**أزمور: جوهرة تاريخية في قلب دكالة**
أزمور، المدينة التي تجسد تاريخ المغرب العريق، تعدّ وجهة فريدة تجمع بين الحضارة والتاريخ. يقول الأستاذ بوشعيب ارميل في حديثه القيمة إن أزمور تُعتبر من أقدم المدن المرتبطة بمحطات فاصلة من تاريخنا، حيث ساهمت في تشكيل الدولة المغربية في العصور الوسطى، وكانت بمثابة أحد المراكز الرئيسية للصراع البرتغالي على السواحل الأطلسية. والجدير بالذكر أن أحد أبنائها، مصطفى الأزموري، ارتبط اسمه بتاريخ استكشاف أمريكا الشمالية، حيث عُرف في المصادر الإسبانية باسم إستيبانيكو.
استمدت أزمور مكانتها من موقعها الاستراتيجي على ضفاف نهر أم الربيع، بالقرب من مصبه في المحيط الأطلسي، مما جعلها حلقة وصل بين الملاحة البحرية والمجالات الداخلية لدكالة. هذا الموقع المحوري ساهم في تطورها كمركز تجاري قوي، إذ كانت تعدّ نقطة انطلاق وتبادل للسلع منذ أمد بعيد.
في العصور الوسطى، شكلت أزمور جزءًا من مجال تامسنا، وعرفت فترة ازدهار ملحوظ مع بداية الدولة المرابطية. وفي عهد الموحدين والمرينيين، ازدهرت حركة التجارة في المدينة، حيث أنشأ السلطان أبو الحسن خلال القرن الرابع عشر مدرسة علمية، كما احتضنت ملاحًا يهوديًا وعددًا من الزوايا، واشتهرت بفن الملحون وصيد الشابل في نهر أم الربيع.
مع بداية عصر الكشوف الجغرافية، أصبحت أزمور هدفًا للبرتقاليين الذين سعى إلى السيطرة عليها. ففي الثاني من سبتمبر 1513، احتلت القوات البرتغالية المدينة بقيادة دوق براغانزا، وظلت تحت سيطرتها لمدة ثمانية وعشرين عامًا. ومن المثير أن السفن البرتغالية كانت تضم فرديناند ماجلان، الذي خلد اسمه لاحقًا كأحد رواد الإبحار حول العالم.
خلال فترة الاحتلال، قام البرتغاليون بتعزيز التحصينات وبناء أبراج دفاعية داخل القصبة، مما جعل أزمور واحدة من أهم قواعدهم على الساحل المغربي. ومع ذلك، أصبحت صعبة التموين وازدادت تكاليف الدفاع، مما أدى إلى تراجعهم. وفي عام 1541، استعاد السلطان محمد الشيخ السعدي مدينة أكادير، مما دفع بالملك البرتغالي جواو الثالث إلى إخلاء أزمور، وعادت المدينة إلى السيادة المغربية مجددًا.
حتى اليوم، تحتفظ أزمور بمظاهر من تراثها الغني من خلال أسوارها الأثرية، وقصبتها، ومدينتها القديمة، بالإضافة إلى إرثها الثقافي والديني المرتبط بالزوايا وفن الملحون والحرف التقليدية.
أضفى مصطفى الأزموري بعدًا عالميًا على أزمور، إذ وُلِد بها في بداية القرن السادس عشر وانتقل إلى إسبانيا بعد أن وقع في الأسر. شارك في حملة بانفيلو دي ناربايث إلى فلوريدا عام 1527، والتي انتهت بكارثة. ومع الناجين، عبر مناطق واسعة من تكساس وشمال المكسيك. أصبح لاحقًا من الشخصيات البارزة حيث اتقن لغات الشعوب الأصلية.
في عام 1539، شارك في بعثة استكشاف جديدة نحو مدن سيبولا، حيث وصل إلى قرى الزوني في نيومكسيكو، وتوفي في نفس السنة. يُعتبر اليوم من أوائل الأفارقة الذين استكشفوا أمريكا الشمالية، ويُعتبَر أيضًا أول شخص من غير السكان الأصليين يصل إلى منطقة هاويكوه.
تستمر أزمور في الاحتفاظ بطابعها التاريخي وذاكرتها الطويلة، مما يمنحها مكانة خاصة بين الحواضر المغربية. لذا، يستحق الاهتمام بها مواكبة لمكانتها التاريخية من خلال صيانة تراثها وتعزيز البحث العلمي حول تاريخها، فهي ليست مجرد جزء من ذاكرة دكالة، بل تمثل صفحة مهمة في تاريخ المغرب وقصة منسية في الفضاء الأطلسي والعالم.

