Close Menu
أرشيف الأخبار
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    أرشيف الأخبار
    الاتصال بنا
    أرشيف الأخبار
    الرئيسية » المقاومة في الدار البيضاء : الفقيه محمد بوراس الفكيكي بلسانه

    المقاومة في الدار البيضاء : الفقيه محمد بوراس الفكيكي بلسانه

    بواسطة دابا ماروك27 أغسطس، 202017 دقائق
    فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
    شاركها
    فيسبوك تويتر لينكدإن بينتيريست البريد الإلكتروني

    عند وصولي إلى الدار البيضاء ، ذهبت عند عمر البيضاوي كي أطلب منه اطلاعي على المستجدات، حيث إن عمر لم يتمكن من متابعة دروسه بالقرويين نظراً لظروفه المادية. المهم اتصلت به فأخبرني بأن هناك جماعة ينتمي إليها خليل بوخريص، الذي يوجد الآن بالبيضاء وهو من يقوم بالاتصال. فقلت له يجب أن نتحرك ونفعل شيئاً ما فأخبرني بأن هذه الجماعة ينقصها السلاح. وعند رجوعي إلى فاس ، وعلى اعتبار اتصالي المستمر مع الحزب، كنت قد اتصلت بمحمد بنعبد الله الوكوتي الذي كان مسؤولاً عن خلية لحزب الاستقلال، وكان يدرس معنا بالسادسة بالقرويين ويسكن بالمدرسة البوعنانية، وينتمي لمنطقة بركان ، و خلال مذاكرتنا أخبرني بأن المسدسات تباع ببركان بثمن 30 ألف فرنك. ثم رجعت للبيضاء، وقد كنت على اتصال بعمر عن طريق المراسلة، وكنا نطلق على المسدس اسم القاموس؛ فالمسدس الصغير نطلق عليه قاموس الطلاب، وهناك الذي نطلق عليه اسم المنجد الخ… وتسلمت 30 ألف فرنك من بوخريص عن طريق عمر البيضاوي. وبفاس سلمتها لبنعبد لله على أساس أن يحضر لنا مسدساً.

