تأرجح الجزائر في ملف الصحراء: من الدوغمائية إلى البراغماتية
تتضح صورة الوضع في الجزائر أكثر عندما يتعلق الأمر بقضية الصحراء، التي تعد مسألة وجودية نظامية. يتبيّن أن الجزائر تعيش حالة من التأرجح غير المقبول، حيث تناقض مواقفها يكشف عن استراتيجية كامنة تعاني من الضعف. بعد أكثر من خمسين سنة من تبني الجزائر لدور المدافع عن “قضية” الصحراء، واحتضانها لجبهة البوليساريو، يبدو أن الجزائر اليوم مجبرة على تغيير مسارها. هذا التحول لا ينبع من قناعة داخلية بقدر ما هو استجابة للضرورات السياسية.
انعطاف سياسي مفاجئ
التصريحات الأخيرة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، التي أدلى بها في بداية ماي، كانت قاسية، حيث أعرب عن قبول بلاده للمشاركة في المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة. وبدلًا من الاصطفاف ضد المبادرات الأممية، تعود الجزائر اليوم لتؤكد دعمها لقرارات مجلس الأمن، بما في ذلك القرار 2797 الصادر في أكتوبر 2025.
الحضور في المفاوضات: ضرورة أم اعتراف بالفشل؟
على الرغم من أن الجزائر لطالما رفضت فكرة أي مائدة مستديرة، نجدها اليوم تتحدث بصوت مرتفع عن استعدادها للمشاركة كدولة جارة ومراقبة. لكن هذه الذريعة لا تصمد أمام حقيقة أن الجزائر بدت في موقف ضعف، وانصاعت لواقع جديد يفرض عليها الجلوس إلى طاولة الحوار ذاته.
ازدواجية الخطاب ورفض الحقائق
تدعي الجزائر أن التطورات الأخيرة تؤكد صحة موقفها الداعي إلى مفاوضات مباشرة بين المغرب وجبهة البوليساريو. لكن هذا التعليل يعتبر تزييفًا للتاريخ، حيث كانت الجزائر دائمًا تدفع نحو التصعيد في الخطاب. اليوم، يبدو أن النظام الجزائري يقبل بمكانته كطرف مباشر في النزاع، وقد يكون هذا بمثابة هزيمة استراتيجية قبِلها في خضم أزمة جديدة.
تحولات وجيوسياسة جديدة
ومع جميع هذه التطورات، يبقى السؤال: ما الذي حدث بين أكتوبر 2025 وماي 2026؟ جواب هذا السؤال يتلخص في ضغوطات أمريكية متزايدة واصطفاف المجتمع الدولي خلف المخطط المغربي كأساس لحل النزاع. الجزائر يبدو أنها أدركت تمامًا أنها تراجعت إلى الصفوف الخلفية في هذه المعركة، فالنظام بات أمام واقع مرير يتطلب منه اتخاذ خطوات تصحيحية.
هل انتهت اللعبة؟
يبقى السؤال الأهم: هل اقتنعت الجزائر بأن اللعبة السياسية قد انتهت؟ أم أن هذه التحولات ليست سوى مناورة لكسب الوقت؟ الأكيد أن التاريخ يسير بخطى ثابتة، والنظام الجزائري، الذي لعب بالنار لعقود، يجد نفسه اليوم محاصراً بالتحديات.

