يجتمع في هذا المؤتمر السنوي وزراء أفارقة وصناع قرار وشركاء في التنمية، بالإضافة إلى باحثين وممثلين عن القطاع الخاص، لمناقشة القضايا الاقتصادية والتنموية الكبرى التي ستشكل مستقبل القارة الإفريقية.
تنعقد الدورة الحالية تحت شعار: «النمو من خلال الابتكار: تسخير البيانات والتقنيات المتقدمة لتحقيق التحول الاقتصادي في إفريقيا»، حيث تمتد أشغال لجنة الخبراء من 28 إلى 30 مارس، على أن تعقد الجلسة الوزارية يومي 2 و3 أبريل المقبل.
طنجة: انطلاق أشغال اجتماع لجنة الخبراء لمؤتمر وزراء المالية الأفارقة والدورة الـ58 للجنة الاقتصادية لإفريقيا
وفي كلمة له بالمناسبة، أكد السفير الممثل الدائم للمملكة لدى الاتحاد الإفريقي واللجنة الاقتصادية لإفريقيا، محمد عروشي، أن احتضان المغرب لهذه الدورة يحمل دلالة رمزية وتاريخية خاصة، إذ يتزامن مع الذكرى السادسة والستين لانعقاد الدورة الثانية للجنة الاقتصادية لإفريقيا في سنة 1960 بطنجة، في وقت شهدت فيه القارة تحولات عميقة خلال ما عُرف بـ«سنة إفريقيا»، حيث حصلت عدد من الدول على استقلالها وبزغت أولى الرؤى التنموية لإفريقيا مستقلة.
وأضاف الدبلوماسي أن المغرب يظل شريكًا ملتزمًا وموثوقًا للجنة الاقتصادية لإفريقيا منذ تأسيسها في سنة 1958، مشيرًا إلى مساهمة المملكة في تعزيز القدرات التحليلية للجنة ودعم الاندماج الاقتصادي الإقليمي، بالإضافة إلى تقاسم تجربتها في السياسات العمومية المبتكرة.
وأكد عروشي أن هذا الالتزام يأتي في إطار الرؤية المتبصرة للملك محمد السادس، الذي يضع التعاون الإفريقي في صميم السياسة الخارجية للمملكة، مشددًا على أن المغرب يعمل على تعزيز التعاون جنوب-جنوب ويشجع الاستثمارات البينية الإفريقية، ويسعى لتطوير البنية التحتية الإقليمية المستدامة، ويدعم المشاريع الرقمية والطاقة، مما يسهم في بناء قارة إفريقية أكثر صمودًا واندماجًا.
كما أكد السفير أن احتضان هذه الدورة يعكس مرة أخرى الإرادة القوية للمغرب في الإسهام الفعّال في الجهود القارية لتحقيق تحول اقتصادي شامل ومستدام، معربًا عن أمله في أن تثمر أشغال الدورة عن بلورة رؤية إفريقية مشتركة وإطلاق مبادرات ملموسة لفائدة شعوب القارة.
من جانبها، أكدت وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح، في كلمة تليت نيابة عنها، أهمية موضوع «النمو من خلال الابتكار» في ظل التغيرات العميقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، خاصة في مجالات التكنولوجيا والابتكار والبيانات.
وأوضحت الوزيرة أن هذه التحولات تمثل تحديًا وفرصة كبيرة للاقتصادات الإفريقية، حيث تتيح آفاقًا جديدة للاستفادة منها كمحرك للتنمية المستدامة والشاملة، مشددة على أن توظيف الإمكانيات التي تتيحها الابتكارات يتطلب إعادة النظر في النماذج الاقتصادية، لاسيما للدول التي لا تزال تعتمد بشكل كبير على الموارد الطبيعية.
في استعراضها للتجربة المغربية، أبرزت الوزيرة أن المملكة اتخذت خيارًا استراتيجيًا يقضي بجعل الابتكار محوريًا في نموذجها التنموي، من خلال إطلاق استراتيجية «المغرب الرقمي 2030» التي تهدف إلى تسريع التحول الرقمي وترسيخ مكانة المغرب كمركز إقليمي للتكنولوجيا، بالإضافة إلى توسيع استخدام البنية التحتية الرقمية عالية السرعة ورقمنة الخدمات العامة وتعزيز المهارات الرقمية ودعم الابتكار وبيئة الشركات الناشئة.
وأشارت الوزيرة إلى أن إفريقيا تمر اليوم بمرحلة حاسمة في مسيرتها التنموية، إذ يتوجب على دول القارة مواجهة تحدي النمو المستند إلى الابتكار بعزم، حيث تتيح التقنيات المتقدمة والاستفادة من البيانات فرصًا غير مسبوقة لتسريع التحول وتحقيق النمو، مؤكدة أن التنسيق بين الجهود وتوحيد الموارد والاستثمار في الطاقات الشابة يمكن أن يبني إفريقيا مبتكرة وأكثر ازدهارًا وشمولًا أيضًا.
من جهتها، أوضحت نائبة الأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية لإفريقيا، ماما كيتا، أن الابتكار واستغلال البيانات واعتماد التكنولوجيات المتقدمة يمثلون فرصًا واعدة لدعم التحول الاقتصادي وتحقيق نمو مستدام وشامل، مشيرة إلى أن هذه الدينامية لا تزال في بداياتها.
كما أضافت أن النمو الذي شهدته إفريقيا خلال العقود الماضية، على الرغم من تحسنه، لا يزال مدفوعًا أساسًا بتراكم عوامل الإنتاج، في حين تبقى مساهمة الإنتاجية محدودة، مما يتطلب تعزيز الإنتاجية الشاملة من خلال التقدم التكنولوجي وتحسين الحكامة وزيادة الفعالية الاقتصادية.
وفي هذا السياق، أشار محمد طارق بشير، رئيس مكتب لجنة الخبراء والمدير بالنيابة للخزينة والمالية الخارجية بوزارة الاقتصاد والمالية، إلى أن القارة الإفريقية تشهد قفزة في النمو، حيث يُتوقع أن يبلغ الناتج الداخلي الخام الحقيقي نحو 4 في المئة سنة 2025، لكن هذه الدينامية تواجه تحديات هيكلية مرتبطة بالتحول الاقتصادي.
وأكد أن موضوع الدورة يحمل طابعًا استراتيجيًا في مواجهة الهشاشة البنيوية للاقتصادات الإفريقية وبُعدها الكبير عن الاعتماد على الواردات من خارج القارة، مشددًا على وجوب تعزيز الاندماج الإقليمي وتنسيق السياسات وإحداث منصات مشتركة للبحث والتطوير لبناء سلاسل قيمة أكثر مرونة.
خلال هذه الدورة، سيبحث الوزراء ومحافظو البنوك المركزية وصناع القرار وقادة القطاع الخاص سبل توظيف التقنيات المتقدمة، لاسيما الذكاء الاصطناعي والبنيات التحتية الرقمية العامة وأنظمة البيانات المتطورة، لتحفيز الإنتاجية وتنويع الاقتصاد وتحقيق التحول الهيكلي للاقتصادات الإفريقية.
من المتوقع أن تتوج هذه الأشغال بإصدار توصيات وزارية تهم السيادة الرقمية وحوكمة البيانات والنمو القائم على الابتكار، إلى جانب الاستثمار في البنى التحتية الرقمية والطاقة.