    ولما أراد أن يغادر فاس ربط لي اتصالاً بابن عمه من بركان ، وكان أيضاً يقطن بالمدرسة البوعنانية، على أساس أن أتابع مع هذا الأخير قضية شراء المسدس. وبقيت معه على اتصال، لكن لم أتوصل بالمسدس واختفت 30 ألف فرنك. واستمرت المراسلة بيني وبين عمر الذي أكد لي أنه أخبر خليل بوخريص عن مآل 30 ألف فرنك، وفي إحدى الرسائل أخبرني بأن خليل سيزور فاس . وفي هذا الزمن نظم فدائيون من فاس عمليات فدائية ناجعة، وكان من بينهم بنشقرون وشخص يدعى المركاني. ولم أكن أعرف أن أولئك الفدائيين كانواعلى اتصال ببوخريص أم لا. المهم جاء خليل بوخريص إلى فاس وانتظرته، لكنه تناول وجبة غذائه عند شخص أخر، ثم التحق بي إلى البيت حيث تذاكرنا معاً حول قضايا متعددة، وبعدها رافقته إلى محطة القطار عائداً إلى البيضاء . لقد أخبرني بان الفقيه بالعربي “شيخ الإسلام” قد طلب منهم بأن يثأروا من الفرنسيين ويذيقوهم المرارة في عيدهم، كما فعلوا معنا في عيدنا، وبقينا على ذلك الاتصال. في أواخر ديسمبر 1953 وقعت قضية قطار فكيك. فقد كان مقرراً الاحتفال في بشار بمناسبة مرور 50 سنة على احتلالها. وكان حينذاك القطار المتوجه إلى بشار مليئا بالنصارى، وكان من بين الحضور الوالي العام بالجزائر . والأكيد أن خبر القطار هذا كان معلوماً لدى الزرقطوني بالبيضاء . وأظن أن البصري كان في ذلك الوقت على اتصال بالزرقطوني. وذهب البصري برفقة محمد عمارة المعروف ب”ساعة” الذي كان ضمن خلية بالبيضاء ، إلى وجدة ، وهناك التقيا مع أحمد بن علي المعروف ب “الميد”،ويدعى خير. ولما تم الاتفاق بين الأطراف المجتمعة ذهب “ساعة” إلى فكيك وانشأ خلية تضم بالإضافة إليه كلاً من عثمان قادي، واحمد بنبراهيم، وسالم هبال، والحبيب بن بزة الذي كان أمينا للصندوق لحزب الاستقلال يقدم لهم المساعدات المالية. وذهبت عناصر الخلية إلى منطقة العملية ما بين بني ونيف وبشار، وفكوا قضبان السكة الحديدية، حيث حولوا مسار السكة. وبعد إنجاز العمل المطلوب، وقفوا على بعد ينتظرون النتيجة، حتى تأكدوا أن عمليتهم كللت بالنجاح. وفي طريق العودة تمكن العياء من أحمد بنبراهيم الذي تورمت رجلاه من طول الطريق، لذا كان يطلب منهم تصفيته خوفاً منه من أن يتم اكتشاف أمرهم من طرف طائرة العدو، لكن أفراد الخلية رفضوا ذلك وحملوه معهم إلى مشارف مشجر شوكي وتركوه هناك ليستريح، وبعدها يكمل الطريق ما دام أنه من المنطقة ويعرف المسالك. نجحت إذن هذه القضية التي اطلعت عليها عن طريق جريدة السعادة، وبعد ذلك حكى لي “ساعة” التفاصيل. وكان البصري هو من ينسق مع “ساعة” في تلك العملية. وكنت باستمرار على اتصال بعمر البيضاوي الذي أخبرني بأن هناك محاولة لضم جماعة بوخريص لجماعة الزرقطوني، لكي لا يتم وقوع خلط وارتباك في العمل الفدائي. في ذلك الوقت لم ألتق بالبصري بعد، ومما أخبرني به عمر هو أن مبارك منار يعرف جماعة الزرقطوني. وبقيت على اتصال دائم بعمر البيضاوي الذي أخبرني بأن مبارك يعرف أين يوجد مولاي عبد السلام الجبلي. وهكذا ذهبت عند مبارك إلى محل الحلاقة الذي كان يعمل به بشارع فيكتور هيكو، قادماً من فاس ، وبدأت أستفسره عن مكان “الجماعة”، خاصة وأنني قد علمت بأنهم يوجدون بالبيضاء ، وسألته عن البصري وعن مكان مولاي عبد السلام. وفي الثانية عشرة زوالاً وبعد انتهائه من عمله، أخذني إلى منزل أحمد العبدي، وكان يقطن “بكريكوان” بديور المخزن، وهناك وجدت مولاي عبد السلام الجبلي مختفياً، لأنه أنجز عملية بأكادير وفر إلى البيضاء . قضينا الليلة معاً و تحدثنا طويلاً. ووقتها كنت قد بدأت الاتصال بجماعة من الحزب، تلك