الطاعون أطاح بإمبراطوريات وغيّر أنظمة بكاملها ساهم في انتشار الدين الإسلامي .. وعلماء الأوبئة يفسرون المقصود ب «طيرا أبابيل» التي جاءت في القرآن الكريم أوبئة عاشتها البشرية، حصدت أرواح الملايين، لم تفرق بين غني وفقير، بين حاكم ومحكوم، بين رجل دين صالح وبين سارق و متاجر في مثل هذه الأزمات العصيبة التي مرت منها المجتمعات البشرية، لكن هذه الأوبئة، نجدها أيضا غيرت مسار التاريخ، وأدت إلى سقوط الديمقراطية في أثينا وكان لها دور أساسي في الفتوحات الإسلامية، وأدت أيضا إلى بزوغ الرأسمالية في أوروبا. كل ذلك سلط الضوء عليه، كبير الباحثين بمختبر التكوين والتشكل الحيوي التابع لمعهد دراسة الفيروسات الحكومي بموسكو وفي نفس الوقت الباحث المتخصص في تاريخ الأوبئة الدكتور فيودور ليسيتسين في برنامج «رحلة في الذاكرة» للإعلامي خالد الرشد بقناة روسيا اليوم. ضيف الحلقة، سلط الضوء على طيور أبابل التي جاءت في القرآن الكريم، وعلى الأمراض التي كانت تنقلها، وتجعل الهالكين به «كالعصف المأكول». الضيف الروسي يشرح بشكل علمي هذه الآية الكريمة، ويؤكد أن هذا الحادث فعلا وقع، كما دونته مدونات تاريخية، منهم أقباط مصر. لأهمية كل ذلك ، تنقل جريدة الاتحاد الاشتراكي، ماجاء على لسان هذا الباحث الروسي في هذا البرنامج، وكيف غيرت الأوبئة الأنظمة السياسية، وكيف ساهمت في نصرة العرب المسلمين في فتوحاتهم وكيف أدى الطاعون أيضا إلى نفور من وجدوا أنفسهم فقراء بسبب إغلاق طرق تجارة القوافل،وتبرأوا من عبادة الأصنام والدخول في دين الإسلام. يقول الدكتور فيودور ليسيتسين إن البشرية عرفت ثلاثة أوبئة فتاكة، هناك طاعون أثينا الذي بينت الدراسات أنه لم يكن طاعونا، بل كان الأمر يتعلق ب «التيفويد»، وقد بدأ عام 430قبل الميلاد، وكان له تأثير على اليونان القديمة بأسرها، حيث لم تكن موحدة آنذاك. كانت كل من أثينا وإسبارطة دولتين متصارعتين، وقد كانت أثينا متفوقة عسكريا في البحر، في حين كانت إسبارطة متفوقة في البر ،وقد أدرك بريكيليس زعيم أثينا المنتخب ديمقراطيا أنه يصعب التغلب على خصمه، ولا أحد كان يرغب في الالتحاق بالجيش في أثينا برغبة منه، لأن المدينة كانت تنعم بالديمقراطية، كما طردت الطغاة جميعهم، وقد تقرر بناء حصن حول المدينة ، التي نقلت إليها كمية كبيرة من المؤن والاحتياطات على افتراض أن جيش إسبارطة سينهب كل مايستطيع نهبه والعثور عليه في الأماكن الزراعية المقفرة ثم يرحل. هكذا ستفشل خطط إسبارطة، في حين سيتولى أسطول أثينا نقل المؤن عبر الميناء الذي أحيط بسور حصين، وسيضرب أسطول أثينا الإسبارطيين من البحر مرغما إياهم على الاستسلام، هكذا ستنتصر أثينا لكن يقول الدكتور فيودور ليسيتسين، لو أن النصر تحقق كاملا لحكمت أثينا اليونان كلها، وقد وجد سكان أثينا نفسهم في حصن واحد، وأصيبوا بمرض، حيث توفي 40 % من مجمل السكان، بمن فيهم الحاكم بريكيليس نفسه، واعتبر الأثينيون المرض عقابا إلهيا على انعدام الحكم الصحيح، وتفشى التذمر والتمرد بين السكان، وقد علم الإسبارطيون بهذا المرض، فتراجعوا عن الأسوار كي لايصاب جيشهم بالعدوى، وتركوا أعداءهم يموتون