في هذا الفيلم، كما تذهب إلى ذلك كرانج، فإن الصوت يقول «النص المكتوب»، أي يحكي الكلمات. فهو تعبير؛ وتبعا لذلك يقوم هذا الصوت بتحويل ما، وينجز أيضا تأويلا يقتضي كتابة على نحو آخر ينسخها. ذلك لأن الصوت صدى يعرض جسدها دون إظهاره، كما يحرر لحمها (مادتها) وماضيها.
إن هذا العبور عبر الصوت، تقول كرانج، ينتج آثار المعنى التي تؤكدها كل قراءة مادامت هي إعادة قراءة واستكشاف لنص. وتتضاعف الجملة الملقاة مع دال آخر، فيصبح
الكلام المزدوج هو النص المزدوج. ويستدعي مقروء كلمات النص الأدبي قراءة يجعله متجاوزا من طرف الجسد الملح لقارئه. كما أن الصوت يجعل الكل ينزلق نحو شيء آخر مختلف، أو بالأحرى، سيكون من الدقة القول بأنه يدفع الكل للانزلاق نحو شيء هو في حد ذاته مختلف. وهنا- تواصل الباحثة- نحن أمام عملية انكشاف. فعبر القراءة وإدماج كيان غريب، تكشف الكتابة، بدهاء، ما يغذيها. ذلك أنه بدون قراءة ليست هناك كتابة، وبدون تأويل ليس هناك معنى، وبدون اهتزاز ليس هناك ارتدادية ولا «ما يتبقى». فإذا كان الصوت، حسب ما يظهر لي، يعالج هذا البعد من «ما يتبقى»، فعليه أن يحمله، وأن يعطي للنص نبرته من جديد. ويصبح القابل للقراءة le lisible، أي ما يمكن أن يُقرأ، مزدوجا بقراءته التي تزيحه عن كينونته الوهمية. كما يخضع القابل للقراءة، أي ما يجب قراءته وعرضه في مسلسل قراءته، للتحويل. أما المقروء le lu، فمن جهته لا يتضمن ما يثيره، بل يجعله يفقس داخل المكتوب التوترات والقوى المتواجدة التي تدفعه خارج وحدته وخارج ذاته نفسه. فالمقروء يقدم نفسه كوجه آخر للمكتوب، وكبقية من الكلمة، من الدال، وكفائض، أو لنقل كمكمل.
ولأننا نعلم أن المكمل يأتي دائما فائضا لخلل، فإنه يثير بدون توقف، وعلى نحو منحرف وحتمي، آثار نقص ورغبات في حضور كامل. ومن جهة أخرى، تستدعي الكتابة وتطلب، بلا كلل ، فائض قراءة يستدعي بدوره فائض كتابة. فالقراءة تكتب النص، وتعيد كتابته داخل حركة الاختلاف هذه، كما تعيد للكتابة شرخها الداخلي.
إن القراءة داخل الفيلم، تتابع كرانج، من خلال عرضها لمقروء النص الأدبي تقتله وتتيح بروز الفراغات التي تغرق فيها الكلمات. هناك ما هو قابل للقراءة لكن المقروء يقوده، بفعل انحراف غريب، نحو نهايته التي يتعين تقريبها من نهاية المرئي، أي التمزق بين المرئي والبصري.
إن هذا التمزق تحديدا هو ما يقدمه لنا هذا الفيلم، تقول كرانج، عبر تركيب وإسماع واظهار العرض المزدوج، حيث إن ما يعرض عبر القراءة يرى يقينياته تتفكك.
ويمنحنا منجز الفيلم هذه الحركة المزدوجة. فعلى مستوى الصوت، وفي في مرحلة أولى، هناك: التوحيد، إعادة البناء، نقل نص أدبي دون تحريف، أي دون غيرية. ذلك أن كون الصوت هو صوت مارغاريت دوراس، بنبرته المميزة، ينطوي ربما على تلك الرغبة في تقليص الفارق، وإلغاء الآخر في ذاته، وكنوع من الضمانة أو ميثاق عدم الخيانة. وهكذا تقصي القراءة من طرف الكاتب نفسه لنصه الأدبي أي خطر للاعتداء من الخارج.
وتذهب كرانج إلى أن الهيمنة التي تمارسها دوراس من خلال إعادة توقيع النص عبر الصوت، هي طريقة لاختزال الخسائر وتقليص الشرخ. لكن الفيلم بكشفه لمشهد القراءة يحرر الكتابة ويعطيها أبعادا ديريدية (نسبة إلى جاك ديريدا).
هناك أيضا حركة أخرى يحققها الفيلم، فالكلمة تتشظى، والنص يصبح مزدوجا، والكتابة تصبح قراءة والقراءة تتحول إلى كتابة. كما أن منطق الملحق تنزع نحو أن يكون «الخارجي في الداخل ، وأن ينضاف الآخر والخصاص، كشيء زائد يعوض شيئا ناقصا، أي أن «ما يضاف إلى شيء ما يصبح عطبا في هذا الشيء»، حسب ما يقوله دريدا. وقبل ذلك، فإننا نلاحظ أن في الصوت، داخل الفيلم، يرتسم هذا الشريط المزدوج الذي يحمله الرابط صوت/ صورة، كما يتخلص منه.
ويبدو أن الصوت الخارجي، على الخصوص، يتسلل إلى هذا الهامش. فهو حاضر وغائب في نفس الوقت. ويتحدد هذا الصوت بعلاقته مع الصورة وليس عبر ميزة خاصة به تقدمه كشيء «خارجي» و»داخلي». وتجعله تزامنيته يحوم في حول الصورة. ورغم أن الصوت الخارجي غير محدد مكانيا، رغم أنه موجود في هذا المكان، هنا وهنالك، يحتل موقعا غريبا، مرتبطا بالصورة، إن لم يكن في المستوى الأول من خلال اسمه، ذلك أنه يحمل علامة الإقصاء. وترى الباحثة أن الكلمة المتأرجحة المكممة للكلام تبدو كمظهر لقطيعة ما، لخدش. وبإمكاننا، في هذا المستوى من التحليل، استعادة وجهة نظر ماري كلير روباس حول قدرة السينما على التفكير في تنافر اللغة. وبالمقابل- تواصل كرانج- يبدو من المفيد دراسة كيف تمتزج مستويات التداخل والالتقاء والتنافر،
في فيلم مارغريت دوراس. حيث سيقودنا ذلك إلى بروز قصور الخيار الاستبدادي للآلة النصي، أي إلى كيف يتخفى الوجه الآخر للمقروء والوجه الآخر للمرئي في ما بينهما، ليكشفا أنهما غير قابلين للرمج، أحدهما من طرف الآخر؟ وإذا كنا قد رأينا كيف ينزاح صوت المؤلفة، حاملا صدى كسر داخلي، فإنه يبقى علينا أن نبين كيف يتموقع اشتغال النظام الصوتي نفسه في اشتغال الصورة حتى نتمكن من توسيع التحليل على كامل النص الفيلمي، تقول كرانج.
فالقراءة متعددة بطبيعة الحال، أولا من وجهة نظر عامة، هي تأويل؛ وتفتح تبعا لذلك كل الممكنات التأويلية. إنه واقع القراءة مادامت هناك قراءات متعددة.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