التي عرفني عليها محمد بن عبد لله الوكوتي من أجل إنشاء خلية للمقاومة بفاس ، وقد وعدوني بذلك. واتصلت ببنحميدة قصد تكوين خلية بمكناس . وبقيت على اتصال بجماعة فاس ، ولم يكن لدينا سلاح ولا إمكانيات لشرائه. فبدأت أتردد على مدينة البيضاء ، وكنت ألتقي بمولاي عبد السلام وأحدثه عن آخر التطورات وأخبره بأن الجماعة ينقصها وجود السلاح. وفي أحد الأيام ضرب لي موعداً مع البصري لدى أحد أصدقائنا، ويتعلق الأمر بالعربي هكو الذي سيأتي دوره لاحقاً، وكان العربي يملك محلاً للخياطة قرب العين التي توجد بدرب الشرفا. وتم اللقاء بيني وبين البصري وتحدثنا مطولاً وأخبرته عن الاتصالات التي أقوم بها وعن تحركاتي عموماً. ومن جملة ما تحدثنا عنه قضية السلاح، فتم الاتفاق على موعد آخر يعرفني خلاله البصري على عبد الرحمان الزناكي، المعروف حالياً بعبد لله الصنهاجي، والذي انخرطت معه خلية من أهل فكيك. وهكذا تم اللقاء بيني وبين عبد لله الصنهاجي بمنزله الكائن في قيسارية المنجرة، الذي أخبرني بأن السلاح والمال موجودان ولا ينقص إلا من يحمل السلاح. وكانت تلك المرة الأولى والأخيرة التي أرى فيها عبد لله الصنهاجي، إلى أن رأيته غداة الاستقلال. بعد هذا التاريخ وقعت قضية “مارشي سانطرال”. وقد حكى لي محمد رضى بنموسى بأن الزرقطوني وزع عليهم الأدوار بحيث يقوم هو وعبد لله الزناكي وبوشعيب الغندور بعملية المارشي سانطرال، ومنصور وعبد القادر عسو بعملية كولي بوسطو. هكذا قام بنموسى والزناكي بإشعال “الميش” المتفجر بشارع محمد الخامس، وذلك لضمان بقاء الميش مشتعلاً إلى حين ولوج المارشي. وهذا ما حصل بالفعل ونجحت العملية، إلا انه تم اعتقال عبد الله الزناكي وبوشعيب الغندور واعدم عبد الله الزناكي، أما بنموسى فقد نجا وهرب إلى المنطقة. في حين أن عملية “كولي بوسطو” فلم تنجح(…) أشعلا فتيل المتفجر “الميش” بمكان العملية، مما أدى إلى انتشار رائحة البارود، وهكذا تم كشفهما وإلقاء القبض عليهما. وقامت جماعة من تجار طريق مديونة بالبيضاء تنتمي لحزب الاستقلال بكتابة عريضة استنكار عملية المارشي سانطرال لإبعاد الشبهة عن اللجنة التنفيذية المعتقلة. وكان محمد رضى بنموسى من الأوائل الذين قاموا بالعمليات الفدائية، وكان يملك محلاّ للخشب بدرب السلطان، وهو الذي يرجع إليه الفضل في إلحاق البصري بالحركة، وكان ذلك عن طريق السي عمر الساحلي الذي اختفى مباشرة بعد أحداث نفي جلالة السلطان محمد بن يوسف. فبعد التحاق عمر الساحلي بالبيضاء ، التقى ببنموسى هناك، وحكى له عن البصري. وهكذا قام بنموسى بربط البصري بالزرقطوني وبالحركة الفدائية، وأن بنموسى والساحلي ينتميان لنفس المنطقة. بعد اتصالي بعبد لله الصنهاجي وعدني خيراً، وكنت أتردد على البيضاء وفاس ، وفي نفس الوقت أنسق مع بنحميدة بمكناس وأوطد اتصالي بجماعة فاس . وفي إحدى الليالي، بعد تاريخ عملية “مارشي سونطرال”، ضرب لي البصري موعداً مع الزرقطوني. وكانت لدى العربي هكو سيارة مستهلكة، أوصلنا بها مع البصري إلى كريان كرلوطي حيث الزرقطوني، فوجدناه ينتظرنا بمحل السي محمد بن إبراهيم البعمراني، وصعد البصري إلى جانب العربي بالمقعد الأمامي، وجلست والزرقطوني بالمقعد الخلفي، وقمنا بجولة تحدثت خلالها مع الزرقطوني مطولاً في أمور مختلفة (…) وكنا قد حددنا موعداً على أساس أن أستقدم أحداً كي يوصل لنا المسدس إلى مدينة فاس ، فذهبت واستقدمت معي محمد العلوي إلى البيضاء كي يتكلف هو بالعملية وتم تحديد لقاء آخر. وكانت لدى أخي “با عزيزي” مفتاح منزل أحد أصدقائه قرب المدرسة المحمدية بدرب السلطان، فطلبت