إنسان الفكر والحركية هو رجل الانطلاقة والحملة الحركي المخطط الذي يقوم ويقعد على خفقان شد العالم بالنظام مجدداً، ويمثل حركة إقامة صرح الروح والمعنى من جديد بعدما آل إلى السقوط ومنذ عصور، ويُفسر قيمنا التاريخية كرة أخرى، ويستخدم بمهارة مكوك الإرادة والمنطق في الفكر والحركة، وينقش على قماش روحنا ومعنانا زخارف مستظرفة وجديرة تناسبنا..
فهو في خط الحياة الممتد على مدى فصولها من الحس إلى الفكر، ثم إلى الحياة العملية، يتنفس النظام دوماً، وينشغل بحس البناء والإنشاء أبداً. إنه وليّ الحق اللدني الذي يُعِدّ “قادة أركان” الروح ومهندسي العقل وعمال الفكر، بدلاً عن استخدام القوة المادية لفتح البلاد ودحر الجيوش، وينفخ بلا كلل نَفَس البناء والإعمار فيمن حوله، ويرشد أعوانه إلى سبل عمران الخرائب. وليٌّ للحق جياش بالشوق والشكر، استطاع أن يوحد إرادته مع المشيئة المطلقة، وأن يحول فقره إلى الغنى، وعجزه إلى القدرة عينها. إنه لا يقهر أبداً ما دام يستخدم مصادر قوته هذه كما ينبغي وبحس الإخلاص والوفاء لصاحبها. وحتى حين الظن بأنه قد هُزم، فستجده على رأس فوج آخر للنصر والظفر. وقد تجد إنسان الفكر والحركية ابناً باراً للوطن، أو إنساناً حركيا ذا بُعد فكري، أو رجلاً متفانيا في العلم، أو فناناً مبدعاً داهية، أو رجل دولة، أو رجلاً يجمع كل هؤلاء فيه. وفي العصر الأخير ظهر كثير من رجال الفكر والحركية يمثلون قسماً من هذه الصفات. فمنهم من سبق فكره عمله الحركي، ومنهم من تبارى فكره مع عمله الحركي، ومنهم رجال حركة فكرهم مكنون ومخزون. رجال في استقامة مديدة يشعون ضياء، منهم أحمد حلمي فيليبه لي، ومصطفى صبري، وفريد قام، ومحمد حمدي يازر، وبديع الزمان سعيد النورسي، وسليمان أفندي، ومحمد عاكف، ونجيب فاضل. ولا يسع المقام هنا حتى لذكر تواريخ الولادة والوفاة لهذه الكثرة من الأسماء المباركة. لذلك نمر سراعاً بعناوين نفرٍ من أبطال الحقيقة أولئك، حتى لا نتجاوز أغراض المقال: أحمد حلمي فيليبه لي: ولد في مدينة فيليبة ببلغاريا. كان أبوه سفيراً. بدأ التعرف على المعارف وعلى العصر بالدراسة في “سلطانية غلاطة سراي”. ثم أقام في إزمير وتوظف في بيروت . وهنا اتصل بعناصر “تركيا الفتاة” فتبعه النفي والإبعاد إلى “فيزان”. ثم دعي إلى إستانبول بعد “المشروطية” (الدستور). فرفع راية فكر “الاتحاد الإسلامي”، وإصدر مجلة بهذا الاسم لنشر أفكار هذه الجمعية… وبعد ذلك جريدة “الحكمة” اليومية والتصدي لجمعية “الاتحاد والترقي”، ثم مجلات وجرائد أخرى… والقيام مدة بوظيفة أستاذ الفلسفة في دار الفنون (الجامعة). ثم قتل بالسم في عمر يحسب على الشباب من قبل أعدائه الألداء الماسونيين بالظن الغالب. إن الآثار والكتابات التي تركها رجل الفكر والحركة الذي ألقينا على حياته نظرة سريعة، لا زالت تنتظر دراساتٍ أكاديمية.
المصدر: التجديد نشر في التجديد

