أنهت المملكة المغربية سنوات طويلة من الوصاية الإدارية والمالية المحدودة لقطاع الأرصاد الجوية، بإقرار الحكومة لمشروع قانون ينص على تحويل المديرية العامة للأرصاد الجوية إلى مؤسسة عمومية مستقلة، تستمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي.
ويحمل الكيان الجديد اسم “الوكالة المغربية للأرصاد الجوية والمناخ”، في خطوة تهدف إلى توفير مرونة أكبر في التدبير، مما يمكنها من التصدي للطوارئ والتغيرات المناخية بشكل أكثر فعالية.
تأتي هذه النقلة الجذرية استجابة لتوصيات تقارير رقابية مشددة، شددت على ضرورة فصل الجوانب الإدارية عن الوزارات، مما يمنح هذه المؤسسة الجديدة المرونة اللازمة للتفاعل الفوري مع الطوارئ المناخية المتزايدة، ويسهل الوصول إلى التمويلات الدولية وتفعيل شراكات تجارية.
ستة عقود من الرصد والمراقبة
تأسست المديرية العامة للأرصاد الجوية الوطنية عام 1961، لتكون القاعدة الأساسية لجمع وإدارة المعطيات المناخية والجوية في كافة مناطق المملكة.
شهدت المؤسسة مراحل عديدة، كان من أبرزها إلحاقها بوزارة الأشغال العمومية في تسعينيات القرن الماضي، قبل أن تتبع ضمن وزارة التجهيز والماء تحت اسم “مغرب-ميطيو”.
وتدير الوكالة العمليات الرصدية من مقرها المركزي الكائن بشارع محمد الطيب الناصري في الحي الحسني بالدار البيضاء.
تتجاوز مهامها التوقع اليومي للطقس إلى بناء قاعدة بيانات مناخية وطنية شاملة، وإصدار النشرات الإنذارية التي تستند إلى مستويات يقظة متنوعة، من الأخضر إلى الأحمر.
تهدف هذه الأنظمة الإنذارية إلى حماية الأرواح والممتلكات عبر تمكين الجماعات المحلية والجهات المعنية من التحول من إدارة الأزمات التفاعل إلى إدارة المخاطر بشكل استباقي.
تقدم المديرية دعماً دائماً للقطاعات الحيوية التي تتأثر بالتغيرات الجوية، مثل الطيران والملاحة البحرية والزراعة وإدارة الموارد المائية والطاقة.
تحديات التمويل وهياكل الإدارة
جاءت التشريعات الجديدة لمعالجة الإشكالات التدبيرية التي رصدها قضاة المجلس الأعلى للحسابات.
وأشارت التقارير إلى أن وضع المديرية كجزء من الهيكل الإداري للوزارة أدى إلى فقدان المرونة التي تحتاجها لتطوير بنيتها التحتية وتحديث آلياتها التقنية بما يتماشى مع المستجدات.
ولم يكن وجود المديرية تحت الوصاية القانونية عائقاً أمام الاستفادة من المساعدات المالية الدولية الضرورية لمشاريع التكيف مع التغيرات المناخية.
وفي الإطار ذاته، عاب قضاة المجلس غياب آليات مرنة تسمح للمديرية بتنويع مواردها المالية عبر تسويق خدماتها للقطاعات الإنتاجية، مما جعلها تعتمد بشكل كامل على اعتمادات الميزانية الخاصة بالوزارة الوصية.
استقلالية مالية وخدمات استراتيجية
يسمح القانون الجديد للوكالة بالخروج من قيود الإدارة التقليدية إلى آفاق التدبير التعاقدي، من خلال تقديم خدمات رصد ومناخ للقطاعات الحكومية والهيئات الخاصة بموجب اتفاقيات تجارية.
ويعزز القانون سيادة الدولة على المعلومات المناخية، مما يجعل الوكالة المصدر الرسمي الوحيد لإصدار النشرات والإنذارات المناخية.
كما ستعمل المؤسسة على إنشاء وتطوير “الشبكة الوطنية للمناخ”، لتجميع كافة محطات الرصد، وسيتاح لمشغلي المحطات الحالية مدة سنة واحدة لتسجيل منشآتهم.
وضعت المنظومة القانونية الجديدة إجراءات صارمة لحماية المحطات الرصدية وضمان تدفق معطياتها بصورة دقيقة، تفادياً لأي تلاعب يؤثر في الأمن المائي والغذائي.
وتؤدي الوكالة أدواراً بالغة الأهمية تستدعي تلبية احتياجات الدفاع الوطني، وتوفير الأمان في الملاحة الجوية والبحرية، بالإضافة إلى قيادة عمليات الاستمطار الاصطناعي.
كما تنص المذكرة التقديمية لمشروع القانون على انتقال سلس للموظفين الحاليين من المديرية إلى الوكالة مع احتفاظهم بكافة حقوقهم وامتيازاتهم.
وعلى نحوٍ مشابه، ستتحمل الوكالة كافة حقوق والتزامات الدولة المتعلقة بالعقود والدراسات والخدمات، مما يضمن استمرارية المرفق العمومي وحماية حقوقه مع جميع الشركاء.
ووفقاً لمصادر مطلعة، فإنه من المحتمل أن تبقى الوكالة في نفس المبنى المركزي التاريخي في الدار البيضاء.

