وجه المركز الوطني للاستخبارات الإسباني تحذيرات متكررة إلى وزارة الداخلية الإسبانية، في الأسابيع التي سبقت أزمة الهجرة المتعلقة بأحداث الثلاثين من يوليوز، نبه فيها إلى خطورة التدفقات الجماعية نحو سبتة المحتلة. وذكرت إذاعة “كادينا سير” بناءً على مصادر قريبة من أجهزة الأمن الفيدرالية أن تقارير الاستخبارات ركزت على تداعيات الحكم القضائي الأخير الذي جرد الأجهزة الميدانية من آلية الترحيل الفوري.
تكون هذه المعطيات متطابقة مع الموقف الذي صدر من الرباط عن مصدر حكومي مغربي، حيث حمل القرار القضائي الإسباني وتباطؤ مدريد في استباق آثاره المسؤولية المباشرة عن تفاقم الوضع. وأكد المصدر ذاته أن قرار الثامن من يوليوز شكل، في نظر شبكات التهريب والشباب الراغبين في الهجرة، حصانة عملية للاقتحام البحري غير القانوني، بالنظر إلى تعطيل أداة الردع الأساسية المتمثلة في الترحيل التلقائي.
وشدد المسؤول المغربي على أنه لا يمكن لقاضٍ إسباني تفكيك منظومة محاربة الهجرة غير النظامية ومطالبة المملكة المغربية بتحمل التبعات، مؤكدًا أن المغرب لم يتلق أي إشعار للاستعداد لتداعيات متوقعة. مجددًا التزام المملكة الكامل بمسؤولياتها.
تضع هذه المعطيات الرواية التي قدمها وزير الداخلية الإسباني، فيرناندو غراندي مارلاسكا، في موقف حرج، بعدما ادعى أنه لم يتلق أي تقارير استخباراتية تتوقع حجم التطورات الميدانية. ومن جهة أخرى، تقر الداخلية الإسبانية برصد ارتفاع ملموس في عمليات السباحة نحو الثغر المحتل منذ منتصف يوليوز، وإخطار وزارة الهجرة قبل ثمانية أيام من الأزمة ببدء استنفاد الطاقة الاستيعابية لمركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين.
أوضحت مصادر “كادينا سير” أن هذه المؤشرات لم تترجم إلى تعزيز حقيقي للإمكانيات المرابطة على خط التماس الحدودي، حيث فضلت السلطات الإسبانية عدم إشراك الشريك المغربي أو التنسيق معه لاستباق الآثار الناجمة عن الاجتهاد القضائي الجديد.
طعن مهاجر جزائري يغير قواعد اللعبة
يعود تفاصيل القرار القضائي الصادر عن المحكمة العليا في التاسع والعشرين من يونيو الماضي، والذي نشر رسميًا في الثامن من يوليوز، إلى قضية رفعها مهاجر جزائري. فقد تم اعتراضه في البحر بتاريخ الرابع عشر من نونبر 2024 أثناء محاولته الوصول إلى سبتة المحتلة سباحة، قبل أن تسلمه السلطات الإسبانية على الفور إلى نظيرتها المغربية دون تحديد هويته أو سلوك مسطرة الترحيل الفردية.
أنصفت محكمة محلية بسبتة المهاجر الجزائري بعد لجوئه إلى القضاء، مؤكدة أن الترحيل الفوري يفتقر إلى أي سند قانوني. في المقابل، حاولت هيئة الدفاع عن الدولة الإسبانية تبرير الإجراء بكون حراسة الحدود المائية شبيهةً بالحراسة البرية، معتبرة أن الطائرات المسيرة وكاميرات المراقبة تقوم مقام الحواجز المادية المنصوبة على الحدود الترابية.
