تلخص هذه المفارقة جزءاً كبيراً من المعادلة العقارية الإفريقية. فعلى الرغم من أن القارة تمتلك أصولاً تُقدر بـ 17.6 تريليون دولار، إلا أنها لا تمثل سوى 2.7% من القيمة العقارية العالمية التي تصل إلى 650.4 تريليون دولار. غير أن مسار نموها الأسرع يبعث على التفاؤل، حيث يتوقع تقرير الاستثمار العقاري في إفريقيا أن ينمو السوق سنوياً بنسبة 5.58% بين عامي 2025 و2029، مقارنة بـ 3.39% في أمريكا الشمالية، و2.86% في أوروبا، و2% في آسيا.
هذه الفجوة لا تعكس فقط ظاهرة المضاربة بل تشير أيضاً إلى الحاجة الملحّة لتدارك الوضع، مدفوعة بتحولات ديموغرافية وعمرانية كبيرة في القارة.
من المتوقع أن يبلغ عدد سكان المناطق الحضرية في إفريقيا حوالي 652 مليون نسمة في عام 2025، ليصل إلى 1.5 مليار نسمة بحلول عام 2050. كما ستزداد نسبة الأفارقة الذين يعيشون في المدن من 44% إلى 60.4%. بمعنى آخر، سيكون على سوق العقارات استيعاب النمو الديموغرافي، والهجرة نحو المدن، والتوسع المادي للمدن الكبرى.
يرتبط هذا التحول بشكل مباشر بالعجز في المساكن، حيث تعاني دول مثل نيجيريا من نقص يقارب 28 مليون وحدة سكنية في عام 2024، بينما يعاني بلد مثل غانا من نقص يصل إلى 1.8 مليون وحدة. وتكون هذه الفجوة ذات طابع اجتماعي اقتصادي، تؤثر بشكل خاص على فئة السكن الاجتماعي والمتوسط، مما يطرح كحدد للمنعشين القادرين على الإنتاج بكلف تتناسب مع دخل الأسر.
نمو الطبقة المتوسطة يعزز من قاعدة الطلب، ومن المتوقع أن يصل عدد هذه الطبقة إلى 500 مليون شخص في عام 2030. لم يعد الأمر يقتصر على عدد الوحدات السكنية فقط، بل أصبح موقع الوحدة، وسهولة الوصول إلى وسائل النقل، وقربها من المدارس والخدمات الصحية، كفاءة الطاقة وجودة الإدارة، أموراً حاسمة لتقييم الأصول العقارية.
توضح البلدان مثل نيجيريا، التي تسيطر على السوق القارية بقيمة تصل إلى 2.6 تريليون دولار، السباق، حيث تأتي بعدها مصر بـ 1.6 تريليون، ثم إثيوبيا بـ 1.3 تريليون، وجنوب أفريقيا بـ 1.2 تريليون. بينما تسجل كينيا 773 مليار دولار وغانا 533.3 مليار دولار. كما يتوقع التقرير نمواً سنوياً بنسبة 6.9% للسوق النيجيرية بين 2025 و2029 و5.1% لكينيا.
الجاليات ودورها في التمويل العقاري
تعتبر الجاليات جزءاً مهماً من مصادر السيولة في السوق العقارية الإفريقية. حيث بلغت تحويلات الجاليات الإفريقية 96.4 مليار دولار في عام 2024، وهذه التحويلات تساهم في تمويل شراء المساكن والأراضي، وتعزيز القدرة الشرائية للأسر.
هذه الظاهرة تظهر بشكل خاص في الأسواق الكبرى، حيث سجلت نيجيريا 19.8 مليار دولار من التحويلات، وكينيا 4.8 مليار، وغانا 4.6 مليار. تأتي هذه التدفقات في وقت تُعاني فيه هذه الدول من عجز عقاري كبير: 28 مليون وحدة في نيجيريا، و2 مليون في كينيا، و1.8 مليون في غانا.
تلعب الجاليات دوراً مزدوجاً في دعم القدرات المالية لبعض الأسر، مع رفع الطلب على المساكن المتناسبة مع الدخول المتواضعة. تساهم التحويلات في شراء العقارات على الخريطة، وضمان القروض العقارية، وشراء المساكن المتوسطة، مما يجعلها مصدر نقد أجنبي حيوي في ظل تقلبات الأسواق.
كما يعتبر القطاع العقاري مهماً للاقتصاد في عدة دول، حيث يمثل العقار، وفقاً للإحصائيات، 21.3% من الناتج الداخلي الخام في جنوب إفريقيا، 10.3% في كينيا، و5.2% في نيجيريا. تشير التوقعات إلى أن البناء سيشكل عنصراً حيوياً في استثمارات القطاع، مما يساعد في توزيع الإنفاق على عدة فروع اقتصادية.
