في هذا الإطار، يُبرز الخبراء المتخصصون في الحوكمة المائية أن المغرب قد تمكن من تطوير نموذج متقدم في تدبير الأزمات المتعلقة بالماء. وقد استثمر المغرب، الذي يعاني من ندرة المياه، في تحسين البنيات التحتية المائية وتطوير استراتيجيات للتدخل السريع، مما جعله قادرًا على مواجهة تحديات جديدة مثل كيفية التحكم في الفيضانات المفاجئة، وتحويلها من خطر إلى فرصة استراتيجية.
ويوضح الخبير الدولي في الحوكمة العامة، ميشيل فيالات، أن المملكة أظهرت قدرة ملحوظة في إدارة الأزمات المرتبطة بالماء، مستشهداً بتجربة إجلاء حوالي 50 ألف شخص في مدينة القصر الكبير خلال الفيضانات الأخيرة، والتي تعتبر نموذجًا متقدماً في إدارة الكوارث. ويؤكد أن الرهان الحقيقي الآن هو الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى اعتماد سياسة استباقية قادرة على التكيف مع التغيرات المناخية الحادة، التي أصبحت سمة رئيسية في المنطقة المتوسطية وشمال إفريقيا.
في هذا السياق، اقترح الخبير الدولي عشرة محاور استراتيجية لتعزيز منظومة الحكامة المائية في المغرب، تشتمل على إعداد خريطة وطنية دقيقة للمخاطر الهيدرولوجية، وتحديث شبكات الصرف الصحي في المدن، وإنشاء خزانات احتياطية لتخزين المياه خلال فترات التساقطات الاستثنائية. كما شدد على ضرورة صيانة الأودية وإزالة العوائق التي تعرقل جريان المياه، وتحديث محطات معالجة المياه العادمة من أجل تحسين كفاءتها، مما سيساعد في إعادة استخدام المياه المعالجة وتقليص الضغط على الموارد التقليدية.
سد المسيرة.. أكبر منشأة مائية بالمملكة يسجل مستوى ملء لم تشهده البلاد منذ عام 2016
من بين الحلول المهمة التي يراهن عليها الخبراء هي تقنية التغذية الاصطناعية للفرشات المائية، والتي تعتبر آلية فعالة لاستغلال فترات الوفرة المائية في تغذية المخزون الجوفي، سواء لتأمين المياه في المستقبل أو للتخفيف من آثار سنوات الجفاف المتكررة. ولا يقتصر الأمر على الجانب التقني، بل يتضمن أيضًا تطوير أنظمة الإنذار المبكر باستخدام التطبيقات الرقمية الحديثة، وتعزيز التوعية بأهمية الماء في المؤسسات التعليمية، بالإضافة إلى الاستثمار في البحث العلمي في مجال الهيدرولوجيا، وتكوين المنتخبين والمسؤولين المحليين في تدبير الأزمات المائية والكوارث الطبيعية.
يتفق المتابعون على أن المغرب يملك فرصة فريدة لإعادة صياغة استراتيجياته المائية بشكل أكثر تكاملاً. يجب الانتقال من سياسة تدبير الندرة إلى نموذج ذكي يقوم على التخطيط الاستباقي والاستثمار طويل الأمد في البنية التحتية والابتكارات.
وعلى المستوى الإقليمي، يتزايد النقاش حول أهمية بناء تعاون إقليمي جديد في مجال الموارد المائية. بعض دول إفريقيا الوسطى تمتلك احتياطات ضخمة من المياه الجوفية تفوق احتياجاتها، مما يفتح المجال لمشاريع ضخمة لنقل المياه عبر الحدود، على غرار مشاريع الغاز والطاقة. وفي ظل التغيرات المناخية، يسير العالم نحو اعتبار الماء مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الطاقة والغذاء، مما يجعل من الأمن المائي أحد أكبر رهانات التنمية والاستقرار في العقود المقبلة.
بين سنوات الجفاف والصعوبات المالية، وفترات الوفرة المفاجئة، يبدو أن المغرب قد دخل مرحلة جديدة في معركته مع الماء. لم يعد الأمر يعتمد فقط على كمية التساقطات المطرية، بل على قدرة الدولة على بناء نظام حكامة مائية مرن يتكيف مع السيناريوهات المناخية القاسية، ويحول التحديات إلى فرص للتنمية المستدامة.

