حذر ادريس جطو رئيس المجلس الأعلى للحسابات، في العرض الذي قدمه حول أعمال المحاكم المالية، خلال الجلسة العامة المشتركة التي عقدها مجلسا البرلمان مساء الثلاثاء من 4 مخاطر كبرى تهدد التوازنات المالية والاقتصادية للبلاد، تتلخص في تفاقم عجز الخزينة وارتفاع الدين العمومي واختلال الحسابات الخارجية وعجز أنظمة التقاعد.
وفي هذا السياق حذر ادريس جطو الحكومة من تفاقم هذا عجز الخزينة الذي وصل سنة 2018 إلى 41,35 مليار درهم أي ما يعادل 3,7 % من الناتج الداخلي الخام، بعد أن كان في مستوى 3,5 % سنة 2017. موضحا أن الرصيد العادي للميزانية كأحد مكونات هذا العجز انخفض بدوره، حيث لم يساهم في تغطية نفقات الاستثمار إلا بنسبة 31,5 % خلال سنة 2018 عوض حصة فاقت 36% برسم السنة التي سبقتها. ولاحظ رئيس المجلس أن هذا التراجع يأتي بعد عدة سنوات من التحسن التدريجي لعجز الخزينة خلال الفترة من 2012 إلى 2017 متأثرا بانخفاض المداخيل الاستثنائية المتأتية من معونات دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك بالرغم من استمرار التحسن الملحوظ للمداخيل الجبائية خلال السنوات الخمس الأخيرة. أما الخطر الثاني الذي حذر منه رئيس المجلس الأعلى للحسابات أول أمس، فيتعلق بالمستوى المرتفع للدين العمومي ووتيرته التصاعدية كنتيجة لتفاقم عجز الخزينة، إذ تزايد حجم دين الخزينة بأكثر من الضعف منذ 2009 حيث انتقل من 345.20 مليار درهم ليبلغ مستوى 750.12 مليار درهم مع نهاية 2019 بما يمثل 65,3 % من الناتج الداخلي الخام وبزيادة تناهز 27,4 مليار درهم مقارنة مع سنة 2018. وتدل هذه المعطيات على أن الهدف المتوخى لبلوغ مستوى من الدين يناهز 60% من الناتج الداخلي الخام في أفق 2021 أصبح أمرا صعب المنال. أما عن جاري الدين العمومي الكلي، أي دين الخزينة بالإضافة إلى ديون المؤسسات والمقاولات العمومية المضمونة من طرف الدولة، دون احتساب ديون الجماعات الترابية والديون غير المضمونة، فقد بلغ ما قدره 901,1 مليار درهم أي ما يمثل 81,4 % من الناتج الداخلي الخام. ويرى المجلس أن تدبير الدين المضمون، نظرا لحجمه المتزايد وتداعياته المحتملة على المالية العمومية، يستوجب توفير معطيات شاملة عنه، وكذا حول المعايير المعتمدة لتفعيله خاصة ضمن الوثائق المرفقة بمشروع قانون المالية. وبعد مخاطر عجز الخزينة والدين العمومي، حذر ادريس جطو كذلك من مخاطر العجز التجاري للبلاد الذي أفرز اختلال الحسابات الخارجية، معتبرا أنه على الرغم من النتائج الإيجابية التي سجلت خلال السنوات الأخيرة من خلال تنامي الصادرات في العديد من القطاعات كالفوسفاط ومشتقاته والمنتجات المرتبطة بالمهن العالمية للمغرب والمنتوجات الفلاحية، فإن عجز الميزان التجاري يعرف تفاقما متزايدا نتيجة ارتفاع الواردات خاصة تزايد الفاتورة الطاقية والمشتريات من سلع التجهيز. وعلى الرغم من ارتفاع الاستثمارات المباشرة الأجنبية التي وصلت إلى47,4 مليار درهم بفضل تسجيلها لمداخيل استثنائية، وكذا من خلال شبه الاستقرار لمداخيل السياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، وأخذا بعين الاعتبار للتدني الملحوظ لهبات دول مجلس التعاون الخليجي، فقد تفاقم عجز الحساب الجاري لميزان الاداءات، لينتقل من 3,4 % إلى 5,5 %من الناتج الداخلي