يبدو الأفق الأوروبي يساريا بامتياز، تستعيد فيه القيم الإنسانية النبيلة وهجها، والفكر الاقتصادي المبني على العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة وردم الهوة بين الطبقات بريقه .
الأفق الأوروبي، الذي تتشكل ملامحه،اليوم، يستقطب ناخبين ومفكرين ووسائل إعلام، بعد أن اتضح أن الليبرالية وفكرها استنزفت المواطن وأثقلته بسياسات التقشف وميزانيات الضرائب وإجراءات تسريح الشغيلة وإغلاق المصانع.
في أوروبا، بدأت تتسع جبهة مواجهة الليبرالية، التي اعتمدت على مؤسسات مالية قارية ودولية، لفرض برامج واشتراط سياسات، لتقديم القروض وسدادها بل ومجالات توظيفها .
الجبهة اليسارية، تستقطب الأجيال
الجديدة
من شباب أوروبا، الذي اكتوى بنار البطالة وجشع الحكومات الليبرالية، التي أنعشت اليمين، ووسعت من تواجد قواه المتطرفة ووصولها إلى المؤسسات المنتخبة والتنفيذية، الشيء الذي برز معه شبح أوروبا المتحاربة الممزقة بأنهار دمائها وكثبان جثثها .
هي عودة اليسار إذن، الذي ولد من معاناة الإنسانية، وضد استغلالها، ومن أجل كرامتها . لذلك، نجد -اليوم- هذا الإصرار اليوناني، الذي تفرزه صناديق الاقتراع بالتشبث باليسار وبتحالف قواه، من أجل الخروج من أزمة، لم تمس عيش المواطن فقط، ولكن أيضا تهدد وحدة الوطن وتماسكه وتضعه على حافة الإفلاس.
انتخابات أول أمس، التي عرفها بلد سقراط وأفلاطون، أكدت من جديد ،وفي أقل من سنة، أن الناخب، يتجه إلى اليسار فكرا وأفقا، لإعادة صياغة أوضاع اجتماعية أكثر إنسانية وعدلا .
انتخابات أول أمس، كانت بمثابة استفتاء، جدد فيه الناخبون ثقتهم في ائتلاف اليسار المنضوي تحت لواء «سيريزا»، وفي توجه زعيمه الشاب تسيبراس، الذي يخوض مواجهات مفتوحة مع المؤسسات المالية الأوربية وآلياتها السياسية.
في
بريطانيا
، التي أنهكت ليبرالية يمينها المتوحشة المجال الاجتماعي ووسعت من دوائر فقره، شهد حزبها اليساري، حزب العمال، انتخاب شخصية يسارية متشبثة بالقيم النبيلة لليسار، ليقطع بذلك مع نهج انزلق إليه هذا الحزب، الذي تأسس في بداية القرن العشرين، حيث انتهج في العقدين الماضيين سياسة اقتصادية رأسمالية، انحاز -خلالها- إلى منطق السوق بدل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية .
ووصول جيرمي كوربين قبل أيام إلى قيادة الحزب، إنْ هو سوى بداية بناء أفق جديد لهذه القوة السياسية البريطانية، التي تشكل الجبهة الرئيسية لمواجهة الليبرالية في سائر تمثلاتها. وكما في اليونان
وبريطانيا
هناك عودة الروح لأحزاب اليسار الأوروبية، حيث شرعت في إعادة النظر في علاقاتها المجتمعية وتصوراتها السياسية وبرامجها الانتخابية ، خاصة وأن مشاكل القارة العجوز -اليوم- ليست كتلك التي تولدت بعد الحرب العالمية الأولى أو الثانية . وإعادة النظر هاته، تتأسس على خيار تعزيز الحقوق الاجتماعية والاقتصادية في أبعادها الإنسانية، أبعاد المساواة والكرامة والسلم وحقوق الإنسان، أكان أوروبيا أم مهاجرا .
ثمة أفق أوروبي يتشكل -يوما على صدر يوم- فضاؤه اليسار، الذي يتجدد ويضخ دماء فكرية وتنظيمية جديدة لآلياته ، وقيمه ومبادئه، هي المؤمنة بالإنسان وحقوقه الكونية غير قابلة للتجزيئ.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