تجد الفرص أيضاً في الأصول المرتبطة بعملية التحولات البنيوية في الاقتصادات الإفريقية، مثل المستودعات الحديثة. حيث وصل متوسط نسبة شغل العقار في النصف الأول من عام 2025 إلى 83% عبر القارة، مع 96% في جنوب إفريقيا، و95% في مصر، و85% في نيجيريا، و83% في كينيا. تتسبب زيادة التجارة الإلكترونية والإنتاج الإقليمي في رفع الحاجة إلى منصات توزيع، بينما يظل المعروض من المباني اللوجستية عالية الجودة محدوداً.
كما أن الطلب على سكن الطلبة يتزايد، حيث تتراوح نسبة الشغل في المساكن المتخصصة في لاغوس بين 88% و96%، بينما وصل في جوهانسبرغ إلى حوالي 98% أيضاً. يساهم الشباب ونقص العروض التجارية في خلق دخل إيجار منتظم في بعض الأسواق.
السكن الفاخر وتحديات السوق
هيكلة الطلب في السوق العقاري ليست متساوية. وقد ارتفع متوسط التضخم الإفريقي من 16.9% عام 2023 إلى 18.7% في عام 2024، قبل أن ينخفض مجدداً إلى 13.8% في عام 2025. بينما بلغ النمو الاقتصادي 3% و3.3% و3.9% على التوالي. يتزامن هذا مع تزايد تكاليف البناء وتدهور العملات، مما يقلل من القدرة الشرائية للأسر.
تظهر نيجيريا كمثال على هذا التوتر، حيث ارتفعت إيجارات المكاتب في لاغوس بنسبة تصل إلى 150% إلى 200% بالعملة المحلية، مأخوذةً بعين الاعتبار الانخفاض في قيمة صرف العملة، بينما يبقى معدل شغل العقار عند 77%. في نفس السياق، يعاني السوق من نقص في تخصيص الرأسمال بشكل صحيح، مما يجعل المشاريع السكنية الفاخرة قد تبقى فارغة جزئياً في وقت تعاني فيه العديد من الأسر من نقص السكن الملائم.
الانخفاض المحتمل في عائدات الإيجارات وتباطؤ ارتفاع أسعار الأصول تشير إلى تهدئة قد تحدث في قمة السوق. الأمر المؤسف هو أن الولوج إلى التمويل يبقى محدوداً، حيث لا يتجاوز معدل انتشار القروض العقارية 5% من الناتج الداخلي الخام في معظم الاقتصادات الإفريقية، بينما لا تصل كينيا إلى 1.86% فقط.
وبالتالي، فإن الطلب السكاني القوي لا يتحول تلقائياً إلى طلب قادر على السداد. هذه نقطة أساسية يجب أن نأخذها بعين الاعتبار: قد تعاني إفريقيا من نقص هائل في السكن وفي الوقت نفسه تواجه إفراطاً في الإنتاج في بعض القطاعات. بينما يبقى السعر وطبيعة المدخلات أهم المحددات.
تحاول الحكومات التغلب على هذه الفجوة من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتوفير ضمانات الرهن العقاري، وتبادل العقارات. من المهم أيضاً أن تساهم الاستثمارات في النقل والكهرباء في تحسين جدوى المشاريع العقارية.
عدم توازن الأسواق المالية
يُعتبر التحول نحو التمويل المؤسساتي من الضروريات الملحة. حيث تسمح صناديق الاستثمار العقاري بتحويل الأصول السائلة إلى أدوات قابلة للتفاوض. لكن وجود عدم تجانس كبير في الأسواق الإفريقية، يتجلى في وجود سوق صناديق استثمار عقاري بقيمة 8.5 مليار دولار في جنوب إفريقيا، مقابل 600 مليون دولار في نيجيريا و300 مليون دولار في كينيا.
يُظهر هذا الفارق ضعفًا في استغلال الفرص. ورغم الإمكانيات الكبيرة لسوق العقارات الإفريقية، إلا أن الأدوات التي تسمح بتوجيه الادخار نحو الأصول العقارية تبقى مفقودة بشكل كبير خارج الأسواق الأكثر تنظيماً. ويتطلب توسيع هذه السوق تحسين السياسات الضريبية، وحوكمة أفضل، وتنويع الأصول.
تقنيات العقار قد تساعد أيضاً في تقليل العقبات، من خلال توفير منصات المعاملات، وأدوات التقييم الآلي، وحلول التمويل. على سبيل المثال، تمكنت الشركة المصرية “ناوي” من جمع 75 مليون دولار في عام 2025.
تسعى المرحلة التالية من العقارات الإفريقية إلى دمج التمويل الرقمي مع الاستثمار المؤسسي، مع تقديرات لمداخيل سوق المدن الذكية الإفريقية تصل إلى 1.5 مليار دولار في عام 2025، مع توقعات بنمو سنوي بنسبة 12% حتى عام 2029، ما يفتح المجال لمشاريع بنى تحتية ضخمة.
بالتالي، لا يمثل المسار الذي رسمه مشروع “ليف إفريقيا” مجرد طفرة عابرة، بل يكشف عن سوق واسعة يتداخل فيها نقص البنى التحتية مع تراكم رأس المال، مما ينذر بإفراط محتمل في القطاعات الأكثر تكلفة.



