موديل يغادر مدريد إلى القنيطرة، ومصنع إسباني يركز جهوده على البطاريات، مما أثار جدلاً كبيرًا على الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط. منذ سنوات، كان كل إعلان صناعي يتعلق بالمغرب يوقظ شبح التهجير الصناعي التدريجي لقطاع السيارات في إسبانيا. ومع ذلك، يتجاوز هذا التحليل التناقض الظاهر. فبدلاً من نقل المصانع فقط، يتم إعادة تشكيل نظام صناعي كامل على نطاق أوروبي-متوسطي. بصفته رئيسًا لفيدرالية السيارات داخل الاتحاد العام لمقاولات المغرب، يقدم عادل الزايدي قراءة مختلفة مبنية على مبادئ سلسلة القيمة والتخصص والتكامل.
وأكد أن فكرة “رحيل السيارات من أوروبا إلى المغرب”، كما تم الترويج لها في العديد من وسائل الإعلام الإسبانية، تستحق التوضيح. وقال: “يجب أولاً توضيح مفهوم مغادرة الموديلات إلى المغرب. لا يتعلق الأمر بنقل الإنتاج من مصنع أوروبي إلى آخر مغربي، بل يتعلق بإعادة توزيع المنصات وتخصص الصناعة وتعزيز القدرات الإنتاجية داخل المجموعة ذاتها”.
اليوم، يتم إنتاج العديد من الموديلات الشهيرة في المملكة المخصصة للسوق الأوروبية مع الحفاظ على اتصالات وثيقة مع المنظومة الصناعية في القارة.
وأوضح الزايدي أن “اليوم، تصنع سيارات مثل داسيا سانديرو وداسيا داستر، وهما من أبرز الموديلات مبيعًا في أوروبا، في مدينة طنجة. لكنها تستخدم مجموعة من المكونات والمواد الخام القادمة من مصانع أوروبية، بما في ذلك الإسبانية. وينطبق نفس الأمر على سيارة بيجو 208 في القنيطرة، إضافةً إلى سيارات مثل سيتروين آمي، أوبل روكس الكهربائية وفيات توبولينو”. فالمسألة هنا ليست مجرد استبدال، بل هي إعادة هيكلة صناعية.
تكامل بنيوي بين الضفتين
يؤكد الزايدي أن العلاقة بين المغرب وإسبانيا تتجاوز مجرد التنافس. وأضاف: “في رأيي، هي علاقة تكاملية بعمق، حتى وإن كانت هناك مجالات تنافس طبيعية في بعض القطاعات، وبالأخص في سيارات المدينة والإنتاج المتأثر بتكاليف الإنتاج. تبقى إسبانيا قوة أوروبية رائدة في صناعة السيارات، تتمتع بتكامل تكنولوجي وصناعي عالٍ، بينما أثبت المغرب مكانته كمنصة تنافسية ومرنة قريبة من السوق الأوروبية”.
وأشار بقوله: “في الواقع، تشتغل الضفتان بشكل متزايد كفضاء صناعي موحد. كما أن إسبانيا تصدر مكونات السيارات إلى المغرب، الذي يعد من أهم أسواقها خارج الاتحاد الأوروبي، مما يظهر بوضوح أن العلاقة بينهما لا تقتصر على التنافس فقط، بل تشمل أيضًا سلسلة قيمة مشتركة”.
تؤكد الأرقام هذا التكامل والترابط. وأشار رئيس فيدرالية السيارات إلى أن “العلاقات التجارية بين المغرب وإسبانيا قد ازداد بوضوح، إذ شهدت نموًا مطردًا منذ ازدهار صناعة السيارات. وقد أصبحت إسبانيا الشريك التجاري الخارجي الرئيسي للمغرب، بقيمة تقدر بحوالي 250 مليار درهم”.
بعيدًا عن حجم التبادل التجاري، فإن طبيعة المبادلات نفسها تتغير. في قطاع السيارات، لا تقاس التدفقات التجارية بين المغرب وإسبانيا فقط بحجم التجارة، بل بمدى الإنتاج المشترك. إذ يمكن أن تعبر المكونات الصناعية بين الضفتين عدة مرات قبل أن تصبح منتجًا نهائيًا.
المغرب ليس مجرد ورشة عمل منخفضة التكلفة
على الرغم من أن التكلفة لا تزال عنصرًا أساسيًا، إلا أنها لم تعد كافية لتبرير خيارات المصنّعين. وأكد الزايدي: “تكلفة الإنتاج ما زالت عاملًا مهمًا، لكنها لم تعد المعيار الوحيد. المصنّعون العالميون يوزعون إنتاجهم وفق معايير متعددة: تنافسية الموقع، والتخصص في موديلات معينة، والقرب اللوجستي من الأسواق، وسلاسل توريد آمنة، والقدرة على خدمة أوروبا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا في الوقت نفسه”.
