وأنا جالس في المقهى صبيحة الأحد أشرب قهوتي ، إذا بي أفاجأ بمجموعة من شباب حينا، وقفوا أمامي طالبين مجالستي قبل رحيلهم إلى وسط المدينة للمشاركة في المسيرة الاحتجاجية. وجدت عندهم كثير من المغالطات التي رسخها فيهم خصوم الديموقراطية والتغيير، خاصة خصوم الاتحاد الاشتراكي خلال الحملة الانتخابية للانتخابات الأخيرة وكذا الحملة الشرسة لبعض الجرائد المستقلة التي كلفت نفسها خوض حملة جنونية لضرب الحزب وتشويه صورته وضرب كل ما هو سياسي مدفوعة الأجر .
حاورتهم عن النتائج المحصلة وكذا تركيبة مجالسنا الهشة وغير متجانسة والتي تعيش فوضى في شتى المجالات نتج عنها المعاناة التي يشتكون منها حاليا كباقي الساكنة البيضاوية . معاداتهم لوزير الاقتصاد، لحكومة التناوب، ووضحت لهم مجهوداتهم التي يشهد بها كل العارفين بالشأن الاقتصادي حتى خصومه وآداؤه الجيد في تسوية اقتصادنا وكذا الزيادات المهمة التي حسنت وضعية الموظفين، إشاعات طالت كل الاخوان الذين تحملوا المسؤولية سواء في اغتنائهم أو المحسوبية علما أن الاتحاديين تنعدم فيهم هذه الحالة، وكذا حتى تغيير حزبهم بالنسبة إلى ما يحدث في ترحالات البرلمانيين، تحمل الحزب لوزارات مشتعلة كلها مشاكل وعلى رأسها الوزارة الأولى التي تحملها المناضل عبد الرحمان اليوسفي وسفرياته المتعددة والمتعبة عبر العالم والتي أرجع فيها المغرب قوته وسحب مجموعة من الدول خاصة أمريكا الجنوبية والأممية الاشتراكية اعترافاتهم بالجمهورية الوهمية ، نظرا لمكانته واحترام معظم الدول الاشتراكية له أعطى الشيء الكثير لبلده كانت على خصوم الحزب كثيرون وظفوا جميع الوسائل ضد هذه الحكومة ، حكومة التناوب التي نالت ثقة الشعب مرة ثانية وحصلت على أكبر عدد من المقاعد. ولكن لم تحترم الديموقراطية لأنها حالت عن طريقها وتحركت ماكينة اللوبي الخفي عمل على تشكيل حكومة عرجاء بقي بها من كان أفقدت على إثرها ثقة المغاربة مرة أخرى خصوم الديموقراطية لتبخيس السياسة وإعطاء اهتمام للمجتمع المدني الذي رغم مجهوداته يستحيل أن يحل محل الاحزاب السياسية، كما عمل هذا اللوبي بتحريك الاشاعة مرة أخرى. بعد هذه الدردشة، كان جواب أحد الشباب وله اطلاع على ما يجرى : فعلا المغرب «يتغير» لكن أي تغيير… مشاهد يومية مخجلة، ومعاملات في موضة جديدة اسمها الفوضى، كل المغاربة متذمرون من بعضهم البعض، أنانية بدون حدود، وصراع حول كل شيء، وكل هذا يحدث أمام الشباب الذي يتربى على هذه الصورة المظلمة القاتمة والمتجلية أكثر في السياسة … أدهشني حديثه وقلت له: هل لديك كل هذه النظرة السوداء عن السياسة … أجاب: نعم . يتجلى ذلك في الحروب وحروب مضادة بين أصدقاء الأمس القريب .. ضحوا بكل شيء من أجل مناخ ديموقراطي، أصدقاء تفرقوا، ويقوم كل واحد منهم بقلب ظاهر المجن لصاحبه، وتكونت أحقاد استمرت إلى الآن ، تطعم خصومات الزعماء الجدد والطامعين الى تسلق هرم السلطة في المراحل المقبلة، فحرب المواقع، أصبح أهم … وليذهب الباقي الى الجحيم وختم حديثه بصوت حزين: إن ما نعيشه اليوم هو نوع من غريزة انتحار السياسة والسياسيين . وحمى النقاش وحوار مفتوح حول نقطة أسباب انقسام الحزب الى عدة أحزاب جعل المنشقين عليه رغم أنهم لهم نفس الاديولوجية ونفس المتطلبات والافكار ونفس الخطاب لم يجدوا البديل والقوة كانوا عليها سابقا كان عليهم رص الصفوف والعمل على التغيير وتطوير الحزب من الداخل . كان نقاشا هادئا مذكرا إياهم أن تجربتنا التي تسمى الديموقراطية حديثة وهشة بالرغم من الأهمية الكبيرة والمعاناة الكثيرة التي بناها في فترة قصيرة كل المناضلين… ديموقراطيتنا لا تزال مترددة وصغيرة ومنتهزو القفز عديدون.. القفز على ضحالة الخطاب السياسي كثيرون في انشغال المناضلين والتقدميون في حروب أصبحت منهجية… يولد عن هذا المناخ جيل منكم أنتم الشباب لم يجد مكانا له في الزعامة السياسية ، فعلا لكم طموح.. وأفكار.. عليكم الصبر والانخراط داخل الاحزاب والحضور الفعلي خلال كل المحطات والاهتمام كثيرا بالسياسة، وعلى الاحزاب هي الأخرى أن تقوم بدورها الفعال والبحث عن الطريقة المثلى لتحسين صورة السياسة في نظركم أنتم الشباب وفي نظر المواطنين ، عليهم (أي الاحزاب) البحث عن خطاب وطني جاد للاقناع بجدوى كلامهم.. أن تكون طموحات سياسيين مشروعة بها ملح إنساني يؤثت العمل السياسي الدائم لأن أكبر عدو للشعوب هو اليأس لأن هناك لوبي كبير وقوي ينشر اليأس ويبخس السياسة في نظركم ونظر كل المغاربة ويبقى الحوار مفتوحا، لأن له دور رئيسي في جل المشاكل والصعوبات ، لأن عدم الإفصاح عن هذه المشاكل يؤدي إلى تفاقمها وتعقدها.
المصدر: عبد الواحد الهلالي نشر في الوجدية

