لم يكن حكم الحسن الثاني مرحبا به في الكثير من المحطات، خصوصا تلك التي أعقبت توليه العرش وما رافق ذلك من اعتقالات واختطافات، ستنتهي بالإعلان الرسمي عن حالة الاستثناء التي وضع الملك بعدها كل السلط في يده. لذلك تعرض لأكثر من محاولة انقلاب تحدث البعض عن كونها قاربت العشرين محاولة، لم يكتب لأي منها النجاح.
وبين انقلاب الصخيرات في 1971 ومهاجمة الطائرة الملكية في غشت 1972، وقع توافق كبير بين إرادتي الجنرال أوفقير، الذي كان يردد أنه يريد أن يسحق الحسن الثاني، وإرادة الزعيم الاتحادي عبد الرحيم بوعبيد، المكتوي بنار الملك الذي استحوذ على الحكم وأصبحت كل السلط مركزة بين يديه، لإنهاء حكم الملك. انضاف إليهما كل من المقاوم حسن صفي الدين الأعرج، والمستشار الملكي ادريس السلاوي. هذا الرباعي الذي رتب لانقلاب من نوع خاص لن تطلق فيه أي رصاصة، ولن يسقط فيه ضحايا كما حدث في الانقلابات السابقة.
سيرة الانقلاب، والترتيبات التي سبقته، والتي تعيد «المساء» تركيب حلقاتها في هذه السلسلة، كانت تهدف إلى اختطاف الملك الحسن الثاني بواسطة طائرة مروحية، ثم تشكيل مجلس وصاية إلى أن يصل ولي العهد إلى سن الرشد، على أن يتولى مستشاره ادريس السلاوي مهمة رئاسة الدولة.
حينما كانت طلقات أمقران تقصف الطائرة التي كانت تقل الحسن الثاني عائدا من باريس في السادس عشر من غشت من سنة 1972، وتحاول إرغامها على النزول فوق أرضية مطار القنيطرة لاستكمال مشروع دفع الملك للاستقالة ووضع مجلس وصاية، كان المرشح لمنصب رئاسة هذا المجلس ورئاسة الدولة، في انتظار أن يكمل ولي العهد سن رشده، يوجد في الطائرة نفسها.
إنه إدريس السلاوي، مستشار الحسن الثاني، الذي روى بعض مرافقي الملك على نفس الطائرة أنهم سمعوا كلاما غاضبا منه حينما أبدى مخاوفه من أن تتعرض عائلته لليتم. وأضافوا إلى ذلك أن الملك الحسن الثاني كان يطمئن الجميع بأن الرحلة ستمر بسلام. ولم يعر، في غضون ذلك، أي اهتمام لتلك الانتقادات، فقد كان يعرف أن الضعف يمكن أن يتمكن من المرء في لحظات معينة.
الأكيد هو أن ادريس السلاوي لم يفهم وقتها ما يقع. وكيف يجرؤ الجنرال أوفقير على قصف الطائرة التي كان يوجد بها، وقد تواعدا أشهرا قبل هذا الموعد، رفقة عبد الرحيم بوعبيد وصفي الدين الأعرج، على أن تؤجل عملية اختطاف الملك إلى الثالث من مارس من السنة الموالية، بعد أن تعذر عليهم اختطافه في هذه السنة.
لقد عرف عن إدريس السلاوي، الذي انطلق رجل أمن بعد عودته من باريس التي درس بها الحقوق، تعاطفه مع مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وقد تكون قرابته مع الدكتور محمد الحبابي، الذي سيتحمل مسؤوليات في الحزب، والذي يعتبره أخا له في الرضاعة هي التي سهلت هذا التعاطف. لذلك عرف عنه أنه لم يكن مرتاحا لتزايد نفوذ حزب الاستقلال في البدايات الأولى للإستقلال. بل إن خصومه من بين الاستقلاليين وغيرهم كانوا يؤاخذونه على أن الفترة التي تولى فيها كتابة الدولة في الداخلية ساعدت الاتحاد الوطني على احتلال المرتبة الأولى في الانتخابات الجماعية الأولى في التاسع من ماي من سنة 1960، قبل دستور 1962. لذلك لم يتقبل حزب الاستقلال تراجع حضوره إلى مرتبة أدنى، خصوصا في ضوء استمرار تداعيات انشقاق 1959.