منه أن يتركها لي، وقد اصطحبت محمد العلوي للمنزل المذكور حيث أقمنا الليلة. وفي الصباح التحق بنا الزرقطوني ومعه مسدس، وبدأ يدرب العلوي على كيفية استعماله. ثم قررت أن نعود أدراجنا إلى فاس ، أنا والعلوي، لكن الزرقطوني طلب منا أن يذهب كل واحد على حدة؛ وهكذا توجه العلوي إلى محطة خطوط النقل الوطنية “CTM”، وتعقبته على إثرها حتى وصل بخير إلى المحطة وأخذت حافلة أخرى إلى فاس . ولدى وصولي اتصلت برئيس تلك الجماعة وسألته عن العلوي، فأخبرني بأنه وصل بخير فحمدت لله على ذلك. وفي ذلك الوقت، كانت المجموعة الأخرى بفاس التي قامت بعدة عمليات فدائية ناجعة قد ألقى القبض عليها، والسبب في ذلك هو أن أحد أفراد المجموعة حاول اغتيال أحد المقدمين، ينتمي لنفس الحي الذي ينتمي إليه الفدائي، لكن هذا الأخير لم يتمكن منه وجرحه جرحاً طفيفاً، فتعرف المقدم عليه، وهكذا تم اعتقاله مع المجموعة كلها. وبقيت فاس فارغة من أي نشاط فدائي ما دام تم توقيف الخلية كاملة، وقد اعتقل خليل بوخريص هو الآخر على إثر ذلك، والذي سبق لي أن قلت بأنه ربما كان على اتصال بهذه الخلية. ولم يتم القبض على العلوي لأنه لم يكن ينتم لتلك المجموعة التي تم إلقاء القبض عليها، وهو كان ينتمي للخلية التي كانت في طور الإنشاء، والتي كان من المفروض أن تعوض الخلية التي اعتقلت. وهكذا، بقيت أحث مجوعة العلوي اليوم تلو الآخر على أمل أن يقوموا بعملية ما. و في نفس الوقت كنت على اتصال ببنحميدة، وقررت أن نذهب معاً لملاقاة السي بلقاسم بادو وآخرين بمكناس لمحاولة إنشاء خلية هناك، ولم أتمكن من اللقاء مع بلقاسم بادو لعدم وجوده لحظة زيارتي لمكناس . وحاولت هذه الخلية التحرك، لكنها لم تحسن التصرف فتم إلقاء القبض عليها هي الأخرى. وتم الاعتراف بي وأبلغوا عني. ومن حسن حظي أنه في الوقت الذي جاء البوليس للبحث عني بالقرويين لم يجدوني وكنت وقتها بمولاي يعقوب برفقة الطالب الذي كان يسكن معي، وأخذوا صورتي من مجلس القرويين، حيث كان البحث يتم عن طريق الصورة. ولدى عودتي تم الاحتكاك بيني وبين رجال الشرطة عند مدخل ضيق يؤدي إلى محل سكناي، ومن الصدف أنهم لم يتعرفوا علي ومر الأمر بسلام، لأنه لم يكن في علمي أن البحث يجري عني. وهكذا وحين هممت بالدخول إلى البيت سارع أحد الخياطة الذي كان يسكن بجواري وقال لي: ماذا تفعل؟ قلت أفتح الباب. قال لي: ألم تلتق بهم. قلت من؟ قال: البوليس، إنهم جاءوا يبحثون عنك وصورتك معهم. فتركت المكان متشكراً متوجها إلى فاس الجديد عبر دروب وأزقة المدينة القديمة الضيقة. وهكذا اتصلت بالعربي بوراس (صهير) وأخبرته بالموضوع وبأنني سأغادر مدينة فاس . ذهبت إلى الملاح وامتطيت الحافلة متوجها إلى محطة الستيام بدار الدبيبغ، ومن محاسن الصدف وجدت أن الحافلة المتوجهة إلى البيضاء ينقصها مقعد واحد فركبت على الفور. وفي الطريق وبمحطة مكناس صعد رجال الشرطة “البوليس” للتفتيش وبدأوا يطلبون من الركاب بطاقات التعريف، وقلت مع نفسي الآن أنا في ورطة، وتقدم الشرطي وطلب مني الإدلاء ببطاقة التعريف فسلمتها له وبعد مهلة أعادها لي دون مشاكل، فتنفست الصعداء وقلت الحمد لله. ووصلت إلى مدينة الدار البيضاء حوالي الساعة العاشرة ليلاً، وتوجهت مباشرة عند صهري .،حيث قضيت معه تلك الليلة. وفي الصباح، ذهبت عند العربي هكو وسألته عن البصري فأخبرني بأنه لم يأت بعد، وهكذا بقيت في انتظاره حتى جاء وأطلعته على الأمر، وكان ذلك في أوائل سنة 1954. وبالبيضاء كان لي أخ وأحد أبناء عمي يشتركان في محل للمواد الغذائية بزنقة “بوري” ويدعى ” بقّال الأحباب”، وكان يشتغل فيه سليمان حداد ، وكان حينها صغير السن.