استفاقت الجزائر في نهاية عام 2025 على وقع أزمة مالية وأمنية غير مسبوقة، نتيجة التداعيات السلبية لقرار رفع منحة السفر إلى 750 يورو. بينما كان متوقعًا أن يكون هذا الإجراء اجتماعيًا، تحول إلى “وقود” لنزيف حاد في العملة الصعبة، مما وضع السلطة أمام نتائج قرارات اعتبرها الخبراء غير مدروسة ولا تتضمن أي رؤية مستقبلية.
تحايلات وتحويل المنحة إلى تجارة مربحة
القيمة الكبيرة للمنحة مقارنة بسعر صرف الدينار في السوق السوداء فتحت شهية العديد من المواطنين، ليس للسفر أو السياحة، بل للاستفادة من فارق الصرف. لذا ظهرت رحلات سريعة ومكثفة نحو تونس، لا تتجاوز في كثير من الحالات يومين أو ثلاثة، وكان الهدف الوحيد هو سحب المنحة ثم العودة لتصريفها في السوق السوداء.
كما نبهت تقارير سابقة إلى استغلال شبكات منظمة يستغل فيها أفراد من فئات هشة، مثل العاطلين المستفيدين من “منحة البطالة”، الذين تحولوا إلى “وسطاء” لتهريب العملة الصعبة.
أسفرت هذه التحايلات عن اعتقال العديد من المتورطين بتهم خرق قوانين الصرف والعبور غير الشرعي للحدود. وقد تجاوزت بعض الممارسات مجرد السفر الشكلي إلى أساليب معقدة تشمل التلاعب بأختام الدخول والخروج.
أرقام صادمة وشبكات منظمة
كشفت المعطيات الرسمية عن حجم النزيف، حيث أعلن الرئيس عبد المجيد تبون عن تجاوز عدد المستفيدين من المنحة 470 ألف مسافر، بتكلفة قريبة من 400 مليون يورو في بضعة أسابيع فقط. وكانت الأرقام الأكثر إثارة للقلق من وزير الداخلية الذي أعلن عن تسجيل حوالي 100 ألف حالة احتيال خلال فترة قصيرة، مما وصفه بـ”أخطر عمليات استنزاف العملة الصعبة”.
أكد الوزير وجود شبكات متخصصة تشمل سماسرة ووسطاء وبعض وكالات السفر، استغلت الإجراء الاجتماعي للتحويل غير القانوني للعملة، حيث تم تهريب حوالي 7.5 مليون يورو في ظرف 45 يومًا.
تشديد الشروط… علاج متأخر؟
أمام تصاعد الفوضى، اتخذ بنك الجزائر في مطلع الأسبوع تعليمة جديدة تمنع الدفع النقدي وتلزم المستفيد بفتح حساب بنكي شخصي، مع تشديد الرقابة على الحالة المالية للمسافرين وعقوبات تصل إلى الحرمان من المنحة خمس سنوات.
ومع أن هذه الإجراءات لدخول حيز التنفيذ منتصف ديسمبر 2025، يرَى خبراء أنها جاءت متأخرة للغاية، إذ تم إطلاق المنحة قبل تجهيز آليات رقابة رقمية فعالة.
ضغط على الاحتياطات
تشير التقديرات إلى أن الكلفة السنوية للمنحة قد تصل إلى أكثر من مليار يورو، وهو رقم مقلق في اقتصاد يعتمد على عائدات المحروقات. ويؤكد الخبراء أن توجيه هذه الكمية من العملة الصعبة نحو السياحة الخارجية، في ظل عجز مزمن عن تنويع الاقتصاد، يمثل ضغطًا على الميزان التجاري.
كما أن تحويل المنحة إلى وسيلة لتغذية السوق السوداء عمّق الفجوة بين السعر الرسمي وسعر الصرف غير الرسمي، مما أعاق جهود الدولة للسيطرة على تداول العملة.
غياب رؤية استراتيجية
يعتقد بعض المراقبين أن ملف منحة السفر يُعتبر نموذجًا لفوضى التدبير في الشأن الاقتصادي من جانب النظام العسكري الحاكم. قرارات حساسة اتخذت دون دراسات دقيقة، مما أدى إلى حالة من الفوضى ونزيف العملة.
بينما يُقدّم النظام هذا الإجراء كوسيلة اجتماعية، يراه الكثيرون كشكل من أشكال شراء السلم الاجتماعي المؤقت، على حساب الاستقرار المالي المستدام.
وبهذا، يبقى المواطن هو من يدفع الثمن، مع استمرار نزيف العملة وتكرار قناعة شعبية بأن إدارة الاقتصاد لا تزال أسيرة للارتجال وليست أي تخطيط سليم.