ومن المحطات المثيرة لإدريس السلاوي، وهو وقتها وزير للمالية، أن واجه محمد الدويري في مواجهة تلفزيونية سنة 1963، الذي قدم وثيقة وشرع في عرض أرقامها ذات الطابع الرسمي للدلالة على تراجع القطاع وعدم وفاء الحكومة بالتزاماتها، حينما انقض في وجهه، ونزع تلك الوثيقة من بين يديه، ثم صاح أن هذه وثيقة رسمية، وليس من حقك أن تستعملها وأنت لم تعد وزيرا، قبل أن يسأله كيف حصل عليها.
كانت خلفيات الحادث، هو أن إدريس السلاوي كانت له ميولات أقرب إلى التعاطف مع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ولم يكن يخفيها مثل المستشار عبد الهادي بوطالب. وهذه واحدة من بين أسباب أخرى هي التي ظلت تجعله مقربا من الزعيم الاتحادي عبد الرحيم بوعبيد، الذي سيخطط معه لانقلاب الثالث من مارس من سنة 1972، الذي لم يكتب له النجاح.
انطلق إدريس السلاوي عميدا للشرطة، بعد أن أقنعه الغزاوي بالانخراط في الأمن. وقد تكون هذه الفترة التي قضاها مسؤولا أمنيا في الدار البيضاء، هي التي قربته من الجنرال أوفقير، الذي سيشغل بعد ذلك مهام وزير للداخلية. غير أن طموح السلاوي لم يتوقف عند محطة الأمن، ولكنه سيمتد إلى شغل مهام وزارية مع الحكومات الأولى لما بعد استقلال المغرب.
لقد اختير وزيرا في حكومة أحمد بلافريج مكلفا بكتابة الدولة في الداخلية. ثم وزيرا للتجارة والصناعة والملاحة التجارية في الحكومة التي تلتها. أما حينما اعتلى الحسن الثاني العرش، فقد أسندت لإدريس السلاوي وزارتا الداخلية والفلاحة. ثم وزارة المالية حينما تم تشكيل حكومة جديدة، شغل فيها المحجوبي أحرضان وزارة الدفاع، والدكتور عبد الكريم الخطيب مهام الوزارة المكلفة بالشؤون الإفريقية.
سينضاف الاقتصاد إلى وزارة المالية ثم الفلاحة إلى صلاحيات إدريس السلاوي، في حكومة الحاج أحمد اباحنيني التي تولى فيها احمد رضا اكديرة حقيبة الخارجية.
لم يكن إدريس السلاوي يميل أكثر إلى الطروحات القانونية، في الوقت الذي ظل يزاوج فيه بين الملفات القانونية والسياسية، خصوصا في جانبها المتعلق بالحوار مع الزعامات السياسية.
غير أن اسم إدريس السلاوي سيبرز قبل ذلك في مهمة دقيقة عندما تولى مسؤولية المندوب الدائم للمغرب في الأمم المتحدة، في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي، حيث كانت المرحلة صعبة ودقيقة، وكان ملف الوحدة الترابية للبلاد في طريقه إلى أن يصبح محور كافة الانشغالات.
حينما سئل المستشار إدريس السلاوي مرة، لماذا غضب من أحد الوزراء، الذي كان يعتبر من أبرز أصدقائه، رد بالقول إنه ينقل فقط غضب الآخرين، أما هو فلا يغضب. وكان يعني بذلك الحسن الثاني الذي خطط للإنقلاب عليه، والجلوس على نفس المقعد الذي جلس عليه الملك باعتباره الرئيس المفترض للدولة ولمجلس الوصاية.
شكل رفقة عبد الهادي بوطالب وأحمد رضا اكديرة وأحمد بن سودة، الرباعي الذي اختاره الحسن الثاني لمهام الاستشارة الملكية. غير أنه كان أقربهم إلى قلب الملك، الذي ظل يعطف عليه كثيرا، رغم أن الرجل كان كتوما لدرجة كبيرة حيث ظل يفضل أن يفاتح الحسن الثاني في القضايا المالية والاقتصادية التي كلف بها، على انفراد.
قد يكون هذا الصمت، الذي عرف به إدريس السلاوي، هو الذي ساعده على الاحتفاظ بسر الإنقلاب على الملك، رفقة بوعبيد والأعرج وأوفقير. وهو السر الذي ظل يحتفظ به إلى مماته، على الرغم من أنه لم يقطع صلته، بعد فشل محاولات إسقاط نظام الحسن الثاني، برفاقه في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، والإتحاد الاشتراكي بعد ذلك إلى درجة أن دعوة عبد الرحمان اليوسفي ليقود حكومة تناوب 1998 مرت عبر إدريس السلاوي المستشار الملكي، وليس رئيس مجلس الوصاية.