وقررت اللجوء إلى هذا المحل “البيسري” قصد الاختباء فيه. أما بخصوص جماعة فاس ، فقد أقلق أمرها الزرقطوني الذي قال بأن أولئك الناس لن يفعلوا شيئاً، فكلفنا أنا والبصري بالأمر ما دمت أول من اتصل بهم، و ذلك رغم أنني كنت مبحوثاً عنه بفاس . وهكذا ذهبنا إلى فاس ، وحين وصولنا تم الاتصال بالجماعة، فقاموا مرة أخرى بإعطائنا وعوداً وطلبوا منا ان نمهلهم بعض الوقت، وفي علمي أنه إلى حدود 8 مارس سنة 1955، يوم ألقي علي القبض، فإن هذه الخلية لم تقم بأي عمل يذكر، اللهم إذا ما قاموا بشيء بعد هذا التاريخ. وعدنا أنا والبصري إلى البيضاء على متن القطار، وفي الطريق علمنا عن طريق إحدى الجرائد بقضية حمان الفطواكي مع الكلاوي، حيث رأينا في جريدة عند أحد الركاب صورة لمسجد الكتبية بعد العملية. وكان البصري يزورني من حين لآخر في المحل “البيسري” الذي استعملناه مقرا للاتصال، وإذا تورط أحدهم فانه يأتي ليختبئ فيه. وبدأت في تلك الأثناء بالاتصال مع الفقيه بنعمر من بني ملال الذي كان على رأس مجموعة من رجال القوات الاحتياطية التابعة لثكنة بورنازيل. والفقيه بنعمر، وكان كثير السفر ليتمكن من تزويدنا بنتائج اتصالاته، أنا والبصري. وفي إحدى المرات أحضر الفقيه البصري رشاشاً إلى “البيسري”، وهو الرشاش الذي ضرب به بونيفاس ، وبقي عندي حتى أخذه مولاي عبد السلام الجبلي إلى مكان آخر إبان أزمة البيضاء ، حيث تم إغراق المدينة بمن هب ودب بغية زرع الفتنة وخلق الاكتظاظ. وبقيت مجموعة فاس جامدة دون أن تحرك ساكناً، فلم يهدأ للزرقطوني البال، لأنه لم يرق له أن تبقى مدينة فاس دون عمليات فدائية. وفي أحد الأيام، ذهب صحبة بعض رفاقه في جولة سياحية إلى مدينة إفران ، ومنها تسلل إلى فاس حيت أنشأ خلية بها دون أن يخبر أحداً بها. وقد كان الشجاع البشير عضواً ضمن هذه الخلية التي بقيت بدورها خامدة، أو لربما أنها حاولت القيام بعمل ما إلا أنها انكشفت، وتم اعتقال أفرادها وتم التبليغ عن الزرقطوني، وانتقلت فرقة من الشرطة الى منزله، وأثناء محاولة اعتقاله تناول قرصاً من السم. وكانت الحركة كلما ألقي القبض على أحد أفرادها، تحاول البحث بكافة الوسائل الاتصال بأحد رجال الشرطة المرتشين، وذلك قصد تيسيرهم لنا لطرق الاتصال بالمعتقلين وكذا الحصول على بعض المعلومات بغية اتخاذ الاحتياطات اللازمة. لم يبق في القيادة بالخارج سوى مولاي عبد السلام الجبلي، والبصري، ومبارك الورداني، والحسين الصغير، والحسين بن علي، وآخرين. وكان الحسين بن علي من أولئك الشباب الذين قدموا من فرنسا وأرادوا القيام ببعض العمليات، إلا ان الجماعة رفضت طلبهم بدعوى أنهم لا يعرفون البلاد جيداً. وبناصر هو الآخر الذي قدم من فرنسا بالإضافة إلى شخص آخر لم أعد أتذكر اسمه. وعلى أية حال، بقيت المسائل تمشى عادية؛ فجماعة فاس لم تتحرك، ونفس الشيء كان مع الخلية التي انشأها الزرقطوني، وهكذا بقيت مدينة فاس هادئة. وقد كانت الحركة تنفذ بعض العمليات من حين لآخر، وبعدها تقرر عدم التحرك والتوقف لمدة 15 يوماً، وذلك لنتمكن من معرفة ما إذا كان هناك آخرون في الساحة يتحركون، كي يتم البحث عنهم وضمهم إلى الحركة والتكفل بمصاريفهم . حوالي أكتوبر 1954 زارني البصري وأخبرني بأنه سيذهب للمبيت بلارميطاج، لكنه لم يطلعني عند من سيقضي ليلته. وكان هناك شخص يدعى صالح “مول العود” يتنقل بين البيضاء والمنطقة الشمالية، وعلى اتصال بأحدهم بنقطة الحدود بعرباوة، وكان يقوم بنقل المقاومين الذين انكشفوا إلى المنطقة الشمالية، وكان بمثابة المراسل بالنسبة للجماعة، وقد