يُعتبر مركز طمر وتثمين النفايات من المشاريع الطموحة والمهيكلة لجماعة الدار البيضاء، إذ صادق مجلس المدينة على عقد التدبير المفوض لهذه البنية التحتية الاستراتيجية، مما يفتح صفحة جديدة وينهي زمن مطرح مديونة الذي كان محل جدل واسع.
في فبراير 2025، تم اختيار تحالف يضم مجموعة «ناريفا» المغربية وشركتي «هيتاتشي إنيرجي» و«هيتاتشي إنفايرومنت إنفيستمنت» اليابانيتين، لإدارة المشروع. هذا التحالف يحمل آمالًا كبيرة لمستقبل أفضل للبيئة في الدار البيضاء.
وفي حديثها لبرنامج «Grand Format» على موقع Le360، شرحت عمدة الدار البيضاء، نبيلة الرميلي، معالم هذا المشروع الكبير والتحديات المرتبطة به. وقد أشارت إلى أن أول عقبة كانت تتمثل في تعقيدات تملك العقار المخصص للمشروع.
وقالت الرميلي: «كان من الضروري أولاً تحديد أرض مناسبة ثم البدء في إجراءات الاقتناء، علماً بأن الكلفة كانت مرتفعة جداً، حيث بلغت حوالي 500 مليون درهم لتوفير مساحة 265 هكتارًا، وهو استثمار ضخم بحد ذاته».
ترى العمدة أن هذا المشروع لا يُمكن فصله عن تاريخ المدينة، حيث وجدت السلطات المحلية حين استلامها المسؤولية مرتفعًا للنفايات يصل إلى حوالي 70 مترًا، مما كان يشكل تهديدًا بيئيًا حقيقيًا.
ولمعالجة هذه الوضعية الحرجة، تم اعتماد حل مؤقت من خلال فتح مطرح جديد يتماشى مع المعايير الحديثة لضمان استمرارية الخدمات العامة. لكن الرميلي أكدت أن هذا الحل مؤقت، فالعقارات المتاحة محدودة، وكلما ابتعدنا عن الدار البيضاء زادت تكاليف النقل.
يتوفر الموقع الحالي على قدرة استيعابية تمتد لمدة ثلاث سنوات، وقد تم تمديدها بفضل إضافة شطر رابع، مما أتاح الفرصة للكسب بضع سنوات إضافية.
في ذات الوقت، بدأت الجماعة بالتفكير بعمق في الانتقال إلى جيل جديد من آليات معالجة النفايات. ومع أن التقديرات الأولية للاستثمار كانت تتراوح بين 1.5 و2 مليار درهم، إلا أن الكلفة النهائية للمركز قفزت إلى حوالي 11 مليار درهم، وفقًا للعمدة.
تم فتح طلب عروض دولي لمشاركة الفاعلين الأجانب لأفضل الحلول التكنولوجية، وتم تنظيم زيارات ميدانية في مدن كبرى في أوروبا والشرق الأوسط لدراسة النماذج القائمة وتقييم آثارها البيئية.
بخصوص تفاصيل العقد، أوضحت نبيلة الرميلي أن الاتفاق الجديد مع التحالف المغربي الياباني سيمتد لمدة 33 عاماً، ومن المتوقع أن يبدأ العمل به في فاتح دجنبر 2026، حيث ستستغرق مرحلة البناء ثلاث سنوات.
خلال هذه الفترة الانتقالية، سيقوم الفاعل الجديد بإدارة المطرح الحالي والمضي قدماً في عمليات الطمر، استعداداً للانتقال التدريجي إلى نموذج حديث لمعالجة النفايات.
تتضمن هذه المرحلة تركيب المعدات وإرساء البنى التحتية وبدء العمليات الصناعية، ليحقق المركز التثمين الفعلي بحلول السنة الرابعة، بما في ذلك إعادة التدوير وإنتاج الطاقة.
ستقوم مدينة الدار البيضاء بشراء الطاقة المنتجة عبر آلية تجمع بين الشركاء المؤسساتيين، منها الشركة الجهوية متعددة الخدمات والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، ووزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة. ويُؤكد العمدة أن المركز الجديد سيتمكن من إنتاج كهرباء تغطي حوالي 20% من احتياجات الدار البيضاء.
بالتوازي مع ذلك، خضع مطرح مديونة القديم لعملية إعادة تأهيل شاملة، ليتحول إلى مساحة خضراء تمتد على 40 هكتارًا، مع مرافق ترفيهية ورياضية مفتوحة للجمهور.
يدخل هذا المشروع في إطار التزامات الشراكة والتعويضات لفائدة الجماعات المجاورة، خاصة مديونة، التي حصلت على وعود بإعادة تأهيل الموقع القديم مقابل استغلال المركز الجديد.
تُعتبر هذه الخطوة بمثابة نقلة نوعية للدار البيضاء في إدارة النفايات، حيث تنتقل من نموذج يعتمد على الطمر إلى مقاربة شمولية تدعم الاستدامة وتحافظ على القيم الاقتصادية والبيئية.

