بينما تشهد مدن شمال إفريقيا، من معالم تونس القديمة إلى كورنيش الإسكندرية، تراثاً ثقافياً وتاريخياً معترفاً به دولياً، تبقى إمكاناتها كمحركات اقتصادية إقليمية من خلال السياحة الحضرية غير مستغلة بالشكل المطلوب. هذا ما أكده تقرير حديث للبنك الدولي، الذي يعكس التوتر الديموغرافي والارتفاع المقلق في بطالة الشباب.
نمو السياحة في المغرب
وفقاً لأحدث الأرقام الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة للسياحة، حقق المغرب نمواً ملحوظاً في عدد السياح الوافدين بنسبة 14%، في حين حققت مصر نسبة نمو تبلغ 20%، وتونس 10%، وذلك خلال العام الماضي. كما سجل المغرب زيادة بنسبة 19% في مداخيل السياحة، مما يدل على انتعاش هذا القطاع. ومع تسجيل 81 مليون سائح في جميع أنحاء القارة، تظهر شمال إفريقيا نتائج قوية، مع زيادة تصل إلى 11%.
أهمية السياحة في الاقتصاد المغربي
تساهم السياحة بشكل كبير في الاقتصاد المغربي، حيث تمثل حوالي 7.3% من الناتج الداخلي الخام عام 2024. ومع ذلك، يعاني هذا القطاع من تركزه في المنتجعات الساحلية، مما يحرم العديد من المناطق الأخرى من الاستفادة من عوائد السياحة. هذه الظاهرة تحرم الأسواق التقليدية والأحياء التاريخية من تجاوز الطاقات الكاملة التي يمكن أن تمثلها.
بطالة الشباب: تحدٍ أمام السياحة الحضرية
يوفر قطاع السياحة والسفر في الشرق الأوسط، بما في ذلك شمال إفريقيا، آفاق مستقبلية واعدة، حيث من المتوقع أن يتم خلق حوالي 3.6 مليون فرصة عمل جديدة خلال العقد الممتد. ورغم ذلك، تبقى بطالة الشباب أبرز التحديات، حيث بلغت نسبة البطالة بين الشباب في المغرب 38.4% في 2025.
تمثل النساء نسبة مهمة من رواد الأعمال في القطاع، وغالباً ما يبدأن بشركات صغيرة في مجالات مثل الفندقة والصناعة التقليدية، مشددةً على أهمية الاستفادة من هذه الطاقات في تعزيز السياحة الحضرية.
دور المدن كمراكز سياحية
تعتبر المدن في شمال إفريقيا بمثابة بوابات لنشر فوائد السياحة نحو المناطق المحيطة. وكونها مراكز لوجستية تساهم في توفير الوصول إلى خدمات الفندقة والمطارات، فإنها تجعل من الممكن تعزيز فرص العمل في المناطق القروية. كما أن استضافة الفعاليات الكبرى مثل كأس العالم 2030 تؤكد على قدرة هذه المدن على جذب السياح.
استراتيجيات للاستفادة من السياحة الحضرية
يتطلب تحسين إمكانات السياحة الحضرية تحقيق ثلاثة إجراءات رئيسية: أولاً، زيادة فرص الإقامة في الوجهات السياحية الثانوية لتخفيف الازدحام في المراكز السياحية الكبرى. ثانياً، تحسين الربط بين المراكز الحضرية والمناطق القروية لضمان الوصول العادل إلى الموارد. ثالثاً، الاستثمار في تسويق التجارب السياحية المتكاملة يعد ضرورياً لتحقيق تنمية مستدامة.
تشير الدراسات إلى أن زيادة الطلب السياحي بنسبة 10% في المناطق الأقل حظاً قد تؤدي إلى خلق ما بين 5% و19% من فرص العمل الجديدة في قطاع الفندقة، مما يعزز الاستفادة من السياحة لكل من السكان المحليين والزوار.
الدروس المستفادة
تظهر التجارب الناجحة في أماكن أخرى أن الاستثمار العمومي يمكن أن يحفز التزام القطاع الخاص. بالإضافة إلى ذلك، تحقق البنية التحتية السياحية فوائد مزدوجة من خلال تحسين تجربة الزوار وتعزيز الثقافة المحلية. ولذلك، فإن الحفاظ على التراث الثقافي يعد أساسياً لتعزيز الاقتصاد المحلي ومواصلة التطور الاجتماعي.
من خلال التركيز على ضمان العلاقة بين تنمية السياحة والمحافظة على الطابع الثقافي للمدن التاريخية في شمال إفريقيا، يمكن تحويل التحديات إلى فرص تعزز من العدالة الاجتماعية والتنمية الحقيقية، مما يضمن أن تصبح هذه المدن نقاط انطلاق حيوية نحو مستقبل اقتصادي أكثر إشراقاً.

