في كل زيارة إلى وليلي، يستحضرني سحر هذا المكان الجميل، ولاسيما أن المدينة قد أضحت هذا العام فاتنة أكثر من أي وقت مضى. فقد زينت السماء أرض المغرب بغطاء سخي من الأمطار، مما جعل سهول سايس من جهة موقع وليلي الأثري تبدو كبساط أخضر شاسع.
هذا الغنى الزراعي الهائل يفسر بشكل كبير سبب اختيار الأمازيغ، ومن بعدهم الرومان، لبناء مدينة وليلي، التي يمتد تاريخها لآلاف السنين. فقد استوطن الأمازيغ الأوائل هذا الموقع منذ العصر الحجري الحديث، وتأسست المدينة في القرن الثالث قبل الميلاد لتصبح عاصمة لمملكة موريتانيا خلال حكم الملك الأمازيغي يوبا الثاني، الذي حكم بين عام 25 قبل الميلاد و23 ميلادية.
وفي عام 40 ميلادية، أُعدم ابنه بطليموس بأمر من كاليغولا، الذي اغتيل في عام 41 ليخلفه بعد ذلك كلوديوس (41-54). ضمت روما مملكة موريتانيا في عام 42، وقام الإمبراطور كلوديوس بتقسيمها عام 44 إلى شطرين: موريتانيا القيصرية (في الجزء الغربي من الجزائر الحالية) وموريتانيا الطنجية (وتشمل المغرب الحالي وعاصمتها طنجة).
«خلال زيارتي الأخيرة لوليلي، لاحظت بمرارة أن الفسيفساء التي تذكرنا بهذه الحيوانات قد تدهورت بشكل ملحوظ منذ زيارتي السابقة قبل عامين»
— المؤرخ برنارد لوغان
استمر الوجود الروماني في وليلي حتى عام 285 ميلادية، حيث توسعت المدينة لتشمل مساحة 42 هكتار، مؤكدة أسلوبها المعماري الروماني الواضح على أرض أمازيغية عريقة، مشهورة بإنتاج زيت الزيتون. تضمنت معالم وليلي الأثرية الحمامات والأقواس والمراكز الإدارية مثل «البازيليك»، بالإضافة إلى الفيلات المزينة بفسيفساء تخطف الأنظار.
ومع ذلك، فإن مصير هذه اللوحات هو ما دفعني لكتابة هذه السطور. فرغم الجهود التي تبذلها البعثات الأثرية المغربية لصيانة المعالم، يبدو حال الكثير منها محزناً، إذ تترك عرضة للتآكل والعوامل الجوية، بلا أي غطاء يحميها. إذا لم تُتخذ خطوات عاجلة، فإن واضح أنه سيختفي أثرها، ولن يبقى منها سوى صور في الأرشيف.
تظل لوحة «منزل أورفيوس» هي المفضلة لدي؛ إذ تجسد الحياة البرية في مغرب ذلك العصر، حين كانت المنطقة تؤمن روما بالقمح وزيت الزيتون، إلى جانب الحيوانات اللازمة للألعاب، مثل الأسود والفهود والفيلة. في عام 93 قبل الميلاد، شهدت روما عرضاً قدمه ديكتاتورها سيلا، حيث هاجمتها مئة أسد باشراف صيادين، وكانت تلك الوحوش هدية من الملك بوخوس، ملك موريتانيا (المغرب الحالي)، الذي حكم بين عامي 111 و80 قبل الميلاد، وهو حفيد الملك الأمازيغي العظيم باغا.
وعلى نفس المنوال، احتفل بومبي بافتتاح مسرحه عام 55 قبل الميلاد بإقامة عروض متعددة على مدى خمسة أيام، حيث قُتل خلالها 410 فهود وما بين 500 إلى 600 أسد في مواجهات مع أمازيغ مسلحين.
في العصر الإمبراطوري، وصلت الأرقام إلى مستويات أعلى؛ ففي عام 55 ميلادية، خلال حكم نيرون، أباد فرسان الحرس الإمبراطوري 300 أسد.
خلال زيارتي الأخيرة لوليلي، لاحظت بمرارة أن الفسيفساء التي تحتفل بذكرى تلك الحيوانات قد تدهورت بشكل لافت منذ زيارتي السابقة قبل عامين، إذ نمت الأعشاب وسط تلك المكعبات الخزفية التي تشكل تُحفا تاريخية ثمينة.