رفضت أعلى هيئة قضائية إسبانية هذا الطرح، موضحة أن المادة الملحقة العاشرة من قانون الأجانب تحصر الترحيل المباشر في الأشخاص الذين يتم ضبطهم أثناء اقتحام المصدات المادية، كالأسيجة السلكية، ولا تشمل أدوات الرصد الإلكتروني والطيران.
وبموجب هذا الاجتهاد، بات يتعين على السلطات الإسبانية إخضاع كل من يجري اعتراضه في البحر لمسطرة الإعادة العادية. تتطلب هذه العملية تحديد هوية المهاجر، وتوفير المساعدة القانونية له، وإتاحة الفرصة لتقديم طلب الحماية الدولية، مما يمنع نهائيًا إعادته الفورية نحو التراب المغربي.
لا يحرم القرار القضاء الإسباني أو أجهزة الأمن من مراقبة الحدود البحرية أو ترحيل الوافدين غير النظاميين لاحقًا، بل يلزم مدريد فقط باستيفاء الشروط والضمانات التي ينص عليها قانون الأجانب قبل اتخاذ أي خطوة طرد.
كيف استغلت شبكات التهريب قرار القضاء الإسباني؟
تجلت الآثار الميدانية للقرار القضائي بشكل فوري، إذ توقفت السلطات الإسبانية عن تسليم المهاجرين المعترضين قرب الشواطئ مباشرةً إلى السلطات المغربية. أصبح يتوجب على الأجهزة الأمنية الإسبانية التكفل بالوافدين، وتحديد هوياتهم، وسلك المساطر الإدارية كاملة قبل اتخاذ أي قرار بالإعادة.
يرى المركز الوطني للاستخبارات الإسباني أن هذا التحول خلق ضغطًا كبيرًا على الحدود، حيث عملت شبكات تهريب البشر على ترويج مغالطة مفادها أن كل من يستطع الوصول سباحةً إلى سبتة المحتلة لن يتم ترحيله مجددًا نحو المغرب.
شكل هذا الطرح تحريفًا صريحًا لفحوى القرار القضائي، الذي لا يمنح أي حق تلقائي في الإقامة فوق التراب الإسباني، بل يقتصر على حظر الترحيل الفوري دون تدقيق فردي.
اتهمت السلطات المغربية بدورها شبكات التجميع والتهريب، إلى جانب الحسابات المروجة للشائعات على شبكات التواصل الاجتماعي، بالتسبب في هذه الحملة. وأكدت الرباط أن المنظمات الإجرامية عمدت إلى تزييف مضمون الاجتهاد القضائي لإيهام آلاف الشباب بأن المنفذ البحري نحو سبتة أصبح سالكًا بدون أي تبعات قانونية.
سارت وزارة الداخلية الإسبانية في الاتجاه ذاته، معتبرة أن مافيا التهريب وظفت الحكم القضائي لتحريض الشباب على مغامرة السباحة الجماعية. أمام هذا الوضع، اتفق المغرب وإسبانيا على تعزيز التعاون الميداني ومراجعة المساطر الكفيلة بإعادة المهاجرين غير النظاميين بما يتوافق مع القوانين الجاري بها العمل.
الترحيل الفوري: مسار قانوني مؤطر منذ سنة 2015
تعود مسطرة الترحيل الفوري للمهاجرين على حدود سبتة ومليلية المحتلتين إلى سنوات مضت، حيث ظلت تطبق ميدانيًا دون إطار قانوني واضح، خصوصًا خلال الاقتحامات الجماعية. في سنة 2015، عملت حكومة ماريانو راخوي على إضفاء صبغة قانونية على هذا الإجراء من خلال تعديل قانون الأجانب بإقرار قانون أمن المواطنين.
أرسى هذا التعديل نظامًا استثنائيًا يبيح الترحيل المباشر للأجانب الذين يتم ضبطهم أثناء محاولة اختراق المصدات الحدودية. لكن التعديل اشترط، في الوقت ذاته، ضرورة احترام التزامات إسبانيا الدولية في مجالات حقوق الإنسان والحماية الدولية.