ألقي عليه القبض ولم يكن ذلك في علم أحد، ومباشرة بعد اعتقاله أبلغ عن محل سكنى الجماعة الذي حوصر ليلتها وبالتالي تم اعتقال الجميع بما فيهم البصري ومولاي عبد السلام، ومبارك الورداني، والحسين بن علي والحسين الصغير، ورابطت الشرطة طيلة الليل بالمنزل حيث تم اعتقال كل من التحق بهدا المنزل. وهكذا فرغت الساحة من القيادة ولم يبق سوى الأطر ومن هم بالخارج. وفي الصباح جاء عندي مبارك (منار) وأخبرني بنبأ اعتقال المجموعة، وقال لي بأنهم كانوا يتأهبون لتغيير المقر، لكن لسوء حظهم اعتقلوا، وقال لي أيضاً بأنه يجب علينا التحرك والقيام بعملية، وأن هناك عبد الرحمان الصحراوي تاجر في الملابس المستعملة بالقريعة ومبارك الكحل من خلية البصري يجب إرسالهما إلى المنطقة. فطلبت منه أن يحدد لي موعداً مع عبد الرحمان الصحراوي واتفقنا على أن يتم التعارف بيننا عن طريق إشارة معينة. وبالفعل تم اللقاء بيننا ليلاً بمقهى قرب كراج الملكي وتبادلنا الإشارات، لكننا لم نتفاهم وشرب كل منا كأس شاي وانصرف، وقد كان في نيتي اصطحابه معي والعمل على إرساله إلى المنطقة. وفي الصباح التقيت بمبارك وأخبرته بالأمر فطلب مني مرافقته إلى محل عبد الرحمان الصحراوي بالقريعة حتى تزول الشبهة ويتم التعارف. وبالفعل ذلك ما وقع، لكن مباشرة بعد مغادرتنا لمحل الصحراوي، جاءت سيارة للشرطة واعتقلته، لكنه أغفلهم وفر منهم والتجأ إلى أخته. وبعدها بحثنا عنه لكن دون جدوى، ثم بحثنا على أمبارك الكحل وأرسلناه إلى المنطقة. وعلمنا أن عبد الرحمان الصحراوي قام بمحاولة شخصية للفرار إلى المنطقة، لكن تم اصطياده واغتالوه وهو في طريقه إلى الشمال. وبدأت بعدها أتصل ببوشعيب الدكالي، وكونا قيادة جديدة من أربعة اشخاص: بوشعيب الدكالي، والمدني، وسعيد المنوزي، وعبد ربه، وحاولنا إيجاد أصحاب الاتصالات الذين لم يكونوا معروفين لأحد، وذلك من أجل البحث عن مكان وجود الخلايا ليتم تحريكها. وقد أقلقنا بقاء فاس فارغاً دون مقاومة. وهكذا ربط لي بوشعيب الاتصال بعضوين من فاس ينتميان إلى خلية عمرالكمالي الملقب “بالفيلسوف” آنذاك، حيث سلمتهما عشرين ألف فرنك، وكان مبلغاً كبيراً بالمقارنة مع وقتنا هذا، وذلك ليذهبا إلى فاس و يقوما بأي عمل هناك كي يتم التخفيف بعض الشيء عن مدينة البيضاء . لكنهما رجعا إلي بعد يومين وطلبا مني مزيداً من النقود، فطلبنا منهما العودة من حيث أتيا. نبذة حياة غنية “ولد محمد بوراس بقصر زناگة إقليم فيگيگ سنة 1921، نشأ في عائلة محافظة، التحق بالمسيد ثم تتلمذ على يد الوطني محمد فرج. انتقل إلى مدينة فاس لمتابعة الدراسة بالقرويين، لكن سرعان من غيّر الوجهة صوب جامعة ابن يوسف بمراكش سنة 1946، داخل هذه المؤسسة سيتعرف على نخبة من الأصدقاء والرفاق، وستتاح له الفرصة لتبادل الأفكار والآراء مع الطلبة. الانطلاقة الفعلية في العمل النضالي للراحل محمد بوراس ستكون مع إعلان تأسيس “جمعية الطالب” بمراكش رفقة مجموعة من المناضلين من الطلبة، وأولى المطالب تنادي بإصلاح التعليم، إلى جانب العمل على خلق إطار موحد يجمع الطلبة بمختلف المدن المغربية. خاض محمد بوراس رفقة زملائه الطلبة مجموعة من الاضرابات وعدة أشكال احتجاجية ما استدعى تدخل الباشا الگلاوي باشا مراكش ، حيث قام باعتقال محمد بوراس ومجموعة من رفاقه الذين تعرضوا لمختلف أشكال التعذيب. غير أن ذلك لم يمنعهم من مواصلة العمل النضالي ونشاطهم الطلابي بعد 15 يوما قضوها في الاعتقال والسجون. سنة 1951 شارك محمد بوراس بقوة في الحملة التوعوية في صفوف الحرفيين والصناع التقلديين عن طريق توزيع المنشورات