وأشار إلى أن المغرب لم يعد يعمل “كـورشة عمل منخفضة التكلفة، بل كموقع استراتيجي متخصص في منتجات معينة”، مشيرًا إلى مصنع القنيطرة كأحد الأمثلة على هذا التوجه نحو تحسين الإنتاج.
وأضاف الزايدي أن “اليوم، تعتمد ميزة المغرب على مجموعة من العوامل المتكاملة: القدرة التنافسية من حيث التكلفة، الاندماج في سلسلة القيمة، الأداء اللوجستي، وإطار تجاري مواتي”، مشيرًا أيضًا إلى الموقع الجغرافي الذي يلعب دورًا حاسمًا. وذكر أن “المغرب يتمتع بقربه المباشر من أوروبا، وميناء طنجة المتوسط الهام، وتوجهه القوي نحو التصدير، وشبكة اتفاقيات تجارية تعزز جاذبيته للمستثمرين”.
نتيجة لذلك، شهدت المنصات المغربية نموًا ملحوظًا، متحولة إلى “حلقة وصل مهمة في السلسلة العالمية، بغض النظر عن موقعها الجغرافي”.
تجاوز مرحلة التجميع
مع التحول إلى السيارات الكهربائية، يسعى المغرب الآن إلى تعزيز مكانته في مراحل الإنتاج الأولى، متجاوزًا دوره التاريخي كمصنع تجميع. وأكد الزايدي: “أعتقد أن المغرب قادر على الحصول على حصة كبيرة من سلاسل القيمة الجديدة، شريطة أن يواصل جهوده. لم نعد نركز فقط على التجميع”.
هذا التطور يعتمد على سلسلة من المشاريع الصناعية الهيكلية التي تعكس تغييرات مهمة. وأوضح: “يهدف المغرب من خلال هذه المشاريع إلى بناء سلسلة قيمة مندمجة، ابتداءً من المنجم وصولًا إلى البطاريات”، مشيرًا بشكل خاص إلى الاستثمارات الجارية في المواد والمكونات المتعلقة بها.
في هذا السياق، لم يعد النقاش يدور حول قدرة المملكة على دمج هذه القطاعات، بل حول مدى تطورها في هذا المجال. وأكد: “لم يعد السؤال هو ما إذا كان المغرب قادرًا على دمج سلسلة القيمة هذه، فهو جزء منها بالفعل. السؤال الآن هو ما مدى وصوله”.
المخاوف في إسبانيا تعكس قراءة مغلوطة
على الضفة الأخرى من المضيق، تستمر هذه التطورات الصناعية في إثارة المخاوف، خاصة في الأوساط السياسية والنقابية الإسبانية. يرى الزايدي أن تلك الردود مفهومة، لكنها قد لا تعكس دائمًا واقع الديناميات الصناعية. وقال: “أعتقد أن هذه المخاوف مفهومة من منظور سياسي، لكنها تبسيطية من منظور صناعي”.
المقاربة التي تختزل العلاقة بين البلدين في مجرد نقل الإنتاج إلى الخارج تتجاهل تعقيد سلاسل الإنتاج الحالية. وأوضح: “اليوم، تفكر شركات صناعة السيارات من منظور سلاسل القيمة الإقليمية. يتم خلق جزء من القيمة في إسبانيا، وجزء آخر في المغرب، ثم تتدفق هذه القيمة بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط حسب الاحتياجات الصناعية”.
في هذا السياق، يظهر المغرب كأداة لتحسين الأداء أكثر من كونه منافسًا مباشرًا. وأضاف: “في الواقع، يمثل المغرب فرصة أكثر من كونه تهديدًا. فكفاءة المنصات المغربية تمكّن الشركات الإسبانية من التخصص وتعزيز مكانتها”.
وأشار إلى أن هذا التكامل يساهم أيضًا في الحفاظ على مناصب الشغل في أوروبا. وأكد: “يتطلب الحفاظ على وظائف اليوم وتطويرها في إسبانيا تعاونًا ذكيًا مع المنصات الصناعية المغربية”.
بعيدًا عن التصورات الوطنية، يتبلور بوضوح تنظيم صناعي جديد بين ضفتي المتوسط. ولخص الزايدي الأمر قائلًا: “يكمن التحدي الرئيسي في بناء تكامل أوروبي متوسطي تنافسي، قادرًا على الحفاظ على القيمة الصناعية وتطويرها في وجه التنافس الآسيوي والأمريكي”.
في هذا السياق، تتلاشى تدريجيًا أهمية التناقض بين أوروبا والمغرب لصالح منطق الاندماج الإقليمي. وختم حديثه بقوله: “لذا، فإن القراءة الصحيحة لا تعني أن أوروبا تعارض المغرب، بل تتمثل في التنظيم الذكي لسلسلة القيمة المشتركة بين ضفتي المتوسط”.