الخام. وعلى مستوى احتياطاتنا من العملة الصعبة، يقول جطو، فقد سجلت بعض التنامي خاصة على إثر اللجوء مؤخرا إلى السوق الدولي حيث أمكن للخزينة تعبئة 1 مليار يورو مما جعل حجم هذه الاحتياطات يصل إلى 239,6 مليار درهم عند نهاية شهر نونبر 2019 مقابل 230.9 مليار درهم في نهاية سنة 2018 مع شبه استقرار لمؤشر تغطية الواردات أي ما يفوق بقليل خمسة أشهر من واردات السلع والخدمات. ويرى المجلس بهذا الخصوص أن اللجوء إلى الاستدانة يقتضي الحرص على التحكيم بين الدين العمومي الداخلي والخارجي على أساس مؤشرات التكلفة والمخاطر بما يتيح توفير الاستقرار لتمويل الخزينة وكذلك تأمين احتياطاتنا من العملة الصعبة في مستويات مقبولة. ويعتبر المجلس أن ضمان توازن واستدامة الحسابات الخارجية لبلادنا يستلزم المزيد من الجهود لضبط تزايد وتيرة النفقات العمومية ذات التأثير المباشر وغير المباشر على عجز الحسابات الخارجية. كما يوصي المجلس بوضع خطلة شاملة، بشراكة مع الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين قصد توفير الظروف المواتية لتنويع وتجويد العرض التصديري ومساعدة النسيج المقاولاتي على الاندماج بشكل أكبر في سلاسل القيمة المرتبطة بالتصدير، والانفتاح على أسواق جديدة والرفع من نسب الاندماج الصناعي والزيادة في القيمة المضافة المحلية للصادرات. واعتبر جطو أن هذه التوجهات يمكن أن تشكل أرضية ملائمة للنقاش بين مختلف الفاعلين في هذا المجال. كما أن الإصلاحات الجارية المتعلقة بالجهوية المتقدمة والمراكز الجهوية للاستثمار، وما يواكبها في مجال اللاتمركز، تعد من الأوراش الواعدة التي يتعين توظيفها من أجل بلوغ هذه الأهداف طبقا لما خلصت اليه المناظرة الوطنية الأولى للجهوية المتقدمة المنعقدة أواخر دجنبر المنصرم. أما الصنف الرابع من المخاطر التي حذر منها ادريس جطو فيرتبط بإشكالية ديمومة أنظمة التقاعد التي لا تزال مطروحة. فقد بلغ العجز التقني للنظام المدني لمعاشات الصندوق المغربي للتقاعد مع متم سنة 2019 ما مجموعه 5,24 مليار درهم بعد أن سجل 6 مليار درهم سنة 2018 و 5,6 مليار درهم برسم سنة 2017، كما تراجعت احتياطاته إلى 75.9 مليار درهم. ويعرف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بدوره نفس الوضعية ولو بحدة أقل في حين يسجل النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد فائضا تقنيا ضئيلا لا يتجاوز 1 مليون درهم إثر ارتفاع موارده ارتباطا بتزايد أعداد المنخرطين. وبالتالي فإن توازنات الصناديق الثلاثة للتقاعد قد تواجه مخاطر متزايدة. وقد نبه جطو إلى عدم التفاعل مع تحذيراته السابقة بهذا الخصوص وقال « لقد سبق لي من خلال مداخلاتي السابقة أمام مجلسيكم الموقرين أن تناولت بالتفصيل وضعية هذه الصناديق والمخاطر الكبيرة التي تمثلها مؤشرات العجز على توازن المالية العامة، غير أنه لحد الآن لم يتم الشروع بعد في المراحل الموالية للإصلاح في اتجاه إحداث قطب موحد للقطاع العمومي يستجيب لشروط التوازن والاستدامة ولقواعد الحكامة الجيدة. لذا أود ان أؤكد مرة أخرى أن الأمر يستدعي تدخلا حاسما لتسريع وتيرة الإصلاح قصد تفادي نفاد الاحتياطيات وأثره السلبي على ديمومة أنظمة التقاعد وعلى الادخار وتمويل الاقتصاد الوطني.
المصدر: عماد عادل نشر في الاتحاد الاشتراكي

