تتميز قيمة هذا المؤلف كونه من الإصدارات الأولى في المغرب التي تتناول علاقة الذكاء الاصطناعي بالثقافات والفنون، حيث يرصد تأثير هذه التكنولوجيا الحديثة على الممارسات الفنية والثقافية. الكتاب لا ينطلق من تاريخ الثقافة بل يركز على واقعها الحالي، ويسعى إلى تأسيس نقاش علمي حول الذكاء الاصطناعي وتأثيره المحتمل على الثقافة والفن، خاصة بعدما أصبح لهذا الذكاء تأثير سحري على المخيلة، مما يجعلها محكومة بدائرة النقل الميكانيكي.
يقول الباحث: “لا أخفي عليك، أيها القارئ، أن جميع إيجابيات الذكاء الاصطناعي تظل رهينة بيد من يملك آليات هذه التكنولوجيا وشيفرات استخدامها بعد إنتاجها. التاريخ يعلمنا أن أي تقنية كبرى ابتكرها الإنسان استخدمت في البداية من أجل الهيمنة وليس التحرير. فالطباعة ساهمت في الإصلاح الديني، لكنها أيضًا دعمت الاستعمار الأوروبي، والكهرباء أضاءت المدن ولكنها شغلت أيضًا غرف التعذيب، بينما الإنترنت وعد بالديمقراطية لكنه أفرز أقوى أنظمة المراقبة.”
ويضيف “الذكاء الاصطناعي لن يكون استثناءً في هذه الثنائية الحادة التي وسمت كل اختراع علمي. في هذا السياق، حذرنا الفيلسوف لوسيان غولدمان منذ عقود بأن التقنية لا تحمل قيمًا نبيلة في حد ذاتها، بل تعكس دائمًا بنية السلطة المسيطرة عليها.”
لهذا، يؤكد الباحث على أن المعركة ليست تقنية بل هي معركة سياسية وأخلاقية معقدة. إذا تركنا الأمور لأيدي شركات وادي السيليكون وبعض الدول الكبرى، فسنستيقظ على واقع تُكتب فيه الروايات والأغاني والأحلام بلغة واحدة وثقافة موحدة وخيال متشابه. ولكن إذا تمسكنا كفنانين ومثقفين وشعراء ومعلمين، وكذا سياسيين وأشخاص ذوي ضمائر حية، فسيكون بإمكاننا تحويل الذكاء الاصطناعي إلى أداة تسهم في أكبر عملية تلاقح وتعايش ثقافي شهدها التاريخ.

