وجه زعيم الجبهة الانفصالية إبراهيم غالي، يوم الأحد، رسالة استنجاد مطولة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، مما يعكس حجم “الارتباك” الذي تعيشه جبهة البوليساريو الانفصالية بعد توالي الصدمات الدبلوماسية.
وهذه المراسلة، التي احتوت على سلسلة من الاتهامات والمغالطات التاريخية، تأتي في وقت يتجلى فيه تكريس مجلس الأمن لمبادرة الحكم الذاتي عبر القرار رقم 2797، وزيادة الدعم الدولي الصريح لمغربية الصحراء من قبل عواصم رئيسية، مما أدى إلى عزلة غير مسبوقة للجبهة وداعمتها الجزائر.
حرب في البلاغات ومشاريع حقيقية على الأرض
في تلك الرسالة، اتخذ إبراهيم غالي موقع “المظلوم” شاكياً لغوتيريش من أن العالم “قد تغير” ولم يعد يعمل وفق قواعده القديمة.
كما قام كاتب الرسالة بتوزيع الاتهامات يميناً ويساراً، متهماً القوى العظمى “بعدم المسؤولية” لأنها اختارت عدم شراء “بضاعة الوهم” وقررت بدلاً من ذلك الحديث بلغة المصالح والواقع.
بينما تتناول الرسالة عبارات “الخرق” و”العدوان”، يتحرك المغرب بنشاط نحو بناء مشاريع ملموسة. ففي الوقت الذي كان فيه كاتب الرسالة يبحث عن “مرادف” بليغ لكلمة “إدانة”، كانت الرافعات العملاقة في “ميناء الداخلة الأطلسي” ترسم ملامح قطب اقتصادي عالمي، في حين كان المهندسون يضعون اللمسات الأخيرة على مسار “أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب”، الذي سيربط القارة بأوروبا متجاوزاً أحلام الانفصال.
هكذا، يبدو أن غالي لا يدرك أن “الدرون” المغربي قد جعل المنطقة العازلة محمية للهدوء، وأن حديثه عن “انهيار وقف إطلاق النار” يثير في نيويورك فقط التثاؤب، تماماً كما تثير الأفلام القديمة المعاد عرضها.
إنها حالة من “الاستجداء الدبلوماسي” التي تثير الشفقة أكثر من القلق، حيث يُطلب من مجلس الأمن، وبلهجة آمرة، أن يترك القضايا الكبرى ليعود إلى “المربعات الأولى” لنزاع تآكلت فيه الحلول.
ذر الرماد في عيون من؟
يتحدث كاتب الرسالة عن “ذر الرماد في العيون”، متجاهلاً أن العيون الدولية باتت ترى بوضوح خريطة المملكة، من طنجة إلى الكويرة، مُعَلَّقة في قنصليات الداخلة والعيون.
كما يهاجم زعيم الانفصاليين القوى الكبرى، مُوزعاً صكوك “عدم المسؤولية” على الحكومات التي أصبحت تفضل الواقعية والحكم الذاتي على أوهام “الجمهورية الفندقية”.
هذه هي ذروة الكوميديا السوداء؛ أن يتهم تنظيم يعيش على المساعدات دولاً ذات سيادة بأنها “تضلل المجتمع الدولي”، لمجرد أنها اختارت لغة المصالح.
عجز استراتيجي أمام القرار 2797
مع هذا الزخم، يبدو أن جبهة البوليساريو ورادارات “قصر المرادية” أصيبوا بعجز استراتيجي جعلهم غير قادرين على مواكبة سرعة الدبلوماسية المغربية بعد صدور القرار الأممي 2797. بينما كان الخصوم يأملون في “سراب” العودة إلى لغة الاستفتاء، جاء القرار ليؤكد سمو مبادرة الحكم الذاتي كخيار وحيد.
هذا العجز لم يعد مجرد تحليل سياسي، بل أصبح واقعاً مشهوداً؛ الجزائر التي تصر على دور “المراقب” وهي المحرك الفعلي للنزاع، تجد نفسها تحارب طواحين الهواء في مجلس الأمن، بينما يواصل المغرب حصد “الشرعية الدولية” عبر تحويل مقترح الحكم الذاتي إلى عقيدة دبلوماسية تتبناها العواصم الكبرى دون توقف.
بين “أنبوب الغاز” و”أنبوب الشعارات”
المفارقة واضحة؛ الرباط تتفاوض حول “أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب” لتأمين طاقة القارة، بينما ينشغل غالي في كتابة رسائل تستجدي الرجوع إلى “المربعات الأولى”.
إنها صراع بين منطق “التمكين” ومنطق “الاستجداء”. بينما يبني المغرب الجسور والمطارات في أقاليمه الصحراوية، يواصل زعيم الجبهة بناء “جدران وهمية” من الكلمات، محاولاً إقناع غوتيريش بأن التاريخ توقف في عام 1975.
لغة الخشب في زمن الذكاء الاصطناعي
تفتقر الرسالة إلى أي لمسة من الحداثة السياسية، فهي غارقة في مصطلحات “الاستعمار” و”العدوان”، وهي لغة لم تعد لها مكانة في قاموس الأمم المتحدة، التي تسكنها مفاهيم “التوافق” و”الحل السياسي المستدام”.
يبدو أن الجماعة في تندوف تحتاج إلى “تحديث نظام التشغيل” السياسي. فأناه لم تعد تمتلك الوقت لقراءة قصص خيالية عن “بطولات عسكرية” وهمية، بينما تسير القوافل التجارية عبر الكركرات بانسيابية.
وتنتهي رسالة الاستجداء بطلب إطلاع أعضاء مجلس الأمن عليها، وعلى الأرجح أن هؤلاء الأعضاء سيطلعون عليها مرور الكرام، لا لأنهم يتجاهلون “القضية”، بل لأنهم يفضلون قراءة أخبار المشاريع التي تغير حياة الناس بدلاً من تضييع الوقت في تحليل خطاب خُشبي أصبح يثبت يوماً بعد يوم أن أصحابه هم وحدهم من يعيشون في “مناطق معزولة”.

