهو ليس مجرد دستور , بل هو موقف وجواب سياسي , على لحظة مشحونة مرت بها بلادنا في سياق التفاعل مع ما كان يجري في الجواز, ولا يمكن أن نختلف بأن إقرار دستور جديد للمملكة في ذلك السياق الوطني والدولي , كان ذكاء سياسيا وشجاعة محمودة أعطت للإستثناء المغربي طابعا إجرائيا ووظيفيا..لكن مع ذلك فإن الواقع يبقى عنيدا , والعديد من الإنتظارات ذات الطابع الإجتماعي بقيت في غرفة الإنتظار لأن الكثير من مظاهر الظلم والفساد بقيت مستمرة إلى اليوم وإستطاعت أن تتكيف مع المرحلة وتلبس لباسها , وأن إستمرار الهوة الإجتماعية بين الكادحين والطبقات العليا , هو أكبر خطر يهدد البلاد اليوم وغدا..فخوصصة ثمار التنمية وجعلها قاصرة على فئات بعينها , في مقابل تعميم التقشف والخسائر على الفقراء , يجعل ميزان العدالة مختلا , وهذا ما يجب الإنتباه إليه في المستقبل , فبلادنا تملك جميع الظروف والإمكانيات لتنطلق إنطلاقة صحيحة على درب الديمقراطية والتنمية , إذ لا ديمقراطية مع الفقر والفوارق الطبقية , والإستقرار المرتكز على ثوابت موحدة للأمة كطبيعة النظام السياسي المتمثل في الملكية , هو صمام الأمان لمواصلة السير بتفاؤل نحو المستقبل.
المصدر: عادل بن حمزة نشر في الوجدية