وجمع التوقيعات المنادية بمنح المغرب استقلاله، كما أنه كان وراء حفل الاستقبال الكبير المخصص للسلطان محمد بن يوسف خلال زيارته لمدينة مراكش . نشاط الراحل لم يقتصر على العمل الطلابي فحسب، بل امتد للعمل الفني والرياضي بالمدينة ، فكان على رأس فرقة للتمثيل، كما أشرف سنة 1952 على تنظيم عرض فني لفرقة التمثيل بمدينة أكادير . وبعد انتهاء الحفل وهو في طريقة إلى أبو بكر القادري لاخباره باعتقال رفافه الطلبة، تعرض محمد بوراس لمجموعة من المضايقات بسبب تحركاته المتواصلة قصد إطلاق سراح زملائه الطلبة. وفي نهاية سنة 1952 سيتعرض مرة أخرى للاعتقال رفقة أربعة طلبة آخرين من طرف رجال الباشا الكلاوي. وبعد صدور قرار طرده من مؤسسة ابن يوسف بمراكش رفقة زملاء له، انتقل محمد بوراس إلى مدينة فاس لينتسب من جديد لجامعة القرويين برسم سنة 1953. من فاس إلى فگيگ ومن فگيگ إلى فاس ، ثم إلى الدار البيضاء ، بغرض البحث عن أصدقائه بمؤسسة ابن يوسف بمراكش ، وفي مدينة الدار البيضاء سيلتحق بالمقاومة، وسينْظم إلى خلية فدائية تضم كلا من عمر البيضاوي وخليل بوخريص، وبعد فترة، عاد إلى مدينة فاس وتمكن من تأسيس خلية سرية هناك، ثم عاد إلى الدار البيضاء حيث التقى بمحمد الزرقطوني، وكان هدفه تمكين خلية فاس من السلاح وتدريب أعضائها على استخدامه. وبعد تأسيس خلية مكناس ، انحصر عمل محمد بوراس في مهمة التنسيق بين الخلايا الفدائية وتنظيم صفوفها وتمكينها من السلاح والرجال، وقد واصل عمله الوطني إلى أن القي عليه القبض يوم 8 مارس 1955، وبعد تفتيش بيته من طرف الشرطة، تم العثور على رشاشة، وقد تعرض حينها لأبشع أساليب التعذيب، كما تم نقله إلى ورزازات وضل هناك رهن الاعتقال لثلاثة أشهر قبل أن يودع بسجن القنيطرة ، بعد أن تم عرضه على أنظار قاضي التحقيق. في سجن القنيطرة سيلتقي بعدد من قادة المقاومة. باعتقال المقاوم محمد بوراس تلقت «المنظمة السرية» ضربة موجعة، ليتمكن اعضائها من الفرار إلى مناطق مختلفة في اتجاه الشمال والجنوب. وبعد عودة السلطان محمد بن يوسف من منفاه تم إطلاق سراح المعتقلين السياسيين في سجون الاحتلال الفرنسي، واختار محمد بوراس الانتقال إلى مدينة الناضور حيث يمارس جيش التحرير نشاطه، هناك ستبدأ مرحلة جديدة من مراحل الكفاح الوطني استمرت لعدة سنوات، بين المناطق الشمالية والجهة الشرقية على طول الشريط الحدودي مع الجزائر . سياسيا، وعلى إثر الخلاف الذي انفجر داخل اللجنة السياسية لحزب الاستقلال انذاك بين نخبة من المقاومين من بينهم محمد بوراس والمهدي بن بركة، وبين أعضاء اللجنة التنفيذية من جهة، ظهرت بوادر انشقاق توجت بإعلان ميلاد حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بعد تعذر الحفاظ على وحدة حزب الاستقلال. سنة 1960 جرت حملة اعتقالات طالت مجموعة من الأسماء البارزة في المقاومة، تمكن حينها محمد بوراس من الهروب بجلده متخفيا في تنقلاته، وبعد صدور حكم بالمؤبد في حقه اضطر إلى مغادرة الوطن، فعاش في المنفى مدة عشرون سنة إلى أن عاد إلى أرض الوطن بتاريخ 25 اكتوبر 1980»*. وعن عمر يناهز مائة سنة، انتقل صباح اليوم المقاوم والوطني محمد بوراس إلى جوار ربه، تاركا وراءه ارثا نضاليا ومجدا كبيراً، كما سيحتفظ له التاريخ بمواقفه الوطنية الصادقة، واستماتته القوية في الدفاع عن القضية الوطنية العادلة. إنا لله وإنا إليه راجعون. [* محمد زاد، «محمد بوراس الملقب بالفقيه الفيگيگي»، موسوعة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير المغربي، المجلد العاشر، الصفحات؛ 289-290-291-292، بتصرف].

