يثار سؤال مهم وسط الضجيج الإعلامي الذي يرافق نهائي كأس أمم إفريقيا: هل يجري صراع آخر بعيدًا عن المنافسة الرياضية؟ في وقت تشتعل فيه الأجواء بالتصريحات الحادة من قبل الجامعة السنغالية لكرة القدم، تعيش البلاد مرحلة من الاضطرابات القاسية تشمل تدهور المؤشرات الاقتصادية، وتصاعد الاحتقان الاجتماعي، وعدم الاستقرار السياسي. ويبدو أن توقيت هذه التصريحات ليس اعتباطيًا.
صراع على قمة السلطة
بينما يرتفع صوت ملف كأس أمم إفريقيا، تظهر الحكومة السنغالية في وضع هش. يعتمد الحكم اليوم على توازن دقيق بين رئيس الجمهورية، باسيرو ديوماي فاي، ورئيس وزرائه عثمان سونكو؛ حيث بدأت هذه الثنائية تُظهر علامات الانهاك بعد أن حققت سابقًا تداولًا للسلطة.
يُوزَّع المشهد بين سلطة مؤسساتية تجسد الدولة ولها وزنها وشخصية سياسية مركزية تستند إلى قاعدة شعبية قوية وتلعب دورًا حاسمًا في البرلمان. تخلق هذه الديناميكيات توترًا يتغذى من تباين الرؤى وصراعات النفوذ.
لم يعد سيناريو القطيعة بين رأسي الجهاز التنفيذي مجرد فرضية، بل أصبح يشكل تهديدًا حقيقيًا يمس الأغلبية البرلمانية وقد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار المؤسساتي.
اقتصاد مُنغلق ومصداقية مهددة
يتصل التنافس بين الشخصيتين بوضع اقتصادي متأزم، يتسم باختلالات في الميزانية، وأزمة ثقة، وتعليق برامج صندوق النقد الدولي.
أدى اكتشاف ثغرات كبيرة في المالية العامة، لا سيما في تقدير العجز العام والمراجعة التي تشير إلى أن الدين العام يقترب من 100% من الناتج المحلي الإجمالي، وبالتالي تدهورت صورة البلاد لدى المستثمرين وزادت من تذبذب الأسواق.
في هذا المناخ، تضاعف التوترات السياسية من ضبابية العمل الحكومي. ويعتمد الاقتصاد السنغالي بشكل كبير على التمويلات الخارجية، مما يعني أن أي اضطراب يؤثر بشكل مباشر على تكاليف الاقتراض وجاذبية الاستثمار. كما يواجه الاقتصاد أيضًا تحديات هيكلية مثل الاعتماد المفرط على الاستيراد، مما يعرض البلاد لمخاطر التضخم المستورد ومشاكل اجتماعية حقيقية.
تتناقض هذه الصورة القاتمة تمامًا مع الوعود الزهرية المرتبطة بدخول السنغال عصر النفط والغاز، والتي كان من المفترض أن تؤدي إلى نمو يصل إلى 8%. لكن تبقى هذه التوقعات رهينة لتأمين الاستقرار السياسي والمصداقية المالية.
جزء خفي من الصورة
في ظل هذه الظروف، يبرز الحديث عن «كان 2025» كأداة استراتيجية. وبينما يستمر الغموض حول هوية الفائز، يظهر عبد الله سايدو سو، الأمين العام للجمعية السنغالية لكرة القدم، في الإعلام بطريقة لعوبة.
يتبنى «سو» نهج المواجهة، محوّلاً النزاع إلى إطار سياسي وعاطفي، بالإشارة ضمنيًا إلى المغرب كمستفيد من قرارات جدلية، على الرغم من أن الكونفدرالية الإفريقية (كاف) هي الهدف الرسمي.
هذا النهج الهجومي أثار حماسة جزء من الجمهور السنغالي الذي لا يزال يتطلع إلى اللقب، متكئًا على آماله في محكمة التحكيم الرياضي «طاس».
لكن نشاط عبد الله سو الإعلامي يتزامن مع ظروف شخصية معقدة جراء ملاحقات قضائية، ومنعه من مغادرة التراب الوطني منذ عام 2024؛ مما يجعل محاولته في التأثير في مصير المنتخب تقترب من محاولة لاستعادة صورته المهنية.
بلغت حدة خطابه ذروتها عندما هاجم رئيس الوزراء عثمان سونكو، متهمًا إياه بتحويل نفسه إلى “قاضٍ ووكيل ملك وشرطي”، معتبراً أن “الجمهورية هي التي تضررت” بسبب تصفية حسابات شخصية.
استغلال الرياضة لتصفية الحسابات
تتكرر النمط ذاته مع عبد الله فال، رئيس الجامعة السنغالية والذي يُعتبر حليفًا مقربًا من الرئيس السابق ماكي سال. لا يزال توليه رئاسة الجهاز الكروي مثيرًا للجدل، وسط اتهامات بالفساد وشبهات تحوم حول العملية الانتخابية، مما يضعف شرعيته ويفسر انحيازه للخط المتشدد حول ملف «الكان».
يبدو أن الاستغلال السياسي للأزمة وسيلة لتحويل نقاشات الجمهور من الانتقاد تجاه الحكم الرياضي إلى خطاب “الدفاع الوطني”.
من خلال تأجيج المنافسة مع المغرب، يسعى «فال» إلى إعادة تشكيل موازين القوى لصالحه.
تعكس هذه الديناميكيات الاستخدام الفاضح لكرة القدم كمناخ لتعويض الهشاشة السياسية والقضائية. فالتحدي يتجاوز مجرد مصير لقب قاري؛ إذ أن أي تأكيد من محكمة «طاس» لقرار «الكاف» سيضع هؤلاء المسؤولين في مواجهة مباشرة مع ملفاتهم العالقة وزيادة الضغط على مناصبهم.
وليست قضية «كان 2025» مجرد خلاف رياضي بل تحولت إلى ساحة صراع لقضايا قانونية وسياسية واقتصادية معقدة. والسؤال يبقى: هل تنجح كرة القدم في طرح الحقيقة أم أنها تعزز من إخفائها؟

