لما ادرك ابو العبر الهاشمي أيام المتوكل العباسي (847 – 861م) أن زمن الجدّ قد فاته، وأن اللحظة التاريخية بها من الغموض والالتباس ما بها، وأن القيم مقلوبة على رأسها هي العملة الصالحة لزمن التحامق، بنى عقيدته الخاصة من أدب السخافة واتخذها مذهبا يروّج له، ولما سألوه عن هذه المحالات (أي السخافات) التي يتكلم بها، أي شيء أصلها؟ قال أبو العبر: «أبكر فأجلس على الجسر، ومعي دواة ودرج، فأكتب كل شيء أسمعه من كلام الذاهب والجائي والملاحين والمكارين، حتى أملأ الدرج من الوجهين، ثم أقطعه عرضًا، وألصقه مخالفًا فيجيء منه كلام ليس في الدنيا أحمق منه». ومع ذلك فقد كسب بحمقه أضعاف ما كان يكسبه غيره بالجدّ والجيّد، وحقق شهرة كبيرة وثراء عظيما.
كذلك هو شأن أبي العبر المغربي، وقد جرت مياه كثيرة تحت الجسر، واختلط الجد بالهزل، ودبّ العزوف واليأس بين قضاء النحب والانتظار، وامتزج الحابل بالنابل، وأصبح الناقد أهم من النقد في إطار علاقات اصطناعية يصنع فيها أبو العبر، مبدعا وناقدا، صنعا، وينفخ فيهما نفخا، فإذا به يتمرّد على الجدّ، ويتخذ الهزل أشكالا وألوانا، حيث لا يستقيم المعنى إلا معوجّا، ولا ينهض المضمون إلا قفلا صدئا، وحده أبو العبر يعلم مكان مفتاحه، فجاء أدبه مغسولا من انتمائه، نبتة لا علاقة لها بمشتلها، كائنا هجينا، وحده أبو العبر يتقن صناعة ولادته.
أدب مصقول يسكن الواجهات الزجاجية للشارع، زاده النقد «العاشق» بريقا ولمعانا، تماما كما تتقن ماسحة الزجاج مهنتها المرسومة لها سلفا. وفات أبو العبر المغربي أن الأدب المغربي كان بالأمس القريب أدبا مغربيا لا بالجنسية بل بالانتماء، لا فرق فيه بين ذاك المكتوب باللغة العربية أو الفرنسية، وكان مدار النقد وحكمه إنما يدوران في السؤال المستمر عن مدى ارتباط هذا الأدب بتربته وتفاصيل معيشه. كانت مسألة الجذور والهوية والارتباط بالقضايا الجوهرية والمصيرية معايير أساسية في تقييم الأدب مهما تنوّعت ألوانه وتزخرفت أشكاله، ومهما اختلفت زوايا النظر باختلاف الانتماء الفكري والاجتماعي للكاتب تطابقا أو استلابا أو وعيا.
كتب عبد القادر الشط روايته «فسيفساء باهتة « سنة 1932 باللغة الفرنسية، فجاءت أكثر جدّية ومغربية من أحدث الروايات المغربية بالجنسية الصادرة حديثا، وكتب ّ عبد الرحمان الزناتيروايته «خبز النصارى» باللغة الفرنسية أيضا، وجاءت هي الأخرى أكثر ارتباطا بالهمّ المغربي، فكيف بأبي العبر، مبدعا وناقدا، يكتب أدبا بالعربية لا مغربية فيه بدعوى «الكونية»، ولا واقع فيه بحجة السخرية السخيفة من جدّ لا طائل من ورائه !!
كان النقد ، وقد أرسى ارتباطه العضوي بالواقع المغربي وحيثياته، لا يحيد عن ذلك، ولا يخشى فيه لومة لائم، بكل الجرأة التي يستدعيها الدفاع عن الانتماء، وما يتطلّبه الطموح المشروع لبناء آفاق انتظار مغايرة. فكانت جدّية الأدب ومغربيته هي البوصلة التي يستنير بها الأدب المغربي إبداعا ونقدا. كانا أكثر سوسيولجية من علم الاجتماع نفسه، وكانا أكثر كشفا من علم البيان نفسه، لأنهما كانا أكثر ارتباطا بالقضايا الوطنية وبالهموم الصغرى والكبرى … كانا أدبا جدّيا ومغربيا…
يبدو أن سقوط جدار
برلين
كان أكثر وقعا على رأس أبي العبر المغربي، فكان أكثر الرؤوس تهشّما …!
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

