شهدت الأسواق المغربية، خاصة في فاس، ركودا غير مسبوق في حركة البيع والشراء داخل محلات الجزارة، حيث أصبح ارتفاع أسعار اللحوم يشكل عائقا فادحا أمام العديد من المواطنين. وقد أضطر الكثير منهم إلى تقليص استهلاكهم، بل والتخلي عن شراء اللحوم خلال الفترة الأخيرة.
وفي هذا السياق، أوضح عز العرب الشرايبي، أمين الجزارين بسوق الطالعة الكبرى، أن أسعار اللحوم الحمراء وصلت إلى مستويات قياسية، حيث يتراوح سعر لحم الأبقار بالجملة بين 105 و 110 دراهم للكيلوغرام، فيما قدر سعر لحم الأغنام بين 140 و 150 درهما، ليصل عند البيع بالتقسيط إلى حوالي 160 درهما للكيلوغرام. وتعرضت الأسعار لزيادات ملحوظة شملت كلا من اللحوم المحلية والمستوردة.
وأكد الشرايبي أن هذه الارتفاعات تعود لجملة من العوامل، أهمها التراجع الكبير في أعداد الثروة الحيوانية بعد عيد الأضحى، حيث عرفت أعداد كبيرة من إناث الأغنام ذبحا، مما أدى إلى انخفاض العرض في وقت تزايد فيه الطلب. كما أشار إلى توقف استيراد سلالات معينة من الأغنام، مثل سلالة “الميرينوس”، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل.
من جانبه، أكد توفيق الدحيوي، أحد الجزارين بالطالعة الكبرى، أن الأسعار الحالية تعد الأعلى في تاريخ قطاع الجزارة بالمغرب، مشيرا إلى أن ظروف عيد الأضحى هذا العام كانت استثنائية، مما انعكس على الأسعار وعكس ذلك على قدرة المواطن والجزار على حد سواء. وأكد الدحيوي أن العرض المحدود هو السبب الرئيسي وراء ارتفاع الأسعار، مما يضطر المواطن إلى تقليص خياراته.
وحول الوضع الراهن، أضاف الدحيوي أن محلات الجزارة شهدت ركودا كبيرا في الحركة التجارية، موضحا أن الأسعار تختلف حسب نوعية اللحم. فاللحم العادي يباع بحوالي 150 درهما للكيلوغرام، بينما يصل سعر اللحم المفروم إلى 120 درهما. أما قطع اللحوم ذات الجودة الممتازة، مثل “الكوتليت” و”الفيليه”، فتتراوح أسعارها ما بين 190 و200 درهم للكيلوغرام.
وأشار الدحيوي إلى أن المغرب يعتمد حاليا على عدد محدود من الأسواق الخارجية للحصول على لحوم الأبقار، بعد أن توقفت الواردات من بعض الدول الأوروبية. وقد أصبحت البرازيل وأوروغواي الوجهتين الرئيستين للمغرب، إلا أن أسعار الأبقار في هذين البلدين شهدت ارتفاعا بنسبة 20%، مما يؤثر بدوره على سعر اللحم في السوق المحلي.
أما بالنسبة لتجار اللحوم، فقد أرجع أحد الجزارين أسباب الأزمة إلى هيمنة الوسطاء وكبار المتدخلين في سلاسل التوزيع. هؤلاء الوسطاء يطيلون مسار التوزيع، مما يؤدي إلى زيادة الأسعار، حيث يشتري الفلاح الماشية بسعر منخفض، ويقوم هؤلاء بتسويقها بأسعار مرتفعة، وهو ما يقلص هوامش الربح للجزارين البسطاء.
امتد تأثير هذه الأزمة ليشمل أيضًا أصحاب محلات الوجبات السريعة، الذين اضطروا لمراجعة أسعار منتجاتهم لمواكبة الزيادات الكبيرة في تكلفة اللحوم. حيث أكد أحد باعة السندويتشات في فاس أن تكلفة سندويتش اللحم المفروم تضاعفت، حيث انتقل ثمنه من 10 دراهم إلى 25 درهما، مما أثر سلبًا على الإقبال من طرف الزبائن من أصحاب الدخل المحدود والطلبة.
يتفق المختصون على أن هذه الأزمة هي نتيجة تراكمات متعددة منذ سنوات، تتضمن تأثير مواسم الجفاف المستمرة، وارتفاع تكاليف الأعلاف والنقل، مما أدى إلى تفاقم الوضع. وبسبب هذه الظروف، بدأ عدد متزايد من المواطنين، خاصة من ذوي الدخل المحدود، في تحويل عاداتهم الاستهلاكية نحو لحوم الدواجن، التي شهدت انخفاضًا في الأسعار، لتصبح البديل الأكثر ملاءمة للأسرة.