    المصدر: الاتحاد الاشتراكي نشر في الاتحاد الاشتراكي

    شارك هذا الموضوع:

    • شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
    • المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
    • المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
    • اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
    • المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn
    • إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني

    مقالات ذات صلة

    أخبار
    شاركها. فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
    دابا ماروك
    • موقع الويب

    المقالات ذات الصلة

    قانون المالية 2026.. الحكومة تقبل 72 تعديلا بمجلس المستشارين

    4 ديسمبر، 2025

    هذا موعد الافتتاح الرسمي لحديقة عين السبع بالدار البيضاء

    4 ديسمبر، 2025

    خط جوي جديد ومباشر يربط الدار البيضاء بلوس أنجلوس

    4 ديسمبر، 2025
    اترك تعليقاً إلغاء الرد

    تحقيقات أمنية تؤدي إلى تفكيك شبكة تستهدف المحلات التجارية في قلب الدار البيضاء

    19 أكتوبر، 2026

    افتتاح الدورة الثامنة عشر لمهرجان فاس للثقافة الصوفية بعرض فني استثنائي بعنوان «أروقة الحب الروحي»

    19 أكتوبر، 2026

    اليقظة المعلوماتية لأمن مكناس تُسفر عن توقيف شاب عشريني تظاهر بحمل سلاح أبيض

    19 أكتوبر، 2026

    تأثير موجة الحر أزمة النقل: ما وضع أسعار الخضر في سوق الجملة بالدار البيضاء؟

    19 أكتوبر، 2026

    دار الكابرانات – الحلقة 229: صناعة العدو المغربي.. فن الحيلة بأسلوب الجزائر

    18 أكتوبر، 2026

    أمن مراكش يطيح بمروّج كوكايين في كمين محكم

    18 أكتوبر، 2026

    بهيجة السيمو تستعرض تاريخ “الدولة العلوية الشريفة والتعايش بين الأديان من خلال الوثائق الملكية”

    18 أكتوبر، 2026

    أمن الناظور يوقف موظف بنك بتهمة اختلاس 79 مليون سنتيم

    18 أكتوبر، 2026

    صور: لحظات ساحرة من شوارع وساحات طنجة مع بداية أولى زخات المطر

    18 أكتوبر، 2026

    إدارة السجن المحلي بأصيلة تطمئن بشأن الحالة الصحية لمنير الليموري وتؤكد أنها «عادية»

    18 أكتوبر، 2026

    روائح مزعجة تؤرق سكان أنزا بأكادير.. والوالي يمنح سنة لتسوية أوضاع الوحدات الصناعية المعنية

    18 أكتوبر، 2026

    أشغال دؤوبة ترسم معالم الداخلة وتزيد من جاذبيتها الحضرية

    18 أكتوبر، 2026

    بلاغ من الديوان الملكي: الملك محمد السادس يوافق على طلب رئيسة الحكومة بإعفاء ماديحة خيير من مهامها الوزارية

    18 أكتوبر، 2026

    حوار مع مروان حاجي: الموسيقى الأندلسية ليست مجرد موسيقى للأعياد والعلاقة مع العسري جيدة

    18 أكتوبر، 2026

    حادثة سير مروعة بين إفران وآزرو تودي بحياة عنصر من القوات المساعدة وتجرح ثلاثة أشخاص آخرين

    18 أكتوبر، 2026

    انتخابات ممثلي القضاة في مجلس السلطة القضائية: مشاركة تتفوق على 90% وتأثيرها على العدالة في المغرب

    18 أكتوبر، 2026

    فرنسا تحت وطأة احتجاجات عنيفة: 1800 شخص موقوف، حرائق ونهب للمتاجر وسط تبادل الاتهامات السياسية

    18 أكتوبر، 2026

    شرطة سلا تضع حدا لنشاط عصابة إجرامية وتستعيد الأمن للمدينة

    18 أكتوبر، 2026

    الباحث خليد العوني يكشف أسرار المواطنة العالمية في سياق مغربي

    18 أكتوبر، 2026

    معاصر الزيتون في المغرب: 11 ألف معصرة تقليدية تواجه تحديات جودة «الذهب الأخضر»

    18 أكتوبر، 2026
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام بينتيريست
    © 2026 داباماروك .

    اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter