استفاقت الجزائر، اليوم، على وقع شلل شبه تام في الحركة المرورية والتجارية، نتيجة الاستجابة الواسعة للإضراب العام الذي دعا إليه ناشطون ومهنيون. وقد وضعت هذه الوضعية النظام الحاكم في مواجهة مباشرة مع فشل خياراته الاقتصادية والاجتماعية، حيث لم يجد لتبريرها سوى “أسطوانة المؤامرة الخارجية” المعتادة.
شلل ميداني وتعتيم رسمي
على عكس الرواية التي حاول الإعلام المدعوم من قبل النظام ترويجها، فقد كشف صباح الخميس عن واقع مغاير؛ حيث تسبب الإضراب في شل حركة النقل وتعطيل مصالح الملايين. وقد انضم التجار في عدة ولايات إلى مهنيي النقل، مغلقين محلاتهم احتجاجا على تدهور الأوضاع المعيشية، بينما زعمت بعض الصفحات الإلكترونية أن الإضراب ليس سوى “إشاعة”.
ورغم محاولات التعتيم، نقلت تقارير إعلامية أن نسبة الاستجابة تجاوزت 90 في المئة في ولايات استراتيجية مثل العاصمة الجزائر، وهران، بجاية، وتيزي وزو. كما وثق ناشطون عبر مقاطع فيديو أظهرت شوارع كبرى المدن وهي خالية تماما، مما ينفي مزاعم السلطة بعودة الأمور إلى طبيعتها.
شماعة “الخارج” للهروب من الأزمات
أمام العجز عن إيجاد حلول واقعية، لجأ النظام الجزائري إلى سياسته التقليدية بتعليق الفشل على شماعة “الجهات الخارجية”. وأصدرت الهيئة الوطنية للوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال بيانا اتهمت فيه حسابات مسيّرة من دول عديدة بنشر منشورات “تخريبية” تهدف إلى “زعزعة استقرار البلاد”.
هذا الهروب إلى الأمام يتجاهل الحقيقة المتمثلة في أن الاحتجاجات نابعة من الداخل، وتحديدا من فئات مهنية تضررت بشكل مباشر من الزيادات المفاجئة في أسعار المحروقات والضرائب الجديدة، التي تعتبرها فئات شعبية وسيلة “لجباية الأموال” لتغطية العجز المالي الناتج عن سوء التركيب الاقتصادي.
مقاربة أمنية وقمع للحقوق
في سياق متصل، كثفت السلطات من حملات الاعتقال في صفوف المحتجين، وهو سلوك متكرر لنظام يعرف بتعاطيه بالعنف والتخويف بدلاً من الإصغاء والحوار. وقد أدانت منظمات حقوقية ما وصفته بـ “سلسلة الملاحقات القضائية التعسفية التي طالت سائقي الشاحنات ومواطنين عبروا بشكل سلمي عن رفضهم للقوانين الجديدة”.
وأكدت المنظمة المعنية بحقوق الإنسان أن لجوء السلطة إلى الملاحقات القضائية يمثل تقويضا للحقوق الدستورية المكفولة في التعبير والاحتجاج السلمي. كما حذرت من خطورة هذه السياسة الأمنية في التعامل مع مطالب اجتماعية ومهنية مشروعة، مما يزيد من حدة الاحتقان ويدعو للإفراج الفوري عن الموقوفين وفتح باب الحوار الجدي حول القوانين التي تؤثر على مصادر رزق الجزائريين.
اقتصاد رهين المحروقات ووعود “وهمية”
تعكس هذه الانتفاضة المهنية عمق المأزق الذي آلت إليه السياسات الاقتصادية للنظام العسكري الحاكم، حيث يعيش المواطن الجزائري في دوامة من التناقضات؛ ففي بلد يصنف ضمن كبار منتجي الطاقة، يجد الناس أنفسهم غارقين في أزمات نقل خانقة وندرة حادة في المستلزمات الأساسية، تحت ضغط تضخم يلتهم القدرة الشرائية.
ويرى مراقبون أن لجوء السلطة لسياسة المنح والزيادات “الوهمية” في الأجور ليس سوى محاولة “ترقيعية” لامتصاص الغضب الشعبي، حيث سرعان ما تتبخر هذه الزيادات مع الارتفاع المستمر في أسعار المحروقات والمواد المدعومة.
إن مشهد المواطن الجزائري وهو يكابد في طوابير الانتظار في بلد يزخر بالخيرات، يختزل فشل نظام يهدر المليارات دون أن يخلق ثروة مستدامة، وبدلاً من تقديم حلول حقيقية تحفظ كرامة الشعب، يلجأ إلى اتهامات “التخوين” و”المؤامرة”، مما يزيد من تفاقم الأزمات بدلاً من معالجتها.