بالتيفويد. حين كان الأثينيون يتعافون من الوباء، كان الإسبارطيون يستخدمون المرتزقة القادرين على تسيير السفن، فامتلكوا أسطولهم الخاص بهم، وأخيرا تمكنوا من أثينا . وعوض أن يتجمع اليونانيون في تكتل واحد، وكان من شأن ذلك أن ينعكس إيجابا على الأجيال القادمة، غرقوا في الحروب والخصومات،على اعتبار أن اليونان كانت مقسمة إلى دول أو مدن عديدة، ووجدوا أنفسهم خارج السياسة العامة. بعد انتهاء الوباء والحرب، آل الحكم في أثينا إلى مجموعة من الطغاة، في الوقت الذي كانت فيه بلدا ديمقراطيا قبل الحرب والوباء، تتألف من سكان أحرار قادرين على شراء السلاح، وبوسع كل واحد منهم أن يكون محاربا، يملك عدته القتالية، علما بأن الدرع والخوذة أو التجهيزات الحربية كانت مكلفة جدا، تعادل قيمة عشرين بقرة، لكن كانت هناك استثناءات، فمثلا الفيلسوف سقراط كان فقيرا، لكنه كان يملك خوذة ودرعا ويتمتع بحث التصويت. بعد وفاة بيريكليس تضاعف الذين افتقروا وفقدوا القدرة على تأمين السلاح، في هذه اللحظة اشتد عود الطغمة المالية، وبدأوا في شراء أصوات الناخبين بل أصبحوا يؤلبون هؤلاء الأنصار ضد بعضهم البعض، وبهذه الطريقة استولوا على السلطة بالكامل. الطاعون يطيح بإمبراطوريات، ويساهم في انضمام الناس إلى دين النبي محمد ، وقصة «طيرا أبابيل» الإعلامي خالد الرشد مقدم البرنامج قال في سؤال له، إن العرب تمكنوا من الانتصار على الفرس والبيزنطيين، كما فتحوا مصر والشام ،لأن الملائكة كما قالوا، في صفهم، وكانت تلك معجزة إلهية، وأمدهم لله بعون من عنده، لأن الدين الجديد ألهب حماس الناس، لكن في موسكو هناك مقاربة أخرى تعتمد على المدرسة الاستشراقية، تقول إن النصر كان حليف العرب لأن الفرس والبيزنطيين خارت قواهم بعد خوض العديد من الحروب فيما بينهم، وكان ذلك فيما يعرف بطاعون جستيان؟ جوابا عن ذلك يقول الدكتور الروسي فيودور ليسيتسين، إن هذا الطاعون – حمل اسم الإمبراطور جستنيان الأول، الذي كان يحكم الإمبراطورية البيزنطية أثناء حدوث الطاعون- استمر طويلا مابين 540و 690ميلادية، ولو على شكل فورات متباعدة، وحصد أرواح الملايين من الناس ،كما حدث في الأنفلونزا الإسبانية، وكانت موجات الوباء تجرف أسس الدولة ونظامها، ومن وجهة نظر التاريخ، يقول الدكتور الروسي،يجب أن ندرك أن الوباء الخطير المصاحب للأزمات الاقتصادية، غالبا ما يكون بداية أزمة دينية أو سياسية دينية، يؤدي إلى تحولات كبيرة، ويشرح أن شبه الجزيرة العربية كانت مزدهرة قبل جيلين عن مولد النبي محمد، وفي سبأ اليمن حاليا كانت لها منظومة ري معقدة وكانت هناك سدود، أحدها بقي صالحا لمئتي عام وهو سد مأرب ، قبل أن يتهدم، ويضيف أن موجة طاعون جستنيان ترافق مع أحداث هامة، فحوالي 570ميلادية تعرضت مكة إلى هجوم قوات الجيوش المسيحية وورد ذكر ذلك في القرآن في سورة الفيل، وقصة أبرهة الأشرم معروفة التي وقعت في عام الفيل. الدكتور فيودور ليسيتسين، يرد قائلا، هل تعلم ما المقصود بالعصف المأكول ،إنها أعراض الطاعون الرئوي، إذ في بضعة أيام فقط كانت رئة المرء المصاب تتفتت إلى حويصلات، ومع السعال تخرج قطعا من نسيج الرئة، وتبدو