انعقد المؤتمر السنوي الثالث لمؤسسة «مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث» بالعاصمة الأردنية
عمان
، يومي الجمعة والسبت 4 و5 شتنبرالماضي، حول موضوع «الدين والشرعية والعنف». وتميز بمقارباته ونقاشاته العميقة والرصينة بحضور أزيد من 400 باحث وإعلامي. وتنشر الصفحة الثقافية تباعا أهم محطات المؤتمر، مع الشكر للزميلة سعيدة شريف، رئيسة تحرير مجلة «ذوات» التي تصدرها المؤسسة .(المحرر الثقافي).
إكراهات ثقافية وسياسية واجتماعية
ويستدرك المفكر التونسي أن الإسلام في جوهره يتسم بالنظرة الواقعية للعنف المبرر، رداً على العدوان بالمثل في حال التعرض لاعتداء خارجي، ولا يقر العدوان على الآخر، إلا أن الممارسة الفعلية على أرض الواقع كما يخبرنا التاريخ تختلف عن ذلك بسبب إكراهات ثقافية وسياسية واجتماعية، ففي الوقت الذي نرى فيه الخليفة أبا بكر مارس العنف المبرر في حروب الردة، شهدنا تاريخاً طويلاً طوال أربعة عشر قرناً من الحاكم ضد الرعية، أو بين الطوائف الإسلامية المخالفة لها: السنة، الشيعة، القرامطة، الحشاشون…
وبين الشرفي أن ظاهرة توظيف الدين لتبرير العنف ليست جديدة وماتزال مستمرة، وهي ليست حكراً علينا، وتكاد تكون ظاهرة إنسانية كما في تبريرات الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش في الأندلس، وإبادات سكان
أمريكا
الأصليين التي مورست باسم المسيحية التي لم يرد فيها نص يؤيد هذه الأفعال، ونذكر هنا أن مجمع
الفاتيكان
الثاني وضع حداً لهذه المسألة، ما ينزع المصداقية عن مقولة ربط الدين ذاته بالعنف.
النصوص الدينية ليست مسؤولة عن العنف
وتابع الشرفي أن النصوص الدينية بحد ذاتها غير مسؤولة عن العنف؛ فقد شهدنا في رواندا قتل قرابة مليون شخص لأسباب إثنية بحتة، وفي
كمبوديا
ذهب قرابة ربع الشعب في ظل حكم الخمير الحمر لأسباب عقائدية سياسية.
وأردف الشرفي أنه لا بد أن ندرس العوامل التي أدت إلى ما وصلنا إليه موضوعياً: هشاشة الكيانات السياسية التي شاع فيها التطرف، وعامل الثروات البترولية، وجود الكيان الصهيوني الذي من مصلحته استمرار هذه الأوضاع، فضلاً عن دور الصراعات الإقليمية الذي لا يجب إهماله.
واختتم بأن «مشكلة التأويل» في الثقافة السائدة لا يرد عليها بالوعظ والإرشاد، ونحتاج إلى دراسة علمية للنصوص الإسلامية المؤسسة لهذا التوجه، ونظرة استشرافية وسياسية تعليمية حصيفة تتلاءم مع المعطيات المعرفية في عصرنا، تأخذ بالاعتبار حلولاً على المديين القصير والطويل.
المؤسسات الدينية فقدت الإحساس برسالتها
لم ينكر الدكتور رضوان السيد أن العنف الذي نشهده اليوم باسم الإسلام له تاريخ قديم، لكن لا يمكن تفسيره تاريخياً، فقد حصلت تطورات غير مسبوقة في القرن العشرين عقب انهيار «الخلافة» العثمانية ودخولنا عصر الاستعمار، ما أحدث تفجيراً داخلياً في الإسلام وفقهه انهارت معه التقاليد الدينية الضابطة للمجتمع، وكرد فعل ظهرت عندنا نزعتان باسم الإصلاح: السلفية والإخوانية، ودخلتا في صراع مع بعضهما، ووفر لهما الفشل المتواصل للدولة الوطنية بعد زوال الاستعمار بيئة خصبة للترعرع، وهذا يفسر تمكن الإخوان من اختراق الطبقات الوسطى للمجتمع المصري مثلاً.
ولم يكن مستغرباً ظهور حركات التطرف المعاصرة عقب ثورات الربيع العربي، وفق السيد الذي يشير إلى أنها «ليست وليدة لحظة مفاجئة بل نتاج تراكم ثقافة سرية ولدت ديناً جديداً يُفرض بالعنف».
وقال إننا كمثقفين في ظل هذا الواقع لم نعمل جدياً في مواجهة تسييس الشريعة للوصول إلى السلطة بتعزيز الدولة المدنية. نحتاج إلى تحويل المفاهيم في ظل أن المؤسسات الدينية فقدت الإحساس برسالتها الحقيقية بهم يفتقد إلى الهمة، وأدعوها إلى إحياء دورها الذي غيب في ظل الحكومات المستبدة.
وأضاف أن عدم وجود دولة مدنية حقيقية سبب رئيس في تعزيز التطرف، فضلاً عن أننا نفتقد مشروعاً عربياً جامعاً، وهذا الأمر يحتاج بلا شك إحياءً تجديدياً.
جذور العنف كامنة داخل التدين نفسه
أما الدكتور عبدالجواد ياسين، فقد خالف رضوان السيد في التقليل من أهمية عامل البعد التاريخي لهذه الأزمة، داعياً إلى توجيه النظر إلى الأصول النظرية للمشكلة، ورأى أن جذور العنف كامنة داخل «التدين» نفسه، لأن من حملوا لواءه من الفقهاء احتكروا لأنفسهم تفسيره وأدخلوا الإسلام في حالة توتر مع المجتمع، عندما ربطوا رؤيتهم الخاصة بالمطلق بما يتناقض مع التعدد، فدخل هذا التاريخ الرؤيوي في صلب الدين بالتعارض مع قانون اجتماعي مهم، وهو قانون التطور.
ودعا ياسين إلى أن نفرق بين الدين والتدين الذي كرس مفاهيم قارة من العنف تجاه الأنا والآخر المخالف، مستتبعة من عقيدة لاشعورية بالحق المطلق، نافياً أن يكون الموضوع مجرد تأويل خاطئ للفروع؛ فالنص القرآني لأحداث «تاريخية» انتهت في زمان الدعوة المدنية تم التأسيس عليه لتبرير العنف بصورة أحكام دائمة لا تقبل النسخ.
واستغرب عدم الربط عند البعض بين النص الديني والعنف؛ فالجماعات المتطرفة تطرح نفسها باسم الدين وتأويلاته العنيفة، دون أن ينكر معطيات الواقع المعاصر.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

