أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في ختام اجتماع مجلس الوزراء عن “تسوية سياسية” لصالح نشطاء جزائريين مغتربين، ممن “تورطوا أو تم استغلالهم في الدعاية والإساءة إلى مؤسسات الدولة الجزائرية”، بالإضافة إلى “مهاجرين غير نظاميين، والسماح لهم بالعودة إلى البلاد شريطة الالتزام بعدم العودة إلى الأنشطة المعادية للبلاد”.
وأكد بيان الرئاسة الجزائرية أن الرئيس تبون “وجه نداء إلى الشباب الجزائري في الخارج الذين يعيشون أوضاعا هشة وغير قانونية، والذين تم دفعهم في كثير من الأحيان إلى الأخطاء من قبل أشخاص كان هدفهم الإضرار بمصداقية الدولة، حيث أن معظم هؤلاء الشباب لم يرتكبوا سوى جنح بسيطة، مثل القلق من استدعاءات من الشرطة أو الدرك الوطني بخصوص أمور لها علاقة بالنظام العام”.
رهان “التوبة” السياسية
يرتكز المقترح الرسمي على تصنيف المعارضين في الخارج إلى فئات، حيث ركز بيان الرئاسة على الشباب الذين يعتبرهم “ضحايا تضليل” دفع بهم إلى ارتكاب “جنح صغيرة” أو الهروب بسبب مخاوف أمنية بسيطة. توفر هذه التسوية فرصة للعودة مقابل “تعهد سياسي” بعدم معارضة النظام، باستثناء المتورطين في قضايا عنف، المخدرات، الأسلحة، أو التعامل مع جهات أجنبية.
غير أن هذا العرض ينظر إليه العديد من المتابعين على أنه ليس مجرد “مبادرة إنسانية”، بل آلية لتصفية المناوئين السياسيين.
ويرى رشيد عوين، مدير منظمة “شعاع” لحقوق الإنسان، أن هذا الإجراء يمثل “ترسيخا لسياسة سابقة” تتجه نحو تحويل المعارض إلى مواطن “مقيد الصوت”، مقابل السماح له بالعيش في بلده، محذرا من أن الرفض قد يؤدي إلى إجراءات انتقامية أشد، مثل سحب الجنسية.
صدى الشارع: إنه “فخ” وليس مصالحة
على الرغم من اللغة الإيجابية في بيان الرئاسة، إلا أن ردود الفعل الشعبية جاءت مشوبة بالسخرية والتوجس، سواء من الشباب في الداخل أو الخارج. فقد أطلق رواد منصات التواصل الاجتماعي تعليقات سلبية على ما اعتبرته المبادرة “فخا” يهدف إلى استدراجهم وتجريمهم.
وصف أحد المعلقين الجزائريين النداء بأنه “فخ لاستدراجهم ووضعهم في السجون”، ويتفق معه آخرون ممن حذروا من العودة إلى واقع لا يزال يراوح مكانه منذ سنوات.
ومن الجانب الاقتصادي، أعربت جزائرية مثقفة تشير إلى نفسها بـ”وردة أمل” عن أن المعضلة ليست قانونية فحسب بل تعود لبيئة طاردة تعاني فيها الشباب من البطالة وقلة الكرامة، مشددة على أن تحسين أوضاع البلاد هو السبيل لإعادة المغتربين تلقائيا.
في نفس السياق، طرح زين العابدين خوجة تساؤلا مهما حول “التناقض الواضح” في سياسة النظام، الذي يفتح باب التفاوض مع المغتربين بينما لا يتردد في سجن شباب الداخل. ودعا نور الدين رابح إلى ضرورة أن يترافق الخطاب الرسمي بالأفعال، محذراً من عدم بناء الثقة إلا من خلال الصدق ومعالجة أسباب الهجرة.
حقوق الإنسان: الأرقام تدحض الوعود
رسمت منظمة “شعاع” صورة مقلقة عن الوضع الحقوقي في الجزائر، حيث وثقت خلال سنة 2025 تزايدا للأسف في اعتقال وتفتيش نشطاء وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان.
خلصت البيانات إلى اعتقال ما لا يقل عن 400 شخص، من بينهم 80 ناشطًا تم احتجازهم بتهم تتعلق بقانون الإرهاب، في ظروف تثير القلق بشأن ضمانات المحاكمة العادلة.
في خضم هذا الوضع الحقوقي المتدهور، تجاوز عدد “معتقلي الرأي” 230 شخصًا بسبب أنشطتهم المدنية، وأصبحت تهم مثل “نشر أخبار زائفة” و”إضعاف الروح المعنوية” أدوات لتكميم الأفواه المعارضة، مما يزيد من اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي حول المصالحة والواقع الأمني المتصلب.
في هذا المناخ الأمني الصعب، تواجه مبادرة الرئيس تبون اختبار المصداقية. فالمصالحة الحقيقية لا تبدأ ببيانات إنشائية، بل تحتاج إلى إجراءات ملموسة لبناء الثقة، مثل إطلاق سراح معتقلي الرأي، وتوفير فضاء للحريات، ومعالجة الأسباب الجذرية التي تدفع الشباب إلى ركوب “قوارب الموت” هربًا من واقع يفتقر للعدالة وفرص الكرامة.

