تعزز هذا الاتجاه بصدور القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية في سنة 2015، وعلى رأسها القانون التنظيمي الخاص بالجهات، الذي حدد اختصاصاتها الذاتية والمشتركة والمنقولة، وأرسى قواعد التدبير المستقل وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع الحفاظ على دور الدولة في التنسيق وضمان التوازن بين مختلف المجالات.
على الرغم من أهمية هذا البناء الدستوري والمؤسساتي، يبقى السؤال المطروح هو مدى قدرته على تحقيق أثر فعلي داخل المجالات الترابية. فالتحدي ليس فقط في نقل الاختصاصات، بل يكمن كذلك في كيفية تفعيل تلك الاختصاصات ضمن رؤية تنموية متكاملة تهدف إلى تقليص الفوارق وتحقيق التنمية المتوازنة.
أظهرت التجربة أن المقاربات التقليدية التي تعالج القطاعات بشكل مستقل، لا تكفي لتحقيق هذا الهدف، لأنها تنتج مشاريع متجاورة دون خلق دينامية تنموية متكاملة.
برامج التنمية الترابية المندمجة
في هذا السياق، ظهرت برامج التنمية الترابية المندمجة كتحول نوعي في منهجية التدبير العمومي، خاصة بعد التوجيهات الملكية السامية الواردة في الخطاب الملكي الأخير، والذي دعا إلى الانتقال من المقاربات التقليدية إلى مقاربة مجالية مندمجة تجعل العدالة المجالية هدفًا مركزيًا.
تعكس هذه البرامج تحولا في توزيع الأدوار بين مستويات القرار المختلفة، حيث يلعب المستوى الترابي دورا أساسيا في التشخيص والتنفيذ، بينما يعمل المستوى الجهوي على تحقيق التنسيق بين المبادرات، ويحتفظ المستوى المركزي بوظيفة ضمان الوحدة في الاتجاه العام.
هذا التوجه يمثل لحظة مفصلية، لأنه يضع إطارًا عمليًا لإعادة بناء السياسات العمومية بناءً على المجال.
منظومة جديدة للتنمية
تقوم هذه البرامج على منطق يلغي الفكرة التقليدية لنظرة التنمية كعبارة عن تدخلات منفصلة، بل تعتبر التنمية بناءً متكاملاً ينطلق من الخصوصيات المحلية. بدلاً من توزيع المشاريع بشكل مجزأ، يتم اعتماد رؤية موحدة تجعل من المجال وحدة للتخطيط والتدخل، وتربط بين مختلف الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية ضمن تصور منسجم.
تركز هذه المقاربة على منهجية تقوم على التشخيص الترابي الدقيق وإشراك الفاعلين المحليين في بلورة الخيارات، مما يسهل توجيه السياسات نحو الاحتياجات الفعلية للسكان. لم يعد التخطيط عملية مركزية فحسب، بل أصبح تفاعليًا يجمع بين مستويات متعددة (محلي، جهوي، مركزي)، في إطار يسعى إلى تحقيق التفاعل وتفادي التداخل.
تحديات ومقترحات
ومع ذلك، يواجه هذا الورش عدة تحديات، من أبرزها محدودية القدرات الإدارية والتقنية على المستوى المحلي، وصعوبة تحقيق تنسيق فعال بين المتدخلين، بالإضافة إلى الحاجة إلى تطوير آليات فعالة للتتبع والتقييم. كما يرتبط نجاح هذه البرامج بمدى انخراط الفاعلين المحليين بشكل حقيقي في مختلف مراحل الإعداد والتنفيذ.
لتجاوز هذه الإكراهات، تظهر أهمية الاستثمار في تقوية القدرات المحلية، وتعزيز أدوات الحكامة، واعتماد آليات حديثة للتتبع والتقييم، إلى جانب ترسيخ ثقافة المشاركة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
في النهاية، تمثل برامج التنمية الترابية المندمجة خطوة نوعية في مسار تنزيل الجهوية المتقدمة، إذ تنقل هذا المشروع من الإطار القانوني إلى الممارسة الفعلية، وتعيد الاعتبار للمجال كفاعل رئيسي في إنتاج التنمية، مما يفتح آفاقًا جديدة لتحقيق العدالة المجالية والتنمية المستدامة في البلاد.

