يكشف قرار إقالة محافظ البنك المركزي الجزائري، صلاح الدين طالب، مرة أخرى عن الارتباك العميق الذي يسيطر على إدارة الشأن المالي في بلد غني بالموارد مثل الجزائر. هذا القرار يأتي ضمن سياسة “امتصاص الصدمات” التي تعتمد على التضحية بالمسؤولين بدلاً من مراجعة النهج المتبع.
قرارات مفاجئة
التعليمة الصادرة في 22 دجنبر 2025، والتي تمنع الإيداع النقدي في الحسابات التجارية دون إثبات المصدر، كانت القشة التي قصمت ظهر المحافظ المُقال. كان من المقرر أن تهدف هذه الخطوة إلى مكافحة تبييض الأموال، لكنها اصطدمت بحقيقة أن الاقتصاد يعتمد كثيرًا على السيولة النقدية المعروفة محليًا بـ”الشكارة”. والغريب أن هذا القرار ألغي بسرعة بعد إقالة طالب، إذ صدرت مذكرة جديدة في 4 يناير 2026 تعيد التعليمات القديمة.
هذه العودة السريعة تعكس التخبط في اتخاذ القرارات، حيث يمكن أن يكون القرار الأصلي قد اتخذ بدون دراسة كافية لتأثيراته على الموزعين والشركات، أو أن الإقالة كانت وسيلة سياسية للتخلي عن تبعات فشل الحكومة في جذب 90 مليار دولار تتداول في السوق الموازية.
تفاقم العزلة المالية
لعبت أزمة “الكاش” دورًا في الإطاحة بطالب، لكنها ليست الوحيدة. فقد أثبتت عدة ملفات عجز البنك المركزي عن حماية الاقتصاد، مثل فشل ضبط ملف “منحة السفر”، الذي نتج عنه خسائر للخزينة تجاوزت مليار يورو سنويًا بسبب التهريب نحو السوق السوداء. هذا في الوقت الذي ما زالت الجزائر فيه ضمن “القائمة الرمادية” لمجموعة العمل المالي “غافي”، مما أثر سلبًا على سمعة النظام المالي دوليًا.
كما ساهم بقاء الجزائر ضمن “القائمة الرمادية” في تفاقم العزلة الدولية للنظام المصرفي، في وقت حذرت فيه تقارير البنك الدولي من تآكل الاحتياطيات الأجنبية وتدني الهوامش المالية، مما وضع المحافظ المُقال في مقدمة الأضواء بخصوص فشله في إدارة التضخم وضبط تأثيرات الأزمات الاقتصادية الخارجية.
تغيير الأشخاص دون تغير المفاهيم
تشير الأرقام إلى أن منصب محافظ بنك الجزائر أصبح مثل “كرسي قاذف”، حيث يتم إقالة المسؤولين سريعًا. فمنذ مغادرة محمد لكصاسي عام 2016 بعد 15 عامًا في المنصب، لم يستمر من تولوا هذا الكرسي طويلاً. ومنهم محمد لوكال الذي تم سجنه بسبب قضايا فساد، بينما تولى صلاح الدين طالب الإدارة منذ مايو 2022 خلفا لرستم فاضلي الذي لم يبقَ في منصبه سوى 3 سنوات.
إن التضحية بطالب اليوم، كما حدث مع سابقيه، تعكس أن النظام يفضل تغيير الواجهات بدلاً من تغيير المنهجيات. فالمشكلة ليست في هوية المحافظ بقدر ما هي في القرارات المتسرعة التي تفتقر للتنسيق مع الفاعلين الاقتصاديين والاعتماد المفرط على ريع المحروقات دون استراتيجيات بديلة حقيقية.
وعي شعبي يكشف المستور
عكست ردود الفعل الشعبية على مواقع التواصل الاجتماعي وعياً جلياً بطبيعة التحركات السياسية الأخيرة، حيث جاءت التعليقات مختلطة بالسخرية والألم، مما يدل على أن الشارع الجزائري لم يعد يصدق سياسة تغيير الواجهات.
في هذا السياق، كتب أحد المواطنين، تعبيراً ساخرًا، على إعلان صفحة الرئاسة الجزائرية في فيسبوك خبر الإقالة: “شكرًا سيدي الرئيس على توفير الخبز والماء، وحقيقة أننا لا نهتم بتطورات بعض الدول العربية”. هذا التعبير يعكس الفجوة بين الخطاب الرسمي وواقع المعيشة.
من جهته، أكد أحد المواطنين أن “الأزمة أعمق من مجرد تغيير المناصب”، مشددًا على ضرورة تغيير الذهنيات وليس الأشخاص. كما أشار آخرون إلى أن “مهما تغيرت المناصب، فالذهنيات تبقى كما هي”.
ولم تخفَ المعاناة اليومية عن التفاعلات، إذ أكد مواطن آخر على أن “الفاتورة يدفعها المواطن البسيط”، في إشارة إلى تأثير السياسات العشوائية على عامة الناس. كما أشار آخر إلى أن “لا حل حقيقيًّا للمشكلة، والمواطن هو الضحية المعتادة”.
وفي تحليل أكثر عمقًا، عبرت مواطنة عن أن الحل ليس في تغيير الوجوه وإنما في إيجاد حل جذري، مشيرةً إلى أن الزيادات في الأجور يقابلها ارتفاعات كبيرة في الأسعار، مما يجعل من الصعب على المواطن شراء سيارة أو منزل.
أما أحد الشباب فقد اختصر الوضع في انتقاد لاذع لسلسلة المراسيم المتكررة قائلًا: “تغيير منصب هنا وتعيين آخر هناك، يجب إعادة التفكير في سياسة الدولة، خصوصًا في ظل الأوضاع الحالية”. وهذا يمثل صوت القلق الشعبي من استمرار النهج الإداري القائم على إدارة الأزمات دون إصلاح حقيقي.

