انطلق الإضراب العام لسائقي الشاحنات في الأول من يناير 2026، بعد دعوات متزايدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وسرعان ما أصبح واقعا ملموسا في الشارع.
وشهدت عدة مدن جزائرية استجابة كبيرة مما أدى إلى نقص حاد في تجهيزات المحروقات والمواد الغذائية، وسط طوابير طويلة للمواطنين أمام المتاجر ومحطات الوقود. كما توقفت حركة إمداد الأسواق بالخضر والمواد الغذائية، مما أثار مخاوف من أزمة تموين، خاصة مع قرب شهر رمضان.
هواجس النظام من العصيان الشامل
تكشف ردود الفعل الرسمية عن حالة من الارتباك والقلق داخل صفوف الحكومة من احتمال تحول إضراب الناقلين إلى عصيان مدني شامل؛ حيث تفاعل الجهاز التنفيذي واتحاد التجار بجدية مع دعاوى انتشرت عبر شبكات التواصل الاجتماعي تدعو التجار لإغلاق محالهم وشن إضراب عام.
وفي خطوة استباقية للسيطرة على الوضع، بادر الاتحاد العام للتجار والحرفيين بشن حملة مضادة، واصفًا هذه الدعوات بـ«الإشاعات المغرضة» التي تهدف لزعزعة استقرار السوق وتشويش المواطنين.
وذكّر التنظيم المهني بلغة «المسؤولية الوطنية» و«تماسك الجبهة الداخلية»، محذرا التجار من الاستجابة لهذه النداءات، خاصة مع اقتراب شهر رمضان، مما يعكس تخوفا حقيقيا من فقدان السيطرة على نبض الشارع وتوسع رقعة التوتر الاجتماعي لتشمل قطاع التجارة والخدمات.
وعود تبون على محك الواقع
قبل أسابيع قليلة، ضجت وسائل الإعلام الموالية للنظام بالحديث عن «بشرى» قدمها الرئيس عبد المجيد تبون، مدعياً أن قانون المالية لسنة 2026 سيخلو من أي أعباء مالية تمس جيوب المواطنين.
لكن الواقع الصادم مع بداية العام كشف زيف هذه الشعارات؛ حيث تفاجأ الجزائريون بزيادة سعر لتر «الديزل» من 29 إلى 31 دينار جزائري، بالإضافة إلى زيادات في أسعار البنزين وغاز البوتان.
هذه الزيادة لم تحمل عبئا ماليا على الجزائريين فقط، بل تسببت في رفع أسعار بعض المواد الأساسية، ليجد المواطن نفسه أمام خيارين: إما تصديق أن الرئيس يضلل شعبه، أو أن حكومته لا تطبق تعليمات رئيسها، وفي كلتا الحالتين الوضع يبقى كارثياً.
قانون المرور.. «تجريم» للمهنة
إلى جانب غلاء الوقود، تدور احتجاجات مهنيي النقل حول «مشروع قانون المرور الجديد»، الذي يعتبرونه قانونًا «قمعيًا».
ويرى السائقون في هذا المشروع صبغة «قمعية» واضحة، إذ يفرض غرامات باهظة تصل إلى نصف الحد الأدنى للأجر، وعقوبات سالبة للحرية لسنوات طويلة في حالات الحوادث، وهو ما يعتبره المهنيون «تجريماً للمهنة» وتملصًا من مسؤولية الدولة في إصلاح البنية التحتية وطرق النقل المهترئة.
القمع بدل الحوار
بعد فشل المناورات لاحتواء الغضب عبر «وعود» المراجعة القانونية، لجأت السلطات إلى المقاربة الأمنية. فقد سجلت تقارير ميدانية تواجدا أمنيا مكثفا وتوقيفات في صفوف السائقين المضربين، وزج العديد منهم في السجن بتهم ثقيلة تتعلق بـ«المساس بالنظام العام».
تجد السلطات الجزائرية نفسها اليوم في مأزق حقيقي؛ فبين مطرقة المطالب المهنية وسندان الوعود التي تبخرت مع أول اختبار، يبدو أن النظام قد استنفد جميع خياراته وعاد إلى استخدام القمع.
إن الإصرار على فرض قوانين قمعية، وتجاهل البنية التحتية المتدهورة، مع مواجهة الاحتجاج بتهم ثقيلة، قد ينجح مؤقت بناءً على إخلاء الطرقات، لكنه سيغذي حتماً حالة من الاحتقان الشعبي.- مما ينذر بانفجار اجتماعي أوسع قد لا تقوى البيانات الرسمية على احتوائه هذه المرة.

