عند إعلان الاستقلال في 5 يوليو 1962 بعد اتفاقيات إيفيان، لم تتوقف المآسي بل ظهرت شروخ عميقة في المجتمع الجزائري نتيجة 132 سنة من العيش تحت الاستعمار الفرنسي. منذ عام 1848، أصبحت الجزائر جزءًا من التراب الفرنسي، مقسمة إلى ثلاثة أقسام: الجزائر، وهران، وقسنطينة. بالنظر إلى الآلاف من الجزائريين المسلمين، لم يكن هذا مجرد وضع قانوني، بل تجربة معيشة: تعليم فرنسي، خدمات عسكرية، وإدارة جمهورية، وإحساس – وإن كان جزئيًا – بالانتماء. رأى الكثيرون أنفسهم كفرنسيين مسلمين يدافعون عن وطن اعتقدوا أنه يمثلهم.
بين عامي 1955 و1962، جندت فرنسا العديد من الجزائريين في صفوفها: حوالي 60 ألف حركي في ذروتهم، وقرابة 20 ألف مخزني، وعدد مشترك من 6 إلى 8 آلاف في مجموعات الأمن المتنقلة، وحوالي 60 ألف في مجموعات الدفاع الذاتي، ليكون العدد الإجمالي بين 180 ألف و250 ألف رجل.
واحد من أبرز象ариwas هو الباشاغا سعيد بوعلام الذي قاد إحدى أكبر الوحدات الحركية، وانتخب أربع مرات كنائب لرئيس الجمعية الوطنية، كانت هذه سابقة لمسلم جزائري في ظل الجمهورية الخامسة.
في كتابه “فرنسا وطني”، عبر بوضوح عن شعور قسم من هؤلاء حين كتب: “فرنسا هي وطني… لقد دافعنا عنها سوياً تحت نفس العلم.” لم تكن هذه العبارة مجرد موقف سياسي، بل تعبير عن إحساس عميق بالانتماء تشكل عبر سنوات من الخدمة العسكرية والتعليم.
«تحررت البلاد من الاستعمار، لكنها لم تتصالح كليًا مع انقساماتها الداخلية. وبين الحقيبة والتابوت، شعر الكثيرون أنه لم تكن هناك طريق ثالثة»
— محمد بنطلحة الدكالي
بعد وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962، انتقل نحو 42 ألفًا إلى 60 ألفًا من الحركيين وعائلاتهم إلى فرنسا، بينما بقي بين 130 ألفًا و200 ألف داخل البلاد. تشير تقديرات المؤرخين إلى أن هناك ما بين 60 ألفًا و80 ألف قتيل سقطوا خلال أشهر قليلة.
أولئك الذين تم نقلهم إلى فرنسا عانوا من التهميش الاجتماعي وصعوبة الاندماج لعقود طويلة، حيث وضع الكثير منهم في مخيمات مثل Rivesaltes وBias. ومع ذلك، لا يزال جرحهم أعمق من مجرد اعتذارات.
لم تكن تلك الأحداث مواجهة بين شعبين، بل انفجار داخلي: تصفيات محلية وثأر قبلي. شهدت بعض المناطق تعذيبًا رمزيًا مروعًا تحت أسماء مثل «الابتسامة القبائلية» حيث كانت تُشق الشفتان لتعطي مظهرًا مرعبًا.
لم يكن مصير الحركيين وحدهم المنفى، بل غادر أيضًا ذوو الأصول الأوروبية المعروفون باسم “الأقدام السوداء”، حيث ترك نحو 800 ألفًا إلى 900 ألف البلاد في عام 1962. كما غادر معظم يهود الجزائر، مما أدى إلى فقدان جزء من التنوع الاجتماعي والديني.
كان الاستقلال أيضًا زمن عنف جزائري–جزائري، حيث نشأت انقسامات داخلية بعد تأسيس الدولة. ارتبط “جيش الحدود” بجناحه المتمركز في المناطق المحاذية للمغرب، مما أدى لمواجهات دموية أسفرت عن سقوط مئات وآلاف الضحايا.
منذ ذلك الحين، أصبح “التابوت” يحمل معنى سياسي أعمق. عاش أولئك الذين بقوا تحت نظام مركزي يسيطر عليهم خوف ثانوي. بعد ثلاثين عامًا، أعادت العشرية السوداء إحياء الجرح مرة أخرى، حيث فقد الكثير حياتهم في حرب أهلية كانت تدور بين الجزائريين بعضهم البعض.
تستمر معادلة 1962 في مطاردة التاريخ: الحرية أو الموت.
الذين اختاروا الرحيل عاشوا المنفى، بينما الذين بقوا واجهوا خطر الموت، ليظل جرح الهوية الجزائرية مفتوحًا. فقد تحررت البلاد من الاستعمار لكنها لم تتصالح مع انقساماتها الداخلية. ربما في هذا الإحساس باللاخيار يكمن سر أزمة الهوية التي ما زالت الجزائر تبحث عن مخرج منها.

