السّاعة تشير إلى العاشرة صباحاً، والممر الإسمنتي للمحكمة الابتدائية في وسط العاصمة الاقتصادية، الدار البيضاء، يبدو مكتظاً بالمواطنين من مختلف الأعمار، بينهم مشتكين ومدعى عليهم وشهود، قدموا من مدن بعيدة لحضور جلساتهم.
لكن المفارقة المحزنة تجلّت في غياب المحامين عن قاعات الجلسات، نتيجة الإضراب المفتوح الذي يخوضونه احتجاجاً على مشروع القانون المنظم للمهنة. المحامون الذين يُعتبرون ركيزة العدالة في البلاد، غابوا عن الساحة، مما أدى إلى شلل كبير في عمل المحكمة.
المعاناة الإنسانية داخل المحكمة
«ماشي معقول هادشي»، تصرخ امرأة في الثلاثين من عمرها، وهي تغادر قاعة الجلسات، مُحتضنةً رضيعا يبكي بحرقة. الأم الشابة تحاول أن تخفي دموعها، بينما تعبر عن إحباطها من تأجيل جلسة زوجها المعتقل بسبب غياب المحامين: «يلا!! هادي المرة الثانية كيأجلو الجلسة فهاد السيمانة.. المحامين مضربين وراجلي كيقبض ظلماً».
أكدت أن هذه التأجيلات المتكررة تضع عليها ضغوطاً مادية ومعنوية، وتؤخر الإفراج عن المعيل الوحيد للأسرة.
خارجاً من القاعة، التقينا بامرأة أربعينية تبكي أيضاً. لم تتحدث، بل ربتت على كتف الشابة، موجهةً لها رسالة صمت تعبر عن تفهمها للألم المشترك. صراخ الرضيع زاد من تعقيد المشهد، حيث قاد أحد رجال الشرطة المرأة لمغادرة المنطقة.
فجأة، انضم إليهم عدد من المواطنين الذين خرجوا حديثاً من قاعة الجلسات. بدت ملامح الغضب على وجوههم، حيث كان هناك الكثير من النقاشات الهمسية حول التأجيلات التي امتدت لأسابيع.
«كفى من هادشي»، قال رجل ستيني يرتدي جلباباً وطاقية بيضاء، معبراً عن قلقه بعد تأجيل محاكمة ابنه المعتقل. جاء من مدينة ابن سليمان لمساندة ابنه في محاكمة كانت تأجلت لأكثر من مرة.
يروي الرجل أنه يعاني من أعباء السفر والتكاليف المتزايدة، حيث يعتبر كل انتقال إلى المحكمة مسألة صعبة.
رجل آخر، خمسيني من بني ملال، شارك في النقاش قائلاً: «كلنا ضائعين، نحن هنا ننتظر، ونتمنى أن تنتهي هذا الدوامة». غادر الجميع في النهاية متقبلين واقع مُعقد، فقدت مصالحهم المالية والأسرية في قضايا يعتبرونها حاسمة.
الركود يضرب محكمة عين السبع
المشهد داخل المحكمة الابتدائية في عين السبع لم يكن مختلفاً، حيث لاحظنا انعقاد جلسات سريعة في الصباح، لكن سرعان ما تم رفعها بسبب غياب المحامين.
خلافاً لشبابيك النيابة العامة المخصصة لتلقي الشكايات، كانت قاعات المحكمة فارغة، والممرات شبه مهجورة، مما منع الروح الحيوية التي كانت تميز عمل المحاكم.
الإضراب لم يمتد فقط لقاعات الجلسات بل أثر أيضاً على المكاتب الإدارية، حيث تراجع عدد الطلبات والمذكرات المقدمة بشكل كبير. الوضع أصبح مأساوياً مع تفاقم التأجيلات، مما يهدد بتراكم الملفات ومن ثم التأخير لفترات طويلة بعد انتهاء الاحتقان الحالي.
جواب منظمات حماية المستهلك
انضمت جمعيات حماية المستهلك إلى الأزمة، حيث علق حسن أيت علي، رئيس المرصد المغربي لحماية المستهلك، بأن المتقاضين لا يجب أن يتحملوا تبعات هذا الإضراب: «هذا ليس عدلا، فمهما كانت الأسباب، لا ينبغي أن يدفع المواطنون ثمن هذا التوقف».
أشار أيت علي إلى أن الإضراب أثر سلباً على الآلاف من المواطنين الذين وجدوا أنفسهم ضحايا لتأجيلات قضائية متعددة، مما يزيد من ضغوطهم النفسية والمادية. وتعتبر هذه حالة مأساوية خاصة للذين يسافرون من مناطق بعيدة، حيث يتحملون تكاليف إضافية ويفقدون بعض أيام العمل.
يجب أن نتذكر أن التأخير في الفصل في الملفات لا يؤثر فقط على حقوق الأفراد الآنية، بل ينذر بفقدان الثقة العامة في النظام القضائي بأسره.
أطلق أيت علي دعوة لجميع الأطراف لإيجاد حلول سريعة وفعالة لضمان حقوق المواطن وإعادة فتح قنوات الحوار بين المتعددين في مجال العدالة.
ت escalade protestations des avocats
الوضع يتجه نحو تأزم أكبر مع إصرار جمعية هيئات المحامين بالمغرب على تصعيد احتجاجاتهم ضد مشروع القانون الذي يُشدد عليهم. لا يكتفي المحامون بمقاطعة الجلسات فقط، بل هددوا بالاستقالة الجماعية من مناصبهم، مما يعد خطوة غير مسبوقة.
التوترات هذه ترجم إلى مظاهرات حاشدة أمام البرلمان في الرباط، حيث هتف الآلاف من المحامين محذرين المشرعين من مرور البنود الحالية من القانون. جاء هذا في الوقت الذي تمت فيه المصادقة على مشروع القانون برفع الأيدي في مجلس النواب.
يواصل المحامون معركتهم ضد البنود التي يرون أنها تهدد استقلاليتهم، مؤكدين عدم التراجع حتى يتم سحب المشروع بالكامل.
يسود شلل كبير في المحاكم، مما يهدد وضع المتقاضين، خاصة أولئك المحبوسين احتياطياً الذين يُواجهون تمديدات في أوضاعهم. مع تزايد حدة الأزمة، تظل معاناة المواطنين مستمرة.

