ومع اقتراب أيام العيد، تنبعث من البيوت الوجدية روائح “البكبوكة” والتوابل وأطباق الكرشة المحشوة، مُعلنة انطلاق واحدة من الطقوس الأكثر ارتباطًا بالهوية المحلية. إذ تعتبر “البكبوكة” بالنسبة للوجديين “سيدة المائدة” بلا منازع، حيث تحضر بقوة في المناسبات العائلية. وفي الواقع، يكاد يُعتبر غياب هذا الطبق عن المائدة الوجدية في العيد خروجًا عن الأعراف والتقاليد المتوارثة.
يشير خبراء الطهي في المنطقة إلى أن “طبق البكبوكة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأسر الوجدية، حتى إن الأسرة التي لا تقدمه تُعد وكأنها خرجت عن تقاليدها”، مشيرين إلى أن تقديم هذا الطبق للضيف يعد دليلاً على أصالة العائلة وتمسكها بجذورها الثقافية.
تتجاوز قيمة “البكبوكة” مذاقها المميز، إذ تمتد إلى تاريخها العريق الذي يعكس التفاعلات الثقافية التي شهدتها المنطقة الشرقية عبر القرون. بحسب باحثين في التراث، تعود أصول الطبق إلى التأثير العثماني في الجزائر، قبل أن ينتقل إلى الشرق المغربي بفضل التقارب الجغرافي والاجتماعي بين ضفتي الحدود، لينقل الوجديون هذا الطبق إلى مستوى جديد يتماشى مع ذوقهم المحلي.
يتكون هذا الطبق التقليدي أساسًا من “الكرشة” التي يتم تنظيفها بعناية كبيرة، ثم تُحشى بخليط من “الدوارة” المقطعة، والحمص، والأرز، والتوابل، إضافة إلى قطع من اللحم و القلب والكلي حسب الوصفات المتوارثة في كل أسرة. تُخاط الكرشة بخيوط دقيقة على شكل أكياس صغيرة أو “وسائد” محشوة، قبل وضعها على النار لساعات حتى تنضج.
ويؤكد المهتمون بالتاريخ الوجدي أن أصل فكرة الطبق كانت مرتبطة قديمًا بالحاجة إلى حفظ أحشاء الأضاحي في البادية، حيث كان الأجداد يجمعون مكونات “الدوارة” داخل الكرش ويخيطونها بإحكام ثم يطهونها فوق النار حتى لا تفسد، خاصة في زمن غياب وسائل التبريد، قبل أن تتطور الوصفة مع الزمن لتأخذ شكلها المعروف في وجدة.
أثناء التحضير، تتحول مطابخ البيوت الوجدية إلى ورش عمل تتقاسم فيها الأمهات والبنات أسرار الصنعة، حيث يتم تقطيع “الكرش والدوارة” إلى قطع صغيرة، ثم يتم غسلها جيدًا، لتضاف لها البصل والثوم وبقية المكونات. إنه مشهد يجسد استمرارية هذا الموروث الثقافي داخل الأسرة الوجدية.
ترتبط “البكبوكة” أيضًا بأبعاد اجتماعية هامة، حيث تعتبر اختبارًا غير معلن لمهارة العروس الجديدة في أول عيد أضحى تقضيه مع عائلة زوجها. إتقان تنظيف “الدوارة”، وضبط التوابل، وخياطة الكرش بدقة، كلها تفاصيل تكرّس صورة المرأة الوجدية الحريصة على نقل التقاليد من جيل إلى آخر.
ورغم هذا التواجد القوي، تواجه “البكبوكة” اليوم تحديات مرتبطة بإيقاع الحياة الحديثة. إذ يتطلب إعدادها وقتًا طويلاً وجهدًا مضنيًا، مما جعل بعض الأسر تفضل أطباقًا أسرع وأسهل في التحضير. كما أدى انشغال الشباب إلى الاكتفاء بتذوق الطبق دون تعلم أسرار صنعه، ما يثير مخاوف المهتمين بالتراث من تراجع هذا التقليد في المستقبل.
ومع ذلك، تظل “البكبوكة”، رغم كل هذه المستجدات، صامدة أمام الزمن، مُحافظة على مكانتها في البيوت الوجدية، فهي أكثر من وجبة عيد، فهي ذاكرة جماعية تعكس تاريخ المدينة وروح سكانها، وجسر يربط الماضي بالحاضر، في واحدة من أوضح الصور التي تجسد غنى الموروث الثقافي لشرق المغرب.