خضع هذا النظام الخاص لمراقبة دقيقة من قبل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والمحكمة الدستورية الإسبانية. ففي فبراير 2020، أيدت الغرفة الكبرى لمحكمة ستراسبورغ الإعادة الفورية لمهاجرين اثنين شاركا في اقتحام جماعي لسياج مليلية، مُبررة قرارها بأن المعنيين اختاروا العبور عبر منافذ غير مصرح بها ودون سلوك الطرق القانونية المتاحة.
وفي السنة نفسها، أعلنت المحكمة الدستورية مطابقة هذا الإجراء للدستور الإسباني، لكنها وضعت ثلاثة شروط أساسية لتطبيقه: التقييم الفردي لكل حالة، وإتاحة إمكانية الخضوع للرقابة القضائية الشاملة، فضلاً عن الالتزام التام بالمعاهدات الدولية. وأكدت على ضرورة رعاية الفئات الهشة، خصوصًا القاصرين وطالبي اللجوء.
لا يتعارض الاجتهاد القضائي الصادر في يونيو 2026 بالضرورة مع الحُكمين السابقين، فقد تناولت محكمة ستراسبورغ والمحكمة الدستورية محاولات التسلل عبر الأسيجة، بينما تناولت المحكمة العليا حالة جديدة تمامًا تتعلق بوافد عبر المنافذ البحرية.
سابقة إعادة القاصرين سنة 2021
تسلط سابقة قضائية أخرى الضوء على القيود المفروضة على السلطات الإسبانية. ففي غشت 2021، وبعد تدفق آلاف المهاجرين نحو سبتة المحتلة، قامت مدريد بترحيل 55 قاصرًا غير مرافق إلى المغرب.
أكدت المحكمة العليا، في يناير 2024، عدم شرعية تلك عمليات الترحيل، مشيرةً إلى عدم احترام المساطر المنصوص عليها في قانون الأجانب وتجاهل السلطات لتقييم الوضعية الشخصية لكل قاصر.
ورغم أن النزاع لم يتعلق بالترحيل المباشر عند السياج أو الاعتراض في البحر، بل بوضعية قاصرين خضعوا لرعاية الإدارة الإسبانية، فإن الحكم رسخ مبدأً ثابتًا مفاده أن حالة الطوارئ أو كثافة التدفقات لا تبرر تجاوز الضمانات القانونية المقدمة للفئات الهشة.
حاجز عائم لتجاوز العقبة القانونية
على إثر أزمة الثلاثين من يوليوز، سارعت الحكومة الإسبانية إلى تثبيت حاجز عائم بطول نحو 500 متر بالقرب من حاجز “تاراجال”، معززًا بحبل من الطفافات الشاطئية. يهدف هذا الإجراء إلى إعاقة محاولات العبور سباحةً وتوفير تجسيد مادي لهذه النقطة من الحدود البحرية.
يبدو أن التثبيت الميداني لهذا المصد يستجيب مباشرةً للقرار القانوني الصادر عن المحكمة العليا. فوجود حاجز مادي يحاول الوافد اختراقه يسمح لوزارة الداخلية الإسبانية بتقديم طلب للترحيل الاستثنائي، شرط التقيد بالضوابط المقررة من المحكمة الدستورية والمواثيق الدولية.
ومع ذلك، يتجاوز النقاش السياسي حدود التأويل القانوني البحت للحكم القضائي، حيث أثارت المعطيات المسربة حول تحذيرات الاستخبارات الإسبانية مسألة السياسات العمومية للبلاد. تتعرض مدريد لمساءلة حول أسباب عدم تعزيز القوات الحدودية في الوقت المناسب، على الرغم من درايتها بالارتفاع المستمر للتدفقات، ومخاطر استنفاد القدرة الاستيعابية لمركز الإقامة المؤقتة، بجانب علمها بخطورة استغلال مافيا التهريب للقرار القضائي.