هيأته وكأنه تقيأ أحشاءه فيفقد وزنه ويصاب بالهزال ويصبح وجهه أزرق اللون ثم يموت، وتبقى قطع من نسيجه الحي، وأضاف أن الطيور لم تكن مصدر العدوى، لكن الجوارح كانت تتبع الجيوش وتأكل الجثث ،لكن الطيور بشكل عام، يمكن أن تنقل العدوى، فهي تلتقط أنسجة طرية وتتلوث بالدم المريض، ثم يقطر منها وهي تطير، وهكذا يغدو معديا. وهذه الحادثة المذكورة في القرآن تؤكدها مدونات تاريخية أخرى، وقد ورد ذكرها عند الأقباط في مصر. ويضيف أنه في حياة النبي محمد المبكرة، كانت الأزمة قد نشأت، يعني أزمة القوافل وطريق الحرير، ولم يقتصر الصراع في فجر الإسلام على العقيدة فقط، بل على القوافل والطرق التجارية، كما كانت طغمة مكة والمرابون يدفعون الناس إلى الاستدانة الربوية وحشرهم في ذائقة الديون، ومعظم أنصار النبي محمد لم يكونوا فقراء بالولادة،بل أصبحوا كذلك تحديدا نتيجة أزمة القوافل، إذ وجدوا أنفسهم خارج هذه المنظومة، ولم يعودوا يرون أي دعم عند اللات أو العزى ولاغيرها، إذ رمت بهم الأقدار في البادية، هؤلاء خاب أملهم في كل تلك الآلهات، ولم يصدقوا أنها غير قادرة على مساعدتهم بأي شيء، وهنا يقول الدكتور فيودور ليسيتسين، جاءت التغييرات الدينية الشاملة، لأن النظام السابق لم يعد يلائم الكثيرين. ونعلم أن المسيحية كدين جديد غزت روما على النحو نفسه، لكن بطريق آخر، إذ كان هناك انقسام طبقي وفئوي في منظومة السلطة العليا، كما أن أزمات داخلية اجتماعية وسياسية هزت روما الوثنية،ولاشيء أفضل من انتشار دين جديد عوض أزمة في النظام القديم. وأوضح أن فكرة النبي محمد لجمع الصداقات الإلزامية يعني الزكاة من أجل أعمال الخير، لعب ذلك دورا كبيرا، على خلفية ماكان الناس يعيشونه من فقر جراء موجات الوباء ،وتوقف قوافل التجارة ،لاسيما أن أعمال البر والإحسان لم تكن موجهة فقط لمصلحة جماعة النبي محمد، بل لمصلحة كل الذين يتحالفون معه، وهذا التخلي الإلزامي عن جزء من الغنيمة والممتلكات قوبل بمشاعر إيجابية من طرف الكثير من الناس المظلومين، وفهم الجميع أن أنصار هذا الدين يضعون مصلحة المجتمع فوق المصلحة الشخصية. الوباء العظيم وأزمة النظام الإقطاعي وبداية ظهور الرأسمالية في أوربا الوباء العظيم أو الموت الأسود، الذي ظهر في القرن 14الميلادي، تسبب في ظهور سوق اليد العاملة الحر، ،كان الوضع قبل ذلك في أوربا مغايرا، حيث الفنون والحرف تتطور، وهناك مهرة ينفذون أعمالا جد معقدة، يقول الدكتور فيودور ليسيتسين، وكانت مصانع الحرير يعمل فيها مئات العمال،وكان هناك تقسيم للعمل، لكن لم يكن ذلك نموذجا رأسماليا، بل كانت حرفا موروثة، وكان معظم فلاحي أوربا قد ناولوا حريتهم الشخصية، ومع ذلك بقوا يؤدون بعض فرائض الطاعة للإقطاعية، فمقابل استئجار الأرض، كانوا يدفعون جزءا لمالكها،وجزءا آخر كان يدفع كإتاوات أيضا، لكن نظام الإرث كان ساري المفعول، الإقطاعي يملك والعامل يعمل، وليس صدفة يقول الدكتور الروسي فيودور ليسيتسين، ظهور المقول السائدة آنذاك «إن عبد الرب المثالي، هو الذي يحارب ويتعبد ويعمل «،في هذا العالم المتوازن، جاء الطاعون ولم يرحم أحدا، حيث توفي بسببه وفق أكثر التقديرات تفاؤلا ربع السكان، بعد الطاعون الأسود، أحس أصحاب الحرف بنقص في اليد العاملة، في حين غير الكثير من العاملين حرفهم، وبدأ البحث عن أيدي عاملة فائضة وأماكن عمل شاغرة، ومن هناك لم يعد يسمع عن توارث المهن، إذ كان الناس يتشبثون بأي عمل ويمضون إلى حيث تعرض عليهم شروط أفضل، وقد مس الأمر أيضا الفلاحين، وكان باستطاعتهم العمل في الأرض لصالح الإقطاعي والحصول على ثلثي المحصول أما المالك في المدينة ، فيعرض عليهم مبلغا ماليا كأجر وإمكانية حصولهم على خمر حقيقي وخبز جاهز دون عناء إضافي، ونظرا لأن اليد العاملة الفائضة لم تكن كافية، بدأت الإغراءات لاستقطاب العاملين، وهكذا ظهر سوق العمالة، وبدأ العاملون يقدرون قيمة خدماتهم، وبدأوا يختارون مابين أن يتجهوا لجز الصوف أو صيد السمك ويبحثون عمن يدفع أكثر، فالمهنة الواحدة لاتدوم أبدا، كل هذا نخر النظام الإقطاعي ،حيث بدأ العالم يتصدع وبدت التغيرات الاجتماعية متفاوتة حسب التضرر من الوباء. أصاب الطاعون المنطقة المسيحية وهي منطقة الحوض المتوسط إصابة شديدة، ثم مضى نحو شمال أوربا فالشرق الأدنى والأوسط، بعد طاعون القرن 14أصبح الغرب يتطور عن الشرق، في حين كان هذا الأخير يتطور بدينامية أكبر، لقد تحمل ضربات الصليبيين المتكررة وطردهم خارج أرضه، بل اكتشف الصليبيون أن ثقافة الشرق الأدنى أرفع من ثقافتهم في أوربا، لكن بعد الطاعون أصبحت أوربا تتطور بوتيرة أعلى. وعن القراءات التي يقدمها «المتدينون» بشكل عام لهذا الوباء، كما برزت مع ظهور فيروس كورونا المستجد، يقول الدكتور الروسي فيودور ليسيتسين، في طاعون القرن 14 الذي تزامن مع بداية عصر النهضة، بدأت الأفكار تتغير وأصبح التهكم بسبب الإحباط من صلوات القساوسة، ولم يعد الناس يثقون في صلواتهم، ومقارنة مع يومنا هذا، بدا أن فيروس كورونا المستجد يتفشى أكثر بين المتدينين، كما أن بعض المتشددين المسلمين في إيران تحديدا يعتقدون أن الفيروس لايصيب المسلمين الحقيقيين، كما هو الشأن أيضا في روسيا ، حيث العشرات من القساوسة أصيبوا بهذا الوباء، في البداية يعول المؤمنون على الرب لينجيهم من الأوبئة، وحينما يخيب ظنهم تبدأ مرحلة الصحوة والشك، وماحدث في إيران أدهشني كثيرا، حيث رأينا كيف توجه الناس إلى الأماكن المقدسة طلبا للحماية، وكان ثمن هذا السلوك باهظا. ارتباطا بالماضي، يقال إن فيروس كورونا امتحان وعقاب من الرب، وقديما كان القساوسة يكررون نفس الكلام، بل كان يموت الكثير من الأطفال ومن الناس الصالحين لاذنب لهم، ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه، ويموت رجال دين محترمون، ويجب القول إن الكهنة والأطباء كانوا يجدون أنفسهم في مواجهة رأس الحربة، وهم يساعدون الناس حتى الرمق الأخير، فالشخص الطيب يتلقى الضربة ويلقى حتفه، طبعا تحدث حالات حظ كما هو الشأن مع أحد أطباء الطاعون في مارسيليا، والذي عرف أكثر كعراف، يفسر الدكتور الروسي ذلك، ربما أنه كسب مناعة مطلقة، وتوجد هناك نسبة من الناس الذين يتمتعون بمناعة مطلقة ضد أي عدوى، وإلا كنا جميعا انقرضنا منذ أول وباء.
المصدر: جلال كندالي نشر في الاتحاد الاشتراكي